أقلام حرة
جورج منصور: عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
هناك أماكن لا تُشبه الأمكنة، لا لأنها أجمل فحسب، بل لأنها تُخفي في تضاريسها طبقات من الحكايات، كأن كل صخرة فيها تحفظ سراً، وكل شجرة تعرف ما لا يُقال. كانت بشتئاشان واحدة من تلك الأمكنة؛ لا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بشيء أعمق، بشيء يُشبه الحنين أو الخوف أو كليهما معاً.
هناك، خلف الطواحين التي لم نرها يوماً، وخلف الطرق التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من التيه، يبدأ عالم آخر. عالم يتخفف من صخب المدن، ويكتفي بأنفاس الجبال. الطريق إلى بشتئاشان لم يكن طريقاً بالمعنى المألوف، بل اختباراً خفياً: كل منعطف يسألك إن كنت حقاً تريد الوصول، وكل صعودٍ يختبر صبرك، وكل صمتٍ يضعك وجهاً لوجه أمام نفسك.
كانت الجبال تحيط بالوادي كأنها حراسٌ قدماء، لا ينامون. في الشتاء، تتدثر بالثلج، فتبدو ككائناتٍ أسطورية تراقب من علٍ. وفي الربيع، تنبض بالحياة، تنفتح فيها الينابيع، وتتفجر المياه من بين الصخور كأنها ذاكرة الأرض تستعيد صوتها. أما الضباب، فكان سيد المشهد؛ لا يحجب الأشياء، بل يمنحها غموضاً خفيفاً، يجعل كل شيء يبدو وكأنه على وشك أن يظهر أو يختفي.
بشتئاشان التي أُستخدمت كمواقع للأحزاب الكردية، وأتخذها الحزب الشيوعي العراقي، في مطلع الثمانينيات، مقراً لقياداته، بسبب طبيعتها الوعرة وتضاريسها الصعبة وقربها من الحدود، ما جعل منها منطقة ذات حساسية أمنية أحياناً.
في بشتئاشان لم يكن الزمن يُقاس بالدقائق، بل بتحول الضوء. عند الغروب، كانت الشمس تنسحب فجأة، كأنها تخشى البقاء، فتغرق الجبال في ظلال كثيفة، وتشتعل السماء بنجومٍ لا تعرفها المدن. هناك، في ذلك الصمت العميق، كنت تسمع كل شيء: وقع خطواتك، حفيف الأشجار، وربما… دقات قلبك نفسها، كأنها صوت غريب جاء من مكان بعيد.
لكن بشتئاشان لم تكن طبيعةً فقط؛ كانت أيضاً مسرحاً لحياة أخرى، حياة مشدودة بين الفكرة والبندقية، بين الحلم والواقع. في ذلك الوادي المختبئ، تشكلت عوالم صغيرة من البشر الذين قرروا أن يعيشوا خارج الإطار، أن يصنعوا لأنفسهم معنى وسط العزلة والخطر.
كانت القاعات الطينية تضج بالحكايات، والمطبعة المتواضعة تئن تحت وطأة الكلمات، كأن الحبر فيها يُقاوم النسيان. كنا نكتب لأننا نؤمن أن الكلمة، حتى في أقسى الظروف، تستطيع أن تكون شكلاً من أشكال البقاء. وربما كانت الكتابة، في تلك اللحظات، نوعاً من العناد الهادئ، أو محاولة لتثبيت العالم قبل أن يتبدد.
في مطلع ربيع عام 1983، وبعد أن تخرجت الوجبة الأولى من مدرسة الكوادر الحزبية، وبعد أن أنتهيت من تدريس مادة الفلسفة فيها، عدتُ للعمل في الإعلام المركزي، حيث الصحيفة المركزية "طريق الشعب" و"إذاعة الشعب العراقي" و"نهج الأنصار- ريبازى بيشمركة"، والمطبعة الصغيرة التي طبعت لي كتاباً صغيراً تحت عنوان "راية وبندقية.. وفجر آتٍ".
فكنتُ أتنقل بين المهام، بين التعليم والعمل الإعلامي، بين الفلسفة والواقع الذي لا يترك للفلسفة مجالاً واسعاً للتأمل. ومع ذلك، كنا نحاول أن نُبقي شعلة الفكر متقدة، ولو في زاوية صغيرة من ذلك الوادي الكبير.
كانت النشرة الجدارية الأسبوعية، التي كانت تصدر عن فصيل الأنصار الشيوعيين، حدثاً صغيراً، لكنه يحمل معنى كبيراً. لوحة تُعلّق على جدار طيني، لكنها تُقرأ بشغف، كأنها نافذة على عالم أوسع. وكان المسؤول عنها حارساً صارماً، لا يسمح بمرور الكلمات إلا إذا اجتازت امتحانه الصامت.
كنت أقدم نصوصي بانتظام، قصيرة ومكثفة، وأنتظر أن أراها معلقة بين غيرها من النصوص. لكن الانتظار كان ينتهي دائماً بالفراغ. لا أثر لكلماتي، ولا تفسير سوى جملة مقتضبة: "غير صالحة للنشر".
لم يكن في العبارة ما يُفسر، لكنها كانت كافية لتثير شيئاً في داخلي، شيئاً بين الدهشة والاحتجاج. كيف يمكن للكلمة أن تكون غير صالحة؟ وبأي معيار تُقاس صلاحيتها؟ وهل للنص حياة مستقلة، أم أنه رهين مزاج من يقرأه؟
في ذلك العالم المعزول، كانت السلطة تتخذ أشكالاً غريبة، حتى في أبسط الأمور. قد لا تكون سلطة صاخبة، لكنها حاضرة، دقيقة، تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى ما يُنشر وما يُحجب، إلى ما يُقال وما يُترك في الظل.
وفي لحظةٍ ما، قررت أن أختبر هذا المعيار الغامض. لم أكتب نصاً جديداً، بل استحضرت صوتاً بعيداً، صوت شاعرٍ لا يحتاج إلى تعريف، شاعرٍ عبر الزمن واللغات ليصل إلينا. ترجمت قصيدة عن الروسية، ونسبتها إلى نفسي، وقدمتها كما أقدم أي نص آخر.
كان الأمر أشبه بتجربة صامتة، أو ربما بمفارقة صغيرة أردت أن أرى كيف ستنتهي.
وجاءت النتيجة كما توقعت… أو ربما كما لم أتوقع.
لم تُنشر القصيدة.
اقتربتُ وسألت، بنفس الهدوء الذي يخفي فضولاً حاداً:
لماذا لم تُنشر؟
وجاء الجواب، جاهزاً، قاطعاً، بلا تردد:
""غير صالحة للنشر
في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن أضحك. لم تكن ضحكة سخرية بقدر ما كانت دهشة مكثفة، دهشة من المفارقة التي تكشفت فجأة.
قلت له، بهدوءٍ هذه المرة:
هل تعرف أن القصيدة للشاعر الروسي بوشكين؟
تغير وجهه، كأن كلمة واحدة أعادت ترتيب كل شيء. لم يعد النص مجرد كلمات عابرة، بل أصبح اسماً، وتاريخاً، ومكانة لا يمكن تجاهلها.
في تلك اللحظة القصيرة، انكشف شيء أعمق من مجرد خطأ في التقدير. انكشف كيف يمكن للاسم أن يمنح النص شرعيته، وكيف يمكن أن تُرفض الكلمات ذاتها إذا جاءت بلا توقيعٍ معروف.
بشتئاشان، بكل ما فيها من جمالٍ وصمت، لم تكن معزولة عن هذه المفارقات الإنسانية. بل ربما كانت تُظهرها بوضوح أكبر، لأنها تضع الإنسان في مواجهة ذاته، بلا ضجيج يُخفي تناقضاته.
هناك، حيث الجبال شاهدة، والضباب يمر كحلمٍ خفيف، تعلمتُ أن الحقيقة لا تكون دائماً في الكلمات، بل في الطريقة التي نراها بها. وأن النص، مهما كان عظيماً، قد يصبح "غير صالح للنشر" إذا لم يجد من يتعرف عليه.
وربما، في نهاية الأمر، لم تكن الحكاية عن قصيدةٍ رفضت، بل عن عالمٍ كامل يبحث عن يقينه.. حتى لو اضطر إلى رفض بوشكين نفسه.
***
جورج منصور







