أقلام حرة
فاطمة الدفعي: إسعافات أولية لوعيٍ مُنهك.. حين تتحول المعرفة إلى فوضى
نحن لم نعد نعيش أزمة نقص في المعرفة، بل أزمة فائض مربك منها. هذه الأزمة لم تُنتج وعيًا أعمق، بقدر ما أنتجت تشوشًا داخليًا، وتيهًا فكريًا، وإنهاكًا نفسيًا صامتًا.
في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نفكر؟ ومن يوجه هذا التفكير؟ لم تعد الحقيقة غائبة، لكنها لم تعد واضحة أيضًا.
لقد اختلطت القيم بالمصطلحات، وتغيرت المسميات، وتحوّلت كثير من المفاهيم الإنسانية إلى شعارات براقة، تُستهلك أكثر مما تُفهم.
وفي خضم هذا الضجيج، بات الإنسان مهددًا لا بفقدان المعرفة، بل بفقدان ذاته.
هذا المقال ليس اتهامًا، ولا دعوة للانسحاب، بل محاولة للوقوف لحظة مع النفس صادقة، وطرح سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه شديد العمق:
هل ما نعيشه تطور حقيقي… أم فوضى وعي تحتاج إلى إسعافات أولية؟
فوضى المعلومات وضياع البوصلة
نحن نعيش في زمن الفوضى المعلوماتية، حيث كثرت المصادر وتعددت طرق الطرح لمواضيع مهمة، ومع هذا التكاثر تشتّتت العقول بين متعصب لا يصدق إلا مصدره الموثوق في نظره، ومتساهل لا يصدق حتى الحقيقة، ضاعت حرية الرأي والحرية الفكرية بسبب التحرر الزائد في طرح مواضيع حساسة ومهمة دون ضوابط حقيقية.
في زماننا تسهّلت كل الطرق العلمية والعملية، لكن المعلومات الحقيقية تاهت منا وتشعّبت في مسارات مختلفة.
عصرنا لم يعد عصر التطور والحداثة كما يعتقد البعض، بل أصبح عصر الضبابية والسرابات الخادعة.
لم تُسلب العقول بالقوة، ولم تُقيَّد بالسلاسل، بل أُغرقت بالخيارات حتى عجزت عن الاختيار، وفقدت أبسط حقوقها: حق التفكير، وحق اتخاذ القرار، وحق تجديد الأفكار.
في محاولتنا للحاق بالزمن، وربما لسبقه، أضعنا إنسانيتنا في مشروع تطوير مرتبك، لقد جَرينا كثيرًا دون بوصلة، فدخلنا متاهات متعددة؛ متاهة تسويف المبادئ على حساب الإنجازات، ومتاهة التزين بواجهة الحداثة والرُقي، بينما كنا نتخلى بهدوء عن أنبل ما فينا.
تزييف المصطلحات وانهيار القيم
تخلينا عن مبادئ إنسانية كانت تحمينا من التهشم النفسي والتدني الأخلاقي.
انهارت القيم الإنسانية، وارتفعت الأنانية كشعار أنيق، وأُعيدت تسميتها بـ “حب الذات”، تمامًا كما غيّر بعض روّاد التنمية البشرية أسماء الكِبر والغرور ليصبحا “ثقة بالنفس”.
الاحترام الذي تربينا عليه، وربينا أبناءنا به، أصبح يُوصَف اليوم بأنه قمع مشاعر وكبت نفسي، بينما تحولت الوقاحة — التي كانت جريمة أخلاقية — إلى فن له جمهوره وصَداه.
فن اللامبالاة، وفن “الأجوبة المسكِتة”…
أليس هذا هو التشدّق الذي نهانا عنه ديننا؟
وقد قال رسول الله ﷺ:
«لعن الله المتشدقين والمتفيهقين».
وهنا يطرح السؤال نفسه بهدوء وصدق:
هل نحن فاعلون في هذا العصر، أم مجرد متلقين داخل منظومة تُعيد تشكيل وعينا بصمت؟
ما كان يُسمّى يومًا “نظرية مؤامرة” لم يعد تهمة جاهزة، بل سؤالًا مشروعًا:
من يملك المعلومة؟ ومن يوجه الوعي؟ ومن يحدد ما نراه، وما نتجاهله؟
نحن — إلى حدٍّ ما — كالسمك داخل الشباك، نرى الخطر يقترب، ونشعر بالاختناق، لكننا نعجز عن الحركة؛ لا لأن الأيدي مقيدة، بل لأن الوعي مُثقل، ومُرهق، ومتردد.
ربما لا يكون الحل في الخوف، فالخوف حاضر رغماً عنا، لكنه ليس سبيل النجاة.
الأمان هو السبيل، وهذا الأمان ليس غائبًا، بل متجذر في عمق العقيدة، في المعنى، في الإيمان الذي حين تم التلاعب به، سَهُلَ تهشيم النفوس، وتبليد الأفكار، وتغيير المسارات.
خطة الإنقاذ: الإسعافات الأولية للوعي
لسنا أمة بلا هدف، ولسنا كيانًا وُلد للتيه.
في مرجعيتنا، وفي رؤيتنا للإنسان والحياة، معنى واضح للوجود، ومعنى أعمق للأمان. العمل على هذا المعنى هو ما يحمي الإنسان من الضياع، لا كثرة المعلومات ولا تسارع التطور.
لكن حين تكون الحالة خطِرة، لا نبدأ بالعلاج الطويل، بل نحتاج أولًا إلى إسعافات أولية نفسية.
أولًا: التوقف
التوقف عن التفكير بنفس القوالب الجاهزة، وعن تصديق كل ما يُقدَّم بزخارف لغوية براقة.
التوقف عن السير خلف القطيع دون وعي.
التوقف هنا لا يعني الانسحاب من العالم، بل الانتباه.
الانتباه للترندات التي تُستهلك بلا معنى، والتي قد تكون في حقيقتها تقليدًا فارغًا لا يضيف وعيًا ولا قيمة، سوى الاستخفاف بالعقول وإهدار الوقت.
التوقف عن اللهاث خلف الاعجابات والمتابعات بوصفها غاية.
نحن أصحاب رسالة، وأصحاب معنى، ومهمتنا أعمق من جذب العقول الفارغة بمحتوى فارغ — مع كامل الاحترام لأصحاب المواهب الحقيقية الذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم دون توسل.
ثانيًا: الفرز
أن نميز بين المهم والتافه، بين ما يبني الوعي وما يستهلكه.
أن لا نبحث عن ذواتنا في الأماكن الخطأ، ولا نضيّع أعمارنا في تفاصيل لا تستحق.
ثالثًا: الشك الصحي
أن نتفقد قلوبنا وأرواحنا، لا أجسادنا فقط.
فليس كل تعب سببه فيروس، وأمراض هذا العصر لم تعد جسدية فحسب؛ كثير منها نتيجة فراغ عاطفي، وغياب الأمان، والانفصال عن القيم التي كانت تمنح الروح اتزانها.
قد تكون الروح خاوية، رغم امتلاء الحياة بالوسائل.
والبعد عن الله هلاك للأرواح، والعبادة الشكلية لا تسد فراغًا روحيًا، بل قد تزيده اتساعًا إن لم تُلامس القلب.
رابعًا: استعادة حق السؤال
حين كنت تسأل عن معنى وجودك، لم تكن جاهلًا، بل كنت في ذروة نضجك.
الأسئلة الوجودية ليست ضعفًا، بل بداية الوعي.
عندما صارت الأسئلة تُكتب في محركات البحث، والروبوتات، وتأتي الإجابات جاهزة، توقف العقل عن التفكير، وتجمد القلب عن التأمل.
امتلأنا بإجابات لم نُجهد أنفسنا في طرح أسئلتها.
المعلومات التي تبني الإنسان أهم من المعلومات التي تُخزَّن في الذاكرة.
والمعلومة الناقصة أحيانًا أكثر فائدة؛ لأنها تُحرّك السؤال، وتوقظ العقل.
لقد انشغلنا بتنمية جاهزة، وتطوير مُعلّب، وبنينا واجهات جميلة دون أساس متين.
وأي بناء بلا أساس، لا يصمد أمام التغيرات.
نحن بحاجة إلى العودة للأساس، وبنائه حجرًا حجرًا، لا أن نترك غيرنا يحدد شكله، وحجمه، واتجاهه، ثم نكتشف في النهاية أن أعمارنا مضت، دون أثر، ودون معنى يدل على أننا كنا هنا يومًا ما.
لسنا عاجزين، ولسنا بلا خيارات، لكننا مُرهقون ذهنيًا، ومثقلون بتفسيرات جاهزة، وحلول سريعة لا تلامس الجذور.
الوعي لا يُستعاد دفعة واحدة، ولا يُفرض من الخارج، بل يُبنى بهدوء، من الداخل، حين نملك الشجاعة للتوقف، والفرز، والسؤال.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المعلومات، بل إلى إنسانٍ حاضر قبل المعلومة، وإلى أساس متين قبل أي بناء.
وحين نعود إلى هذا الأساس، نكتشف أن النجاة لم تكن يومًا في الهروب من العالم، بل في فهمه دون أن نفقد أنفسنا داخله.
***
بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي
مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني







