أقلام حرة
رائد عبيس: المقابر الجماعية في العراق.. حدادٌ لم يكتملْ بعد!
من المفارقة التاريخية أن العراق يعد تقريباً أول دولة في العالم تخصص يوماً وطنياً يشتمل على تكريم لضحايا المَقابِرِ الجماعيَّةِ وذكرى لها. جاء هذا اليوم مشرعاً في (قانون العطلات الرسمية العراقي) بموجب القرار (12 لسنة 2024)، في حين لم يرد له ذكر في (قانون المقابر الجماعية رقم 15 لسنة 2015)، ولا حتى توصية بهذه المناسبة؛ رغم أن القانون الأخير أوصى وزارة حقوق الإنسان (في مادته السادسة) ببناء وتشييد صروح ومعالم للمقابر الجماعية، وهي المادة التي لم تنفذ لغاية يومنا هذا!
بينما ما تزال الجهات الرسمية -وأقصد مديرية شؤون المقابر الجماعية- تعلن إلى اليوم بأن هناك كثير من المقابر الجماعية لم تفتح بعد، على الرغم من تحديد مواقعها ! ويعزى ذلك لأسباب كثيرة لا سبيل إلى الخوض فيها الآن.
مثل هذا التصريح يجعل ملف المقابر الجماعية عبارة عن حزن دائم، وملف حِدادٍ لم يكتملْ بَعدُ! على خلاف من انتهت قصتهم بمعرفة مصير ذويهم، فارتاحت بذلك النفوس التي بقيت في حِدادٍ مُعلَّقٍ على فكرة العثور على قبورهم واكتشاف رفاتهم.
إن فكرة الفَقْدِ الدائمِ هي فكرة قلق دائم وحزن دائم، وحداد لم تكتمل أيامه بعد! وهذا يفاقم من مشاعر الأهالي الذين لديهم ضحايا في عداد مفقودي المقابر الجماعية، ويزيد من فكرة الظُّلمِ المُستمرِّ الذي لم يتحقق الإنصافُ فيه بعد. بخلاف من وجد ذووه رفاته ليطالب بتعويض مادي أو معنوي، فيتحول الضحية هنا من فكرة الحزن والانتظار إلى فكرة الاطمئنان لمصيره وطي سؤال الضياع المؤرق.
لذلك جاء قانون شؤون المقابر الجماعية ليضع مكافأة مادية لمن يعثر على مقبرة ويخبر عنها، ووضع نصاً جزائياً بحق من لم يخبر عنها أو يعبث بها أو ينكر حادثتها، كما جاء في المادة التاسعة من القانون. وهذا يعني أن مسألة العثور على مقبرة يجب أن تكون في منزلة الإنصافِ المَعنويِّ إلى جانب إنصاف الضحايا مادياً.
إن "اليوم الوطني للمقابر الجماعية" الذي جاء ضمن قانون العطل الرسمية، هو جزء من تلك النتيجة التي توحي بأهمية مضاعفة لرفض تكرار الجريمة بعناوينها المتعددة؛ مثل (حلبجة، والأنفال، وقتل العلماء وحظر الأحزاب). علماً أن نص القانون يقرن بين قتل العلماء والأحزاب معاً في سياق واحد.
فالحداد المعتاد يمكن كمراسيم أن تنقضي أيامه بما جاء به العرف الاجتماعي، ولكن الحداد الرسمي على ضحايا المقابر الجماعية هو ما يجب أن يكون حالياً غيرَ مكتملٍ بَعدُ! لحين ما يتم فتح آخر مقبرة والعثور على آخر رفات وطي ملف المقابر الجماعية في العراق إلى الأبد. وتبقى ذكراها كجزء من الإنصافِ الدائمِ لمشاعر ذويهم وتكريماً لأرواح من فقدوا بها.
لذلك نعد المقابر الجماعية في العراق هي حِدادٌ لم يكتملْ بَعدُ!
***
د. رائد عبيس







