أقلام حرة
حميد علي القحطاني: الأمن الغذائي
حين يكون الخبز عنوان السيادة
ليس الغذاء مسألة خبز يُوضع على الموائد ولا هو مجرد شأن اقتصادي يُدرَج في حسابات الإنتاج والاستيراد، بل هو في جوهره العميق مسألة سيادة تُرسم بها حدود الارادة الوطنية ويُقاس بها مقدار ما تملكه الأمة من حرية القرار.
فالأمم لا تُستَعبَد بالسلاح وحده، بل قد تُستَعبَد بالرغيف، لأن اليد التي تمتد لتأخذ قوتَها من غيرها لا تلبث أن تمتد مكرهةً لتأخذ قرارها من غيرها. ومن هنا كان الأمن الغذائي في حقيقته ليس أمنًا للبطون، بل أمنًا للإرادة، وليس ضمانًا للحياة البيولوجية، بل ضمانًا لكرامة الحياة الإنسانية.
إن الحضارة لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من القدرة على تحويل هذه الموارد إلى استقلال. وقد تملك الأمة الأرض الخصبة والمياه والثروات، لكنها تظل فقيرة في ميزان السيادة ما دامت عاجزة عن إنتاج قوتها. فالثروة التي لا تتحول إلى قدرة، تتحول إلى وهم، والسيادة التي لا تُترجَم إلى اكتفاء تصبح شعارًا بلا مضمون.
إن اخطر أشكال التبعية ليست تلك التي تُفرَض على الحدود، بل تلك التي تتسلل إلى الحاجات الأساسية للناس، لأن الأمة التي تعتمد في غذائها على الخارج تعيش في ظاهرها مستقلة، لكنها في حقيقتها معلقة بخيط خفي في يد الآخر. وحين يصبح الرغيف مستوردًا، يصبح القرار قابلًا للاستيراد أيضًا.
لهذا لم يكن الأمن الغذائي يومًا قضية زراعية فحسب، بل كان دائما قضية حضارية، لأنه يتصل مباشرة بمعنى الاستقلال. فالأمة التي تعجز عن إطعام نفسها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك مصيرها إذ لا معنى لسيادة سياسية فوق أرض عاجزة عن توفير أبسط شروط البقاء الكريم.
إن الجوع ليس نقصًا في الطعام فقط، بل نقص في العدالة ونقص في الحرية ونقص في الكرامة. فحين يفقد الإنسان أمنه الغذائي يفقد معه جزءًا من إنسانيته لأن الحاجة حين تضغط على الجسد تُضعف الروح وحين يتهدد الخبز حياة الناس تتراجع القيم أمام الضرورات. ولهذا فإن ضمان الغذاء ليس عملاً اقتصاديا فحسب، بل هو فعل اخلاقي يحفظ للانسان مكانته بوصفه غاية لا وسيلة.
ومن هنا، فإن الأمة التي تجعل غذاءها رهينة للأسواق العالمية إنما تجعل كرامتها رهينةً لتقلبات المصالح الدولية. لقد كشفت الأزمات الكبرى أن العالم الذي بشرت به العولمة ليس فضاءً للتكافل، بل ميدان للمصالح، وحين تضيق الموارد ينكفئ كل طرف إلى ذاته ولا يبقى في النهاية إلا من كان قد أعدَّ لنفسه أسباب البقاء.
ولذلك فان الدول التي فهمت معنى السيادة لم تنظر إلى الزراعة بوصفها قطاعًا اقتصاديا خاضعا لمنطق الربح والخسارة، بل نظرت إليها بوصفها ضمانة استراتيجية لحماية القرار الوطني. فربحُ الاستيراد السريع قد يبدو مغريا لكنه يُنتج هشاشة كامنة، بينما الاستثمار في الأرض مهما بدا مكلفًا هو استثمار في الحرية الوطنية.
واذا نظرنا للعراق تتجلى المأساة في أوضح صورها، فالعراق الذي كان يومًا مهد الزراعة ورمز الوفرة يقف اليوم أمام سؤال السيادة الغذائية وهو يملك من عناصر القوة ما يكفي ليكون في مصاف الدول المنتجة. وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية.
لقد أُنهكت الأرض حين أُهمل الفلاح وتراجعت الزراعة حين أصبح النفط بديلًا عن التراب حتى نشأ وهم خطير مفاده أن من يملك المال يستطيع أن يشتري امنه الغذائي متى شاء. غير أن التجارب أثبتت ان الغذاء ليس سلعةً مضمونة في اوقات الأزمات وأن السوق العالمية لا تمنح الطمأنينة لمن أهمل أرضه وارتهن لغيره.
إن العراق لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاجه الزراعي، بل يحتاج قبل ذلك إلى استعادة وعيه بأن الغذاء قضية سيادة. فالمسألة ليست في كمية القمح وحدها، بل في معنى أن يكون القمح قرارًا وطنيا لا منحة خارجية. ذلك أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من القدرة على تأمين الحاجات الأساسية، وما لم يتحقق ذلك فإن مظاهر السيادة تبقى ناقصة.
إن النهضة الزراعية ليست مشروعًا اقتصاديا محدودا، بل هي جزء من مشروع نهضوي شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الدولة والموارد، بين السياسة والكرامة. فحين تستعيد الأرض قيمتها يستعيد الإنسان كرامته وتستعيد الدولة جزءًا من حريتها.
إن الطريق إلى السيادة لا يبدأ من البيانات السياسية، بل يبدأ من الحقول. لأن الحقل الذي يُنتج الغذاء يُنتج معه ارادة حرة، والدولة التي تملك قوت شعبها تملك أن تقول ”لا“ حين يجب أن تُقال. أما التي تعيش على موائد غيرها، فمهما رفعت من شعارات الاستقلال تبقى سيادتها معلقة على ارادة الآخرين.
وهكذا، فإن الأمن الغذائي ليس مسألة اقتصاد، بل مسألة حضارة، لأنه يجيب عن سؤال جوهري: هل تملك الأمة شروط بقائها بإرادتها أم بفضل غيرها؟ فإذا كانت تملك خبزها فهي تملك قرارها وإذا فقدت الأول فلن تملك الثاني.
فالرغيف في معناه العميق ليس طعامًا فقط، بل هو صورة من صور الحرية، ومن لا يملك حريته الغذائية لا يملك حريته السياسية. وتلك هي الحقيقة التي لا يجوز لأمة تطلب السيادة أن تغفل عنها.
***
حميد علي القحطاني







