أقلام حرة

أكرم عثمان: العيد فرحة روح وهوية أمة

ليس العيد في الثقافة الإسلامية مناسبة عابرة تقاس بما يلبس فيها من جديد، أو بما يقدم فيها من طعام وحلوى تعبر عن هذه المناسية العظيمة بعد شهر الصيام والقيام، بل هو قيمة حضارية وروحية واجتماعية عميقة، تتجلى فيها معاني الإيمان والتقرب لله عز وجل، وتظهر من خلالها ملامح الأمة في أجمل صورها. فالعيد ليس مجرد يوم للبهجة العابرة، وإنما هو ثمرة عبادة، وفرحة طاعة عظيمة، وإعلان جماعي عن حضور الدين في تفاصيل الحياة الشخصية والاجتماعية والإنسانية والمهنية، وعن قدرة الإسلام على صناعة الفرح المتوازن الذي يجمع بين الروح والجسد، وبين الفرد والمجتمع، وبين العبادة والسلوك وبين العاطفة والعقل.

تنبع خصوصية العيد في الإسلام من كونه مرتبطاً بمحطات إيمانية كبرى؛ فعيد الفطر يأتي بعد شهر كامل من الصيام والقيام والتلاوة والتزكية والصلة بالأرحام والأقارب والفقراء، وكأنه الجائزة المعنوية التي يمنحها الله لعباده بعد رحلة مجاهدة للنفس وتهذيب للبدن والسلوك والروح، بالرغم من الأزمات والحروب الطاحنة والآلام التي تحدث في بقاع العالم والعربي والأسلامي.

وثقافة العيد تقوم على التوازن الجميل بين العبادة والفرح. فاليوم يبدأ بالتكبير، ذلك النداء العظيم الذي يملأ القلوب قبل أن يملأ المساجد والطرقات والأحياء والبيوت، ثم تتجلى صورة الوحدة الإسلامية في صلاة العيد حيث يلتقي الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وأعراقهم ومكاناتهم في مشهد يجسد المساواة والمحبة والألفة والانتماء. وفي هذا اليوم يشعر المسلم أنه جزء من جماعة مؤمنة تتشارك الفرح كما تتشارك العبادة، وتلتقي على المحبة كما تلتقي على الطاعة. وهذه الروح الجماعية تمنح العيد بعداً ومذاقاً يتجاوز الفردية، ليصبح مناسبة لإعادة وبناء العلاقات وإحياء الروابط العائلية والاجتماعية وتجديد المعاني الإنسانية الرفيعة.

ومن أبرز ملامح ثقافة العيد في الإسلام أنها ثقافة قائمة على صلة الرحم والتراحم والتزاور والتسامح والتقرب والصلة. فالعيد ليس مناسبة للعزلة والانكفاء على الذات، بل هو وقت للخروج من الذات إلى الآخرين ومشاركتهم فرحتهم، ولإعادة فتح أبواب القلوب بعد أن تفتح أبواب البيوت والمجالس والمنتديات. ولهذا ترتبط الأعياد في المجتمعات الإسلامية بزيارة الأقارب، والسؤال عن الأحباب، والتلطف مع الجيران، ومصافحة من انقطعت الصلة بهم، والسعي إلى إزالة ما علق في النفوس من خصومات أو كراهية وجفاء. إن العيد في جوهره دعوة عملية إلى استئناف العلاقات على قاعدة  عفى الله عما مضى والصفح والتسامح والمودة، وكأن الإسلام يريد للمسلم أن يدخل العيد بقلب نقي طاهر لا يعرف ضغينة أو حقد كما يدخل الصلاة والعبادات بطهارة ظاهرة بدنية وإخلاص وتجرد روحي للمولى عز وجل.

كما تتجلى ثقافة العيد في بعدها الإنساني العميق، إذ لا تكتمل فرحة العيد إذا بقي فيها محروم أو جائع أو منسي أو معوز. ولذلك شرعت زكاة الفطر قبل صلاة العيد لتكون تطهيراً للصائم وزيادة في الأجر والمثوبة، وفي الوقت نفسه رابطة قوية وجسراً اجتماعياً يضمن أن تصل الفرحة إلى بيوت الفقراء والمحتاجين. فالعيد لا يعترف بالفرح الأناني، بل يؤسس لفرح تشاركي تضامني يشعر فيه الإنسان بمسؤوليته تجاه غيره. إن من أجمل ما في ثقافة العيد أنها لا تفصل بين السعادة الشخصية والواجب الاجتماعي، بل تجعل من إدخال السرور على الآخرين جزءاً من اكتمال معنى العيد نفسه والسعادة للفرد والجماعة.

ويحمل العيد كذلك بعداً تربوياً مهماً، فهو يعلم الأطفال معنى الانتماء إلى دين جميل يحتفي بالطاعة ويكرم الفرح ويصنع الذكريات الدافئة والسعيدة. ففي العيد يتعلم الصغار أن للدين وجهاً مشرقاً مبهجاً، وأن العبادة لا تعني الحرمان أو التضييق، بل تفضي إلى السرور والسكينة والرضا. كما يتعلمون من خلال طقوس العيد قيم الكرم، والاحترام، والتواصل، واللباقة، والعطاء، ومشاركة الآخرين أفراحهم. وهكذا تتحول المناسبة إلى مساحة تربوية وإنسانية حية تتوارث من خلالها الأجيال صورة الإسلام في بعده الإنساني والاجتماعي والجمالي.

أما في البعد الحضاري، فإن العيد يمثل جزءاً من هوية الأمة وذاكرتها الجمعية. فلكل مجتمع مسلم تعبيراته الخاصة في الاحتفال، من الأطعمة والأزياء والأهازيج والعادات الاجتماعية، لكن هذه الخصوصيات المحلية تظل مندرجة تحت روح إسلامية جامعة تجعل المسلمين، رغم تنوع بلدانهم وثقافاتهم، يلتقون على معنى واحد للعيد: الطاعة، والفرح، والتكافل، والتراحم. وهذا ما يمنح العيد قوة رمزية كبيرة، إذ يجمع بين الوحدة والتنوع، وبين الأصل المشترك واللون الثقافي المحلي، فيبدو الإسلام ديناً قادراً على احتضان الثقافات دون أن يفقد جوهره.

غير أن ثقافة العيد تحتاج اليوم إلى استعادة كثير من معانيها الأصيلة، في ظل ما يشهده العالم من نزعة استهلاكية جعلت بعض الناس يختزلون العيد في المظاهر والشراء والإسراف والبذخ، وينسون قيمته الروحية والاجتماعية. فالعيد ليس سباقاً في الكماليات وإسرافاً في الإنفاق، ولا مناسبة لإرهاق الأسر بالتكاليف، ولا زمناً للمقارنات الاجتماعية التي تفسد بهجة البسطاء، بل هو قبل كل شيء حالة إيمانية وأخلاقية وإنسانية. وجمال العيد لا يقاس بارتفاع الإنفاق، بل بعمق المعنى، وصدق المشاعر، ونبل التراحم، وصفاء القلوب.

إن ثقافة العيد عند المسلمين هي ثقافة فرح منضبط، وإنسانية راقية، وروح جماعية، وذاكرة إيمانية متجددة. وهو مناسبة تتجدد فيها معاني الشكر بعد العبادة، والتسامح بعد التقصير، والأمل بعد التعب، والوصال بعد الانقطاع. ومن هنا يبقى العيد في الإسلام أكثر من يوم احتفال؛ إنه رسالة حضارية تقول إن هذه الأمة تعرف كيف تفرح وتسعد ذاتها، ولكنها تفرح بوعي، وتفرح بقيم، وتفرح وهي تحمل في قلبها ذكر الله دون تجاوز للأخلاق والشيم والقيم، وفي يدها عطاء للناس، وفي سلوكها صورة الدين الجميل الذي يدخل السرور على الناس جميعاً.

***

د. أكرم عثمان

20-3-2026

في المثقف اليوم