أقلام حرة

فاطمة الدفعي: عصا موسى في كفِّ الحائر

هل ننتظرُ المعجزاتِ بقلوبٍ مرتعشة؟.. اذهب إلى الله بلا التفات

هناك يقين لا يخالطه ظن، وهناك ظن يأتي ليُربك الإنسان لكن قلبه مطمئنٌ بالإيمان. وفي المقابل فإن هناك ظن دون يقين في القلب يطمئنه ويطبطب عليه، هذا ظن مهما ظل في القلب فلا يمكن أن يصبح يقيناً. والإيمان الخالص لله لا يخالطه ظنٌ أبدًا، وأكمل الإيمان هو إيمان الأنبياء فقط.

قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [سورة الصافات].يقين وثبات وإيمان لا يخالطه شك، وقال: "إني ذاهب إلى ربي سيهدين"، ثم دعا: "رب هب لي من الصالحين". بعد خذلان قومه له وتكذيبهم ورميهم له في النار، وقف بكل ثبات وقال كلماته بكل ثقة، ودعا ربه وكله يقين بالإجابة، فبشره الله عز وجل بالأستجابة. هذا هو الإيمان؛ يقين لا يخالطه شك حتى في أصعب اللحظات، الأنبياء عليهم السلام يقفون بكل ثبات وبكل ثقة أمام كل جبار وكل طاغية، لأنهم مع الله، فلا قلوبهم تخاف ولا أرواحهم تخالطها الظنون.

مِعراج الأنبياء؛ هو يقينٌ صلد لا ينكسر أمام مطارق الشك، ومددٌ سماوي لا يدركه إلا من قطع حبال الظنون وعلق قلبه برب الأسباب. قال الحق سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [سورة الشعراء].

"إن معي ربي سيهدين". ضع نفسك مكان قوم موسى؛ كنت ستخاف وتهرَب وتظن بل ستتأكد أنك مدرك لا محالة، فالجنود وراءك والبحر أمامك والطريق مسدود. فالواقع يقول أنك هالك، والظروف لا تسمح لك بالمقاومة، لكن الفلب الذي كله يقين بالله لا يتزحزح ولا يخاف من مواجه الصعاب، والإيمان الخالص يجعل القلب لا يرتاب ولا يشك بمعية ربه له. ووحدهم الأنبياء قد حازوا عليه وفازوا بذاك المدد العظيم بتصديق قلوبهم ويقينها الذي لا يتجرأ الشك والجزع من الاقتراب منها.

ثم ماذا؟ ثم جاء المدد. لم تنزل الملائكة ولم يفرق البحر من تلقاء نفسه، بل أتت الهداية الربانية لنبي الله موسى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [سورة الشعراء].

حين يكون البحر أمامك والعدو خلفك

قف أيها الحائر الجبان بعقلك، المضطرب بقلبك اللهفان؛ قف هنا وتأمل حال إيمانك ويقينك بالله. هل تدعوه بالهداية ثم تنتظر حتى تأتي إليك الملائكة ترشدك إلى الطريق؟ تخيل أن تقف بثبات أمام قومك وكلك إيمان بربك فتقول: "يا رب اهدني"، فتسمع كأن قائلاً يقول لك: "خذ عصا واضرب بها". تخيل هكذا موقف؛ سوف تتلفت حولك وتظن أنك أصبحت مجنوناً، لن تسير وراء قلبك لخوفك أن يضحك عليك قومك. ماذا سيقولون إن أخذت عصاك وضربت بها البحر أو الحجر؟ أنت لن تفعل ذلك أبداً، وإن فعلتها فستكون خائفاً من سخرية قومك لك إذا لم يحدث شيء.

هذا هو سبب دعواتك التي لم تُستجب إلى الآن، أو التي تجاهلتَ نور هداية الله لك فيها ولم تتبع سوى ظلام اليأس وخيبات ظنونك الهوجاء. عندما تدعو تأتيك الهداية من الله لتحقيق ما تريد، لكنك تتجاهل وتظن أنه لجنون أن تفعل شيئاً مخالفاً لعاداتك وتقاليدك يا قليل اليقين بربك. قلبك وجل وتريد إجابة دعواتك في عجل. راجع نفسك؛ فالأنبياء بذلوا أسباباً عادية لمعجزات عظيمة. نبي الله موسى وقف أمام فرعون وتحدى السحرة بعصا خشبية، لم يخف من السخرية ولم يلقِ بالاً لاستهزاء قومه، ولم يتزعزع يقينه بالله أبداً. ليس بالعصا، بل برب الكون كله، إنما العصا سببٌ لمعجزة عظيمة. هذا هو إيمان الأنبياء؛ لا تردد فيه ولا حيرة. يواجهون أكبر الطغاة ولو بعصا صغيرة مادام وإثقتهم بالله وبقدرته؛ فهو سبحانه بجلاله وعظمته يشق البحر لعباده المؤمنين، حتى ولو ضربوه بعصا عجفاء لا حول فيها ولا قوة لها غير أن كانت سبب لمعجزة ممتده من السماء.

فلسفة "العصا": عظمة المبدأ وبساطة السبب

لا يهم ما مدى قوة السلاح الذي تحمله، فكل ما يهم هو ما مدى يقينك بربك. هل تؤمن به يقيناً وبإجابته لدعائك فتهمس بقلبك: "إن معي ربي سيهدين"؟ ثم تشعر بتلك المشاعر المضطربة قد خضعت ولانت وسكنت، لأنه تسمع وتشعر بهداية الله لها. هل سمعت كلمة بعد دعواتك وتلك الكلمة أو الجملة تجيب على سؤال حيرك؟ أو شاهدت صورة طمأنت قلبك؟ قرأت عبارة تشبهك تماماً؟ وصلتك رسالة تطمئنك؟ كلها هداية من الله عز وجل، لكنك لا تملك اليقين الكافي لتستبشر وتوقن بأن دعواتك قد صعدت للسماء السابعة وأن الإجابة أتت إليك على شكل هداية مغلفه بأسباب عادية، وتحتاج ببذلاً لسبب ومهما كان صغيراً في نظرك أو عاديًا، فهو لن يكون أصغر من عصا موسى الصغيرة التي شقت البحر بأكمله وقسمته إلى نصفين. ولو أنزل الله إليه سيفاً في تلك اللحظة ليتأكد قومه من نبوته ما كان ليفيدهم. فلا تخشى سخرية البشر أكثر من خشيتك فوات نصر الله؛ ولا تقتلك نظرة الاستهزاء في عيونهم، فتواري يقينك خجلاً من حماقةٍ يظنونها فيك، فالأنبياء كانوا يعبرون البحار بكلمة ويشقون الصخور بعصا، ولا تلتفت قلوبهم لنباحِ من خلفهم.

هل ننتظر "المعجزات" بأقدامٍ مرتعشة؟

الإيمان الذي يرتبط بالأسباب لا يصنع معجزات، بل يأتي لك بطرق ووجهات وتيسير من كل اتجاه، لكنه لا يفتح لك طريق النجاة والهرب من الطغاة والمفسدين. لكن الإيمان بالله دون النظر للأسباب يجعل العصا تفجر الصخر عيوناً، وتفلق البحر نصفين، وتبطل سحر السحرة والمشعوذين، وكله بعصا. هل العصا بتلك القوة أم إنه الإيمان المطلق بالله؟ بل إنه الإيمان بالله، هو الذي يجعل كل ما حولك هداية وإنارة وإرشاداً.

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)} [سورة ص].

الإيمان الخالص لله في قلب المؤمن، من الطبيعي أن يطرأ عليه ظناً، لحظة قلق وخوف خارجة عن سيطرة الإنسان، لكن يبقى صاحبه مؤمن وموقن رغم تصرفه وقلقه الذي يظهر في بعض المواقف الصعبة.

{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [سورة الأحزاب: 10].

{فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الصافات: 87].

فما ظنكم برب العالمين؟

إن كان الله قد جعل من جسدٍ أُلقي على كرسي سليمان باباً للإنابة، ومن 'عصا' خشبيةٍ صماء طريقاً للنجاة، فما عذر عقلك المكبل بالخوف؟ الإيمان ليس طقساً تؤديه حين تستقيم الظروف، بل هو القوة التي تستلّها حين يحيط بك 'الجمعان' وتظن أنك مُدركٌ لا محالة.

كفَّ عن انتظار 'الظروف المثالية' لتدعو؛ فالذي شقَّ البحر لم ينتظر جفاف الأمواج، والذي فجّر الحجر لم يبالِ بصلابة الصخر. أجعل يقينك  يقين الأنبياء، وكن ثابتًا على عقيدتك في زمن التيه والتضليل، اضرب بعصا توكلك كلَّ بحورِ يأسك.. فالهداية لا تأتي لمن ينتظر المعجزات، بل لمن يصنعها بالامتثال.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد

في المثقف اليوم