أقلام حرة

يونس الديدي: أنا لا أعرف.. لنجرب ونكتشف معاً!

نعيش في عالمٍ يعجُّ بادعاء المعرفة، ويلهث فيه الجميع لإطلاق الأحكام النهائية، تبدو عبارة "أنا لا أعرف" وكأنها اعتراف بالهزيمة. لقد تبرمجنا على الخوف من الفراغ المعرفي، فنسارع لملئه بأجوبة جاهزة، حتى لو كانت خاطئة. لكن، ماذا لو كانت "عدم المعرفة" هي البوابة الملكية للحكمة؟ وماذا لو كان الغموض ليس عدواً للوضوح، بل هو الفضاء الذي تتنفس فيه أرواحنا؟

إن عبارة "لنجرب ونكتشف معاً" تنقلنا من عزلة اليقين الجامد إلى رحابة المغامرة المشتركة. ولنا في تاريخ الفكر البشري ثلاث محطات كبرى تعلمنا كيف نتصالح مع هذا المجهول: تواضع سقراط، وشك الغزالي، وقدرة كيتس السلبية.

سقراط: حكمة الكأس الفارغة

يبدأ الطريق بإفراغ الكأس. يقف سقراط في الساحة العامة بأثينا ليعلن حقيقته الخالدة: "كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً". لم يكن هذا تواضعاً مصطنعاً، بل كان منهجاً صارماً.

إن الشخص الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة يغلق باب عقله، فلا يدخله ضوء جديد. "أنا لا أعرف" عند سقراط ليست جهلاً، بل هي "جهل حكيم"؛ هي إعلان الاستعداد للتعلم. إنها الدعوة الأولى لقول "لنجرب"، لأن من يمتلك الخريطة كاملة لا يحتاج للرحلة، وسقراط كان عاشقاً للرحلة لا للوصول النهائي الذي يقتل السؤال.

الغزالي: الشك كجسر لليقين

وإذا كان سقراط قد أسس للتواضع المعرفي، فإن الإمام أبو حامد الغزالي أخذنا في رحلة أعمق داخل النفس البشرية. لم يرَ الغزالي في الشك مرضاً يجب استئصاله فوراً، بل رآه المخاض الضروري لولادة الحقيقة.

يقول الغزالي: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر". هنا يتحول "عدم المعرفة" من حالة سكون إلى حركة ديناميكية. الشك عند الغزالي ليس هو الشك المذهبي الذي يهدف للهدم، بل هو الشك المنهجي الذي يغسل الحقائق من شوائب العادة والتقليد. إنه يدعونا لأن نمشي في النفق المظلم بشجاعة، موقنين بأن "الاكتشاف" ينتظر في النهاية. الغزالي يعلمنا أن نتحمل قلق "أنا لا أعرف" لأن هذا القلق هو وقود المعرفة الحقيقية.

جون كيتس: جماليات "القدرة السلبية"

نصل أخيراً إلى الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي أضفى على الغموض بعداً جمالياً ساحراً من خلال مفهومه الفذ: "القدرة السلبية" .

يُعرّف كيتس هذه القدرة بأنها: "أن يكون المرء قادراً على البقاء في حالات عدم اليقين، والألغاز، والشكوك، دون أي تلهف عصبي للوصول إلى الحقائق والأسباب".

كيتس يطلب منا ألا نفسد جمال اللحظة أو الفكرة بتشريحها فوراً بمبضع المنطق. هناك أشياء في الحياة—كالحب، والجمال، والفن—لا تحتاج إلى "حل" بل تحتاج إلى "معايشة". عندما نقول "لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس قدرة كيتس السلبية؛ نحن نطفو فوق بحر الغموض مستمتعين بالرحلة، دون إصرار طفولي على رؤية اليابسة فوراً.

دعوة للتسامح مع الغموض

حين نقول لشريك، أو صديق، أو حتى لأنفسنا: "أنا لا أعرف.. لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس أقصى درجات الإنسانية. نحن نحول الجهل من عائق إلى جسر، ومن خوف إلى فضول. نحن نعلن أن الحياة ليست معادلة حسابية يجب حلها، بل هي لوحة غامضة، يكمن سحرها في ظلالها بقدر ما يكمن في نورها.

فلنحتضن الغموض، ولنترك مساحة للدهشة، لأن اليقين الكامل قد يكون مريحاً، لكنه -ويا للمفارقة- غالباً ما يكون مملاً وميتاً. أما الحياة، فكلها تكمن في متعة الاكتشاف

***

بقلم: ذ يونس الديدي باحث وناقد 

في المثقف اليوم