أقلام حرة

محمد الزموري: باومان في إيكيا.. الأثاث كمرآة لحياة سائلة

في بيوت أجدادنا كانت تقيم قطع أثاث تشبه الوعد: خزائن خشبية ثقيلة، طاولات لا تهتز، أسرّة صلبة كأنها صُمِّمت لتشهد حياة كاملة من البدايات حتى الخواتيم. أثاث بدا، ولا يزال، جديدًا على نحو يثير الدهشة بعد عقود طويلة، كأنه لم يُخلق للاستهلاك بل للاستمرار. كنا ننظر إليه بإجلالٍ ممزوج بالاغتراب؛ نقدّر قيمته، نلمس متانته، لكننا لا نشعر بأنه لنا. إنه جميل، لكنه ينتمي إلى زمن آخر، زمن كانت فيه الحياة تُبنى كما تُبنى البيوت: على اليقين، وعلى المدى الطويل.

ذلك الأثاث لم يكن مجرد خشب ومسامير، بل كان امتدادًا لرؤية كاملة للعالم. عملٌ يُختار في سنّ مبكرة ويُلازم صاحبه حتى التقاعد، زواجٌ يُفترض أنه أبدي، منزلٌ يُشترى مرة واحدة ليكون «البيت الأخير». لهذا كان من المنطقي أن تُغطّى الطاولات بالمفارش، وأن تُحمى الأرائك بالأقمشة، لأن ما هو مُعدّ للبقاء يستحق الحماية. الزمن كان يُفهم آنذاك بوصفه تراكمًا لا انقطاعًا، وكان المستقبل امتدادًا طبيعيًا للحاضر.

لكن تلك الخطوط المستقيمة التي رسمت حياة آبائنا وأجدادنا تكسّرت اليوم إلى مسارات متشعبة، غير مضمونة، قصيرة الأجل. العمل لم يعد وعدًا، بل مشروعًا مؤقتًا؛ ورأس المال، كما يصفه زيغمونت باومان، صار «سائلًا»، لا يقيم في مكان، ولا يعترف بالحدود، يحمل نفسه بخفة وينتقل حيثما شاء. الزواج ذاته فقد صلابته القديمة، وتحول من مؤسسة إلى تجربة، ومن مصير إلى خيار قابل للمراجعة.

في هذا العالم السائل، لم نعد نعرف إن كنا سنقيم طويلًا في مدينة واحدة، أو إن كان شراء منزل خطوة حكيمة، أو عبئًا قد نندم عليه. لذلك نحتاج إلى أثاث يشبه حياتنا: سهل التفكيك، خفيف الوزن، محايد اللون، قابل للنقل من شقة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى. أثاث لا يطالبنا بالالتزام، ولا يوبخنا إن قررنا الرحيل. هنا تدخل إيكيا، لا كمجرّد متجر، بل كفلسفة معيشة.

حتى علاقاتنا لم تعد تُصاغ بلغة «إلى الأبد»، بل بلغة «ما دام الأمر ممكنًا». نحن نعيش تقاطع الحيوات أكثر مما نعيش امتدادها. كل شيء بات عرضة لما يمكن تسميته «التقادم الوجودي»: الأشياء تُستبدل، والعلاقات تُستنفد، والناس أنفسهم قد يُستبدلون، تحت وهمٍ دائم بأن الأفضل قد يكون في المحاولة التالية. الحرية الواسعة في الاختيار تمنحنا إحساسًا بالقوة، لكنها تسلبنا في المقابل شعور الأمان.

نحن، بلا شك، أغنى بالتجارب، أوسع أفقًا، أكثر معرفة بالعالم. عشنا في مدن مختلفة، وبيوت متعددة، ومع أناس كُثُر. لكن هذا الغنى نفسه يأتي بثمن: مستقبل أقل يقينًا، وصعوبة في البناء طويل الأمد. وكما لاحظت الفلسفة منذ هوبز ولوك، فإن الحرية والأمن غالبًا ما يقفان على طرفي نقيض. نحن اليوم أحرار في الاختيار، لكننا لسنا واثقين من قدرتنا على الاستقرار.

لهذا، لم يعد أثاث الأجداد صالحًا لنا، لا لأنه سيئ، بل لأنه ينتمي إلى زمن لا يشبهنا. نحتفظ أحيانًا بقطعة أو اثنتين منه، لا للاستعمال، بل كأثرٍ، كتذكار لعالم كان أكثر ثباتًا. ثم نذهب إلى إيكيا لنكمل حياتنا بأثاث يعرف أنه مؤقت، يعرف أنه قد يُفكك ويُرمى دون ندم كبير. فهو، مثل حياتنا تمامًا، صُمّم لا ليقاوم الزمن، بل ليواكبه — حتى لو كان ذلك يعني أن يكون قابلًا للتحلل.

***

محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم