أقلام حرة

فاطمة الدفعي: خديعة الضوء.. حين تُرشدنا نجومٌ قد رحلت!

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)} [سورة الواقعة]

إن المسافات التي بين النجوم هي مسافات زمنية، وليست كالمسافات الأرضية، بعضها لا وجود له، وقد اندثر منذ زمن طويل لكن ضوءه لم يصل إلى زمننا إلا الآن، فالمسافة التي بيننا وبين النجوم لا تقاس بالساعات العادية، بل بالسنين الضوئية. نحن في الكون لا شيء، نحنُ أصغر من كل قياس، أعمارنا لن تكمل ثانية بالنسبة لهذا الكون العظيم، أجيال متعاقبة، وسنين متتابعة، وحضارات تمر وتندثر، جيوش وحروب تقام وتنتهي، انتصارات وخسائر، جمعناها في كتب أسميناها تاريخ، ليأتي نجم واحد فيخبرنا أننا لسنا شيئاً وأنه غير موجود اندثر منذ آلاف السنين.

نحن أصغر من أن نعرف تغيرات الكون، أو أن ندرك عظمته، نحن نسير بسرعة كبيرة بينما الكون يسير ببطء، اندثار نجم في الفضاء وضوؤه لا يزال يصلنا لأننا نسير بسرعة جنونية. أوقاتنا هي الأسرع في الكون، وهذه السرعة ليست إلا انعكاساً لعجلة الإنسان وطيشه في عمرٍ قصير، بينما تتجلى عظمة الخالق في "التؤدة" والصبر الكوني الذي يسبق مداركنا. لذلك سيصل ضوء النجم إلينا رغم أنه غير موجود وقد اختفى لكنه يشبه السفر عبر الزمن، إنه قسمٌ عظيم سبحان الله العظيم، خدعتنا مواقع النجوم، والنجوم أرشدتنا، وهدينا بضوئها في ظلمات برنا وبحرنا، وهي في الفضاء ترانا كنملٍ يسير بسرعة جنونية، يهلك وادي ويبنى آخر، كم نحن خاسرون، وكم أننا مغرورون، ولسنا شيئاً.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة النحل: 12]

وسبحان من أقسم بالعصور والأزمان.. بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [سورة العصر].

نحن خاسرون في سباقنا مع الزمن، فاشلون في كسب الوقت، وإدراك حقيقته، نحن ضائعون في متاهات زمنية معقدة، أفكارنا قديمة من ماضينا الذي يندثر، بعضها لا زالت متوهجة ومتجددة، وبعضها لا فائدة لنا إن تمسكنا بها. وكما تندثر النجوم ويبقى ضوؤها يتوهج في أعيننا البسيطة العاجزة عن تفسير عظمة الخلق وبديع صنع الخالق سبحانه جل جلاله؛ هناك أناس كالنجوم اندثروا لكنهم ما زالوا يضيئون لنا الطريق بعلمهم الذي تركوه لنا، هم منارات نهتدي بها في ظلمات عصرنا، هم فقط يرشدوننا إلى الطريق بوصاياهم وخبرتهم النابعة من إيمان قلوبهم، فأعمالهم الصالحة هي الفائزة في سباق الزمن. لكن لا يجب أن نجعلهم أساس العلم في عصرنا فهم منبع نور نهتدي به لما يُصلح حالنا، هم الذين يرشدوننا لطرف الخيط، ونحن من يحيك الأفكار بما يناسبنا، ويناسب زماننا.

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

في المثقف اليوم