عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

هناء عبد الكريم: الغضب.. حين تتجرد النفس من ثوب أخلاقها

في لحظات الهدوء، يرتدي الجميع أجمل ما لديهم من ثياب الأخلاق؛ نرى اللطف، والحلم، والأناة. لكن المحك الحقيقي لصلابة هذه المنظومة القيمية يكمن في لحظة واحدة.. لحظة الغضب العارم.

إن الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل هو حالة من "التعري الأخلاقي"، حيث يفقد الإنسان في لحظة طيش واحدة كل السمات والفضائل التي ميز الله بها البشر وستر بها نزعات الشرور داخل النفس الإنسانية. في تلك اللحظة، يبدأ المرء بنزع ثوب حلمه، ثم وقاره، ثم حياؤه، تدريجياً وبسرعة فائقة، ليجد نفسه في النهاية عارياً تماماً أمام الملا؛ تظهر عيوب النفس ومساوئها دفعة واحدة دون ساتر.

الوقوف عند السلوك الظاهري لا يكفي، فلحظة الانفجار هذه ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات وجذور ضاربة في عمق الطفولة فالتربية العنيفة، واللوم الزائد، والتوبيخ المستمر للطفل، يزرع داخله شعوراً بالدونية وعدم الأمان وهذا العنف واللوم في الطفولة يكبُر مع الإنسان ليتحول إلى آلية دفاعية مشوهة؛ فيصبح سريع الغضب، يشك في نوايا الآخرين، ويحور كلماتهم، متوهماً أن الجميع يتآمر ضده أو يسعى للنيل منه.

فتصبح لديه نزعة للتخلي عن كل ما هو جميل، والاندفاع لتدمير العلاقات عند أول شرارة خلاف.

الوصول إلى هذه المرحلة ليس قدراً محتوماً، والشفاء من هذه الترسبات يبدأ بخطوات واعية ومدروسة:

1. الوعي الذاتي:

إن دراسة وفهم سيكولوجية النفس البشرية، ومعرفة الدوافع وراء انفعالاتنا، يمنح الإنسان قدرة على تفكيك الغضب قبل أن يلتهمه. الوعي هو الخطوة الأولى لترميم شروخ الطفولة.

2. القرب من الله سبحانه وتعالى:

السكينة الحقيقية تنبع من عمق الصلة بالله والثقة المطلقة بتقديره. هذا القرب يورث النفس طمأنينة تجعلها تترفع عن المعارك الوهمية، وتتذكر قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.

3. التدرب على الهدوء (ضبط النفس)

الحلم بالتحلّم، والهدوء مهارة تُكتسب بالمران. التوقف لثوانٍ قبل إبداء أي رد فعل، وتغيير الوضعية الجسدية عند الغضب، يحول دون نزع الثوب الأخلاقي.

4. تعزيز الثقة بالنفس:

حين يكون الإنسان متصالحاً مع ذاته، واثقاً من قيمته، لن تهزه كلمات الآخرين، ولن يرى في كل نقد أو اختلاف "مؤامرة" تستدعي منه الهجوم والدفاع العنيف.

فالأخلاق ليست زينة نرتديها في الرخاء ونخلعها في الشدة. إنها هوية الإنسان الحقيقية. وحماية هذه الهوية تتطلب منا جهداً مستمراً في تهذيب النفس، ومواجهة رواسب الماضي، لكي لا نقع في فخ "التعري" أمام أنفسنا وأمام مجتمعاتنا في لحظة غضب عابرة.

***

هناء عبد الكريم

ذي قار _ قلعة سكر