أقلام حرة
فارس حامد: لماذا المحاماة؟!
سأل احدهم: لماذا يدافع المحامي عن المُجرم؟
والواقع انه سؤال قديم رافق مهنة المحاماة منذ نشأتها، وفيه مغالطة تستند على إستدلال غير صحيح، وللإجابة عن هذا السؤال لابد أن نتناول ابتداءاً التاريخ الفكري للمحاماة ومن ثم نجيب عن هذا السؤال التاريخي في فقرة فلسفة المحاماة؟
اولاً: التاريخ الفكري للمحاماة
منذ ما يقارب 2500 عام، كان الفلاسفة ينظرون إلى المحاماة، بعين الريبة، بإعتبار إن المحاماة شكلاً من اشكال الخطابة الممقوتة عند الفلاسفة، فالحكيم الحق عندهم لايختلط بالجمهور، ولايدخل المحاكم، ولايتلقى اجراً عن عمله الفكري، وهكذا تم وصف الفلاسفة لاحقاً انهم انما يعيشون في البرج العاجي، للتأمل الفكري وانتاج الأفكار بعيداً عن مشاغل وتشويش الحياة اليومية.
ففي الفلسفة البنّاءة التي أرساها أفلاطون، ضد الفلسفة السفسطائية(1) بإعتبارها أصل إنتعاش فن الخطابة، يُعدّ المحامي (الخطيب) نقيض الفيلسوف: لا يهمه سوى إقناع جمهوره، بأي وسيلة كانت، بالرأي الذي يدافع عنه اليوم، وهو رأي قد يعارضه غدًا بكل سهولة.
ولكن هذه النزعة لم تلق قبولاً في الفلسفات اللاحقة بعد تطور الفكر الانساني وظهور فكرة المساواة بين المتقاضين أمام القضاء، خاصة وإن السفسطائية اعترف بها كفلسفة تمثل اتجاه معين في الفكر الانساني.
وبتأثير فلاسفة وحكماء أثينا وقضاتها بدأت تدريجيا تظهر قواعد عرفية وأخلاقية لممارسة مهنة المحاماة، فقد أعلن الفلاسفة الرواقيون جهرة أن القوانين يجب أن تتفق مع المبادئ الخلقية القويمة، وإن الجريمة كامنة في نية المرء لا في نتيجة عمله. بل أُعتبرت المحاماة جزءاً من تطبيقات الفلسفة، فلسفة العدالة ونظام الإجراءات القضائية.
ففي عهود الرومان كان شيشرون يستحضر المحامي والفيلسوف كوجهين لعملة واحدة، وجاء في القاعدة 26 من مدونة جستنيان: (مهمة الدفاع جديرة بكل ثناء .. ﺇﻧﻬﺎ ﻣﻥ ضرورات الإجتماع والقائمون بها يجب مكافئتهم بكل سخاء).
وعلى هذا النحو بدأت تدريجياً تتضح ملامح مهنة المحاماة، من مجرد مساعدة مجانية يسديها صديق لصديقة ابتداءً، إلى مهنة متكاملة مدفوعة الأتعاب بعد أن تزايد الطلب عليها.
وقد كرم أباطرة الرومان هذه المهنة واهتموا بها اهتماماً بالغاً، فقد أصدر الإمبراطور الروماني أفطيموس شرعة تساوي ﻓﻴﻬﺎ بين المحامين ورجال الجيش الذين كانوا ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﻡ جاها وأرفعهم شأناً قائلاً:
(لا فرق بين الذين يحمون دمار الدولة بحد السيوف وبين الذين يذودون ﻋﻥ حقوقها وحقوق ﺃﻓﺭﺍﺩﻫﺎ بألسنتهم وأقلامهم).
كان كل أب يعز أبناءه يتوق إلى أن يرى ابنه محامياً، وكان القانون وقتئذ، كما هو الآن الطريق الموصل إلى المناصب العامة، ولذلك كان يقام احتفال مهيب للشباب المتقدمين للعمل كمحامين وكان آباؤهم يرافقوهم في مواكب حافلة إلى مقر مجلس الأعيان ويقدمونهم إلى أعضائه الذين يقررون قبول أولئك الشبان في سلك المحاماة.
وجاء في كتاب لبترونيوس (كاتب وسياسي وفيلسوف من روما القديمة)، ان أحد الأشخاص أعطي لابنه طائفة من الكتب ذات الظهور الحمراء "ليتعلم قليلاً من القوانين لأن (القانون يأتي بالمال).
وكان طالب القانون يبدأ بدراسة المبادئ القانونية على يد معلم خاص، ثم يشهد في المرحلة الثانية الاستشارات التي تعرض على أعلام فقهاء القانون، ويتمرن بعدئذ عند محام يترافع في القضايا.
وأنشأ بعض المستشارين القانونيين في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد مدارس في أحياء مختلفة من مدينة روما يعلمون فيها القانون أو يصدرون فيها فتاوي قانونية.
وشكا احد الآباء من ارتفاع الأجور التي كان يفرضها هؤلاء الفقهاء، ويقول إنهم كانوا يتقاضون ثمن تثاؤبهم نفسه.
وكان هؤلاء المعلمون يسمون (أساتذة القانون).
ويرى ويل ديورانت أن لفظ أستاذ (Professor) قد أطلق عليهم لأنه كان يطلب إليهم أن يعلنوا (Profiteri) أي عزمهم على أن يعلموا وأن يحصلوا بعدئذ من السلطات العامة على ترخيص بممارسة هذا العمل.
وفي عصر الإمبراطورية البيزنطية، اقتربت المحاماة من شكلها المعروف في العصر الحديث، بعد ان كانت الإجراءات الشكلية عقبة في طريق التقدم القانوني حتى سنة (140ق.م) حيث استحدث البريتور تعديلات قضائية هامة تحقيقاً للعدالة وحماية للحقوق التي تضيع بسبب هذه الإجراءات، فوضع قانون (أبوتيا)، الذي اباح سماع الخصوم دون إجراءات شكلية، كما سبق البيان.
ويرجع إنشاء أول نقابة للمحامين في التاريخ إلى عهد الإمبراطور الروماني الشهير جستنيان الأول (527 ــ 565 م) لمراقبة أعمال المحامين وبحث مشاكلهم والعمل على تحقيق مصالحهم، ولتمييز الوكلاء بنوعيهم، الوكيل المدني والوكيل بالعمولة، عن الصناع والتجار.
وقد ازدهرت الحياة القانونية عصر جستنيان وانتشرت مدارس القانون واستقر التنظيم القضائي، وأضحت المحاماة في عصره مهنة لها كيانها في الدولة لا يستطيع أن يعمل بها إلا أصحاب الكفاءات العليا، لما تتطلبه من الإلمام التام بشتى مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكان لزاماً على المحامي قبل مزاولته للمهنة أن يقسم على الإنجيل بأن يراعي العدالة ويؤدي واجبه بأمانة, وعلى محامي المدعي أن يشرح دعواه مستنداً على أسس قانونية وعلى محامي المدعى عليه إن لم يقر المدعي على طلباته أن يبرر عدم صحة ادعاءاته.
يتضح مما تقدم إن المحاماة كانت، ولا تزال، قرينة الخطابة والبلاغة والمنطق والعلم، فالمرافعة الشفهية ما هي في الواقع إلا خطبة قضائية، أما المرافعة المكتوبة فهي تجسيد للمنطق والعلم القانوني والقضائي، وإنها متى وجدت في مجتمع ما، لابد أن يوجد معها ما ينظمها من القواعد والتقاليد وان كانت عرفية تنمو وتتطور مع تطور المحاماة.
ثانياً: فلسفة المحاماة
الفكرة الأساسية هي ان المحامي يدافع عن المتهم وليس عن المجرم!. اي قبل مرحلة الإدانة والتجريم في مرحلة اعتباره بريئا لأن (المتهم برئ حتى ثبت ادانته من محكمة مختصة وتراجع كافة طرق الطعن)
ذلك ان الانسان العادي اذا اتهم بجريمة قتل او غيرها وقد يكون بريئاً وقد تكون الدعوى كيدية انتقامية ولايجيد التعامل مع المحاكم ولا القوانين ولا يعرف حتى معنى المواد القانونية التي أُحيل بها للمحكمة
وقد يكون خصمه لبقاً محنكاً يقدم مايفيده من الأدلة وبخفي ما يضره او يدينه. بينما المتهم قد يكون انساناً بسيطاً لاعهد له بالتعامل مع القضاء. وهكذا بوجود المحاماة تحقق المساواة بين المتقاضين فلايكون هناك طرف قوي وطرف ضعيف امام ميزان العدالة
وياما في السجن مظاليم بسبب عدم الخبرة في الدفاع ويعبر عنهم في الادبيات القانونية والقضائية ب(ضحايا العدالة) فيأتي المحامي ليقرأ اوراق الدعوى والأدلة المتحصلة ويناقش الشهود ليصل الى الحقيقة القانونية ويعرضها على المحكمة فإذا اقتنعت المحكمة بدفوعه حكمت ببراءة موكله وبخلافه يحكم عليه
قال قاض قديم: ان المحامي (محامي المتهم ومحامي المشتكي) يسهلون علينا امور النظر في الدعوى فهم يناقشون ادلة الطرفين ويناقشون الشهود سواء كانوا شهود اثبات او شهود نفي بموجب نقاش قانوني منطقي ومرتب
والقاضي يصل الى قناعته القضائية بعد الاطلاع على اوراق الدعوى ودفوع المحامين ليصل الى القرار والحكم العادل ولولا المحاماة لأصبحت مهمة القاضي شاقة جداً ولأخدت الدعاوى اوقاتاً طويلة للفصل فيها .....
ثالثاً: معضلة قانونية تاريخية
وتسمى المعضلة المضادة أو مفارقة بروتاگوراس.
في اليونان القديمة، كان المحامون يتعلمون مهنتهم بالتتلمذ على يد محامٍ مرموق، وكان السفسطائي الشهير بروتاگوراس أحد هؤلاء المحامين. يروي الكاتب اللاتيني أولوس غيليوس هذه القصة في كتابه "ليالي أتيكا" انه كان هناك شاب واعد يدعى يواتلس يرغب بدراسة المحاماة، ولكنه كان فقيراً ولم يكن قادراً على دفع تكاليف دروس بروتاگوراس، فقبله الأخير تلميذاً بعد إبرام الاتفاق التالي:
أن يسدد يواتلس تكاليف الدروس التي تلقاها بمجرد فوزه في أول دعوى قضائية له.
بعد إتمام تدريبه، لم يمارس يواتلس المحاماة وفضل الاتجاه للعمل في السياسة، ورفض دفع أتعاب بروتاگوراس. فبدون ممارسة المحاماة، لم يكن ليتمكن من كسب أي قضية. ولأنه لم يفز بأي قضية، شعر بأنه لا يدين بأي مال لأستاذه. عندها رفع بروتاگوراس دعوى قضائية ضده لإجبار تلميذه على دفع مستحقاته، لأن الاتفاق بني على أن يمارس يواتلس المحاماة ثم التقرير فيما إذا انه يستحق أتعابه اما لا.
عرض الاستاذ بروتاگوراس قضيته على النحو التالي:
إذا خسر طالبي يواتلس الدعوى، فسيتعين عليه دفع أتعابي، لأني قد ربحت القضية. أما إذا ربح يواتلس، فسيكون قد ربح قضيته الأولى، وبالتالي سيتعين عليه دفع أتعابي ايضاً وفقًا للإتفاق الذي تم بيننا في العقد الأصلي. (بمعنى ان بروتاگوراس سيستحق اتعابه سواء كسب الدعوى او خسرها)
أما يواتلس، فقد دافع عن موقفه قائلاً: إذا ربحت القضية، فلن أضطر إلى الدفع، لأن استاذي بروتاگوراس سيكون قد خسر دعواه التي تستوجب الدفع.
أما إذا خسرت، فلن أضطر إلى الدفع أيضاً، لأن العقد الأصلي كان ينص على أني لن أدفع أتعابه إلا بعد فوزي في القضية، وانا لم أفز بأي قضية حتى الآن.
التفسير القانوني
في نهاية المطاف، كيف ينبغي الحكم على هذا الصراع؟
ولحل هذه المعضلة، التي طرحت ولاتزال تطرح الى اليوم في امتحانات الدراسات العليا في الدول الأوربية، عدة حلول، لأن مجلس اثينا لم يتبنى حينها حلاً وترك القضية مؤجلة الى أجل غير مسمى.
يرى البعض انه يجب على القاضي أولاً أن يحكم لصالح يوالتس، عندها فقط يُمكن لبروتاگوراس رفع دعوى أخرى، لتحقق الشرط.
في الواقع، إذا اخذنا بقانون العقد والتزاماته مضافاً إليه الشرط الإتفاقي، سيجد القاضي نفسه في موقفٍ يكون فيه الحكم الذي يُصدره دائمًا عكس ما ينبغي أن يكون: فلكي يُعلن فوز بروتگوراس، عليه أن يعتبره خاسرًا، والعكس صحيح. وهذه حلقة مفرغة من نوع حلقة الكاذب الكريتي.(2)
***
فارس حامد عبد الكريم
بغداد في 2026/2/9
..........................
1-السفسطائية (Sophism) وتعني المعلم وهي مذهب فكري وفلسفي ظهر في اليونان (القرن 5 ق.م) على يد معلمين تجولوا لتدريس الخطابة والسياسة مقابل أجور.عارضهم سقراط وأفلاطون بشدة بسبب إنكارهم للحقيقة المطلقة، وبيعهم للعلم.
2- الكاذب الكريتي هي معضلة منطقية قديمة تعود للفيلسوف إبيمينيدس، الذي قال: "جميع الكريتيين كاذبون". بما أن إبيمينيدس كريتي، فهو كاذب وهذا يعني ان اهل كريت صادقون، وبما انه كريتي فهو صادق، اذاً اهل كريت كاذبون ... مما يدخلنا في حلقة مفرغة
هي مثال كلاسيكي على المفارقات الدائرية أو المرجعية الذاتية.
ساهمت في تطوير المنطق، الفلسفة،وعلوم الحاسوب، وناقشها فلاسفة مثل أرسطو، وبرتراند راسل، وتم تناولها في محاولات تأسيس منطق رياضي متماسك.
الحلول: حاول فلاسفة مثل ألفريد تارسكي معالجتها من خلال التمييز بين لغات الموضوع واللغات الوصفية (نظريات الأنماط) لتجنب الإشارة الذاتية المباشرة التي تسبب التناقض.







