أقلام حرة

ثامر الحاج أمين: وقفة عند الموهبة

تزخر المجتمعات البشرية على مختلف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية بالعديد من الثروات الطبيعية والطاقات الدافعة للتقدم ومنها المواهب الفردية التي يمتلكها البعض، ذلك أن المواهب ثروة وطنية مخبّأة قادرة على أن تعطي للمجتمع وترفع من شأنه وسمعته في مجالات عدة اذا ما توفرت لها البيئة السليمة لإنضاجها وإكتمالها، ومن أجل النهوض بالموهبة ووضعها على السكة الصحيحة لكي تتحول إلى أداء متميّز وقدوة للآخرين يحتاج الموهوب إلى برامج تعليمية مخصّصة تتجاوز المناهج التقليدية والجامدة، وهو ما كان معمولًا به في الماضي، حيث كانت المناهج التعليمية تعمل على بناء شخصية الطالب وصقلها بما هو نافع لحياته وللمجتمع، ففي مجال النشاطات اللاصفية كانت تقام فعاليات رياضية وفنية وثقافية يتم التعرف من خلالها على المواهب التي تجد في هذه الفعاليات فرصة لإظهار إمكانياتها  ومن ثمّ تطورها وشقّها طريق العطاء والشهرة.

ولكن للأسف في السنوات الأخيرة غابت هذه الأنشطة من نظامنا التعليمي ويبدو أصبح عاجزًا عن اخذ دوره التربوي كما كان في الماضي ومنها رعاية أصحاب المواهب وتوفير الفرص للموهوبين، وقد لا نستغرب قول جبران خليل جبران بأن (الشرق مقبرة المواهب) فالقائمون على التربية والتعليم لا يدركون أن الموهبة كالنبتة تحتاج إلى سقي ورعاية لتنميتها، فإذا ما أُهملت فسيكون مصيرها الذبول والاندثار.

خلال مراحل دراستنا المختلفة، زاملنا العديد من أصحاب المواهب الناضجة والمتطورة خصوصًا في مجالي الرياضة والفن، حيث كان لهؤلاء نشاطاً ملحوظا وقدرات رائعة في هذين المجالين، ولكن للأسف ذهبت مواهبهم ضحية الدروس التي لا علاقة لها بملكتهم الفطرية، حيث وقفت الدروس الهامشية حائلًا أمام اجتيازهم الامتحان النهائي وقطعت طريق ذهابهم إلى المجال الكفيل بتطوير وصقل مواهبهم وتحقيق طموحاتهم، فالمسؤولون عن رعاية هذه المواهب لا يدركون ان لاعب الكرة يفكر بقدميه حين يتعامل مع الكرة، وكذلك الفنان إن كان رسامًا فإنه يفكر بيديه حين يتعامل مع الفرشاة وينجز لوحاته، ومن الظلم أن تتوقف هذه المواهب عن شق طريقها إلى الأمام، ويتوقف عطاؤها بسبب تعثرها بدروس لا علاقة لها بمواهبها وأمامنا شواهد كثيرة على ان الامتحان النهائي ليس مقياسا وحيدا على نضج الانسان وقدرته على العطاء، فمثلًا، بيتهوفن، هذا الموسيقار العظيم، لم يستطع طيلة حياته أن يحفظ جدول الضرب، ولكن هذا لم يمنعه من تأليف أجمل السيمفونيات التي نالت إعجاب واهتمام جمهور واسع من العالم، كما أن الشاعر حسين مردان والروائي حنا مينا كتبا أجمل الأشعار والروايات وهما لم يحصلا على شهادة الدراسة الابتدائية، كما أن الكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي كان رائدًا في تعريب الروايات الأجنبية مع أنه لم يكن يتقن أية لغة أجنبية، إنما اعتمد على عبقريته الإنشائية في تعريب نماذج قصصية رومانسية مؤثرة أمثال (ماجدولين)، و(تحت ظلال الزيزفون)، و(الشاعر)، و(في سبيل التاج)، و(بول وفرجيني)، حيث كان يتمتع بحسّ مرهف، وذوق رفيع، وملكة فريدة في التعبير عن المعنى الإنساني من خلال اللغة، وتمكّن من إعادة صياغة هذه الأعمال الأدبية بأسلوبه الخاص، وهي بلا شك موهبة قادته إلى الشهرة وخدمة الثقافة العربية في نقل جانب من الأدب الفرنسي  .

الذي نطمح له أن تكون هناك مؤسسة نزيهة ومستقلة، بعيدة عن المحسوبيات، تقوم بوضع آلية لفرز أصحاب المواهب وتذليل الصعوبات امام تطور مواهبهم، وذلك من خلال لجان اختبار من ذوي الاختصاص تتولى هذه المهمة، تعمل على فرز الموهبة وإزالة العثرات أمامها، لكي تشق طريقها صوب التكامل والتألق، وتصبح عنصرًا فاعلًا في الحياة الثقافية.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم