أقلام حرة
علي فضيل العربي: كيف ودّعت العام المنصرم؟
مضى عام وانصرم بكل ما حمله لنا من أحداث متباينة؛ مؤلمة تارة وسارة تارة أخرى، مرغوب عنها أو مرغوب فيها، فرديّة أو جماعية.
أذكر، ولعلّ التذكّر فيه الكثير من العبر والنعم (وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين) وقد تنفع غير المؤمنين. والتذكير نوعان: تذكير بما لم تعرف تفاصيله، وممّا يعرف مجمله بالفطرة والعقل والشرع، فقد فطر الله العقول على محبة الخير والمنفعة والجمال، وكراهة الشر والخسران والقبح.
استقبلت العام المنصرم قبل سنة، وودّعت العام الذي قبله، وكم من الأعوام ودّعت واستقبلت منذ ولدت. كم عام تنفّست فيه الصعداء، وكتبت لأصدقائي وأحبّائي، للبعدين عنّي مكانا، والقريبين منّي ودّا، تهاني العام الجديد، متمنيا لهم ولي عاما سعيدا وعمرا مديدا في كنف السلام والرفاهية والإنسانيّة. يومها اعتقدت أنّ العام الجديد سيمنح العالم سلاما وأخوة وحبّا وإنسانيّة، وأنّ الحروب والأوبئة والمجاعات العقلية والمعوية والعصبيّات الظلاميّة المميتة، التي تزهق كلّ يوم آلاف الأرواح البريئة وغير البريئة في أقصى الكوكب الأرضي وأدناه، ستختفي، أو- على الأقل - ستضمحلّ، وتخفّ وطأتها، وسيسعدنا العام الجديد بعد سنة كاملة من الهمّ والغمّ والكرب والوجع إلى حدّ العظم.
سوف لن يتأخر الإنسان المعاصرـ الذي يتحكّم في دواليب النظام العالمي الجديد، والذي يتشدّق كلمّا طلعت شمس يوم جديد وغربت، بالعلم والمعرفة والذكاء الاصطناعي والديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان والحيوان والبيئة البحريّة والبريّة ـ عن العودة إلى رشده وصوابه وحكمته وإنسانيته، وسيضع الأشياء في مواضعها دون أدنى تردّد، وسوف تستيقظ الإنسانيّة في نفوس القاسيّة قلوبهم، لكن شتّان بين الواقع والتمنّي، فقد قطع أبو الطيّب المتنبي منذ قرون خلت قول كلّ شاعر، حين قال في بيته الشهير: ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
ما يشغلني حقّا، ليس ما هو آت الوافد الجديد، لأنّني تعودت على فقه المفاجأة، وفقه التمنيّات التي تتحوّل إلى سراب. إنّ ما يشغلني – حقّا – هو: ماذا تحقّق من أمنيات العام المنصرم؟ وما الذي لم يتحقق منه؟ هل حقّق الإنسان مشاريعه كلّها، أو على الأقل أهمها في حياته ومصيره ومصير الأجيال القادمة؟
استقبل القسم الأكبر من العالم العام الجديد بالأفراح العارمة والألعاب الناريّة والشموع والأكلات الفاخرة والمشروبات وبطاقات التهاني والموسيقى، لكن في أجزاء من العالم، مازالت الحروب دائرة رحاها، ومازال الجوع سيّد الموائد الفارغة، ومعذّب البطون الفارغة، ومازالت دكاكين السياسة تسوّق بطاقات الموت والحياة هنا وهناك، كما تسوّق تذاكر مباريات كرة القدم وكرة السلة.
كمّ هائل من الأمنيات لم ير النور. احترقت في مهدها، وكم من كتاب كان ينتظر دوره على رفوف المكتبات، ويُفتح ويقرأ منه سطر واحد. وكم من طفل كان يحلم بلعبة، لكنّه لم تصله، وكم من أم كانت تنتظر عودة ابنها من جبهة القتال، ولمّا يعد بعد. وكم من أسرة كانت تأمل في لمّة عائليّة حول مائدة القهوة أو الشاي، لكنّ أملها خاب وغاب وسط الخراب والرعب والدخان والخيّم الغارقة في المياه والأوحال، أو تلك التي ضربتها العواصف والفيضانات وسط الدهشة والحيرة، وما أبقت منها سوى الذكريات الأليمة وصرخات النجدة والغوث.
ودّعت العام المنصرم بدموع الحزن والأسف والأسى على شعوب في أدنى الأرض وأقصاها وأوسطها، شعوب ذاقت من ويلات حروب القتل والخراب والدمار والتهجير والعذاب والجوع والعطش والقرّ والحرّ والنزوح والغرق في لجج البحر. لقد كان عاما لم تخل فيه سماؤه من أزيز الطائرات وأدخنة القنابل والقذائف ودويّها.
و كم كنت أنتظر عودة العالم المتجبّر، المتكبّر، المتحارب إلى رشده ويبادر بغلق مصانع السلاح والتقليدي وتدمير الترسانة النووية، والتطهّر من فقه الكراهيّة والبغضاء، والانتماء إلى فقه الحريّة والسلام والإنسانيّة والأخوة والتكافل. وأنا موقن أن العودة إلى عالم خال من أسلحة القتل والتدمير هو أفضل ما تنظره الإنسانيّة ويحلم به المعذبون في الأرض.
لن أحتفل بقدوم العام الجديد، وكيف أحتفل والحروب بين أبناء آدم، مازالت تدور رحاها على قدم وساق في شتّى أنحاء القارات؛ في إفريقيا وآسيا وأوروبا. لأنّ المنطق يفرض عليّ قبل الاحتفال بالعام الجديد، تقييم مجريات العام المنصرم، وإعداد تقرير أدبي حول وضعه السياسي والحقوقي والإنساني والثقافي، وإعداد خارطة الأرباح والخسائر – كما تفعل شركات الاستثمار الاقتصادي والرياضي - والمقارنة بينه وبين العالم الذي سبقه.
أنا لا تهمّني الأرباح والخسائر المادية، لأنّها قابلة للمراجعة والتعويض، ما يهمّني – حقّا – هو تحقّق من الأرباح المدرجة في البورصة الإنسانيّة. لأنّها خسائرها غير قابلة للتعويض والاعتذار بتاتا. وسأعدكم بالاحتفال بالعام الجديد في آخر يوم منه، إذا تحقّق أملي وتجسّد حلمي، وهو رؤية العالم خاليا من الحروب، متدثرا براية الإنسانيّة والمحبة تحت شجرة السلام العادل. يومئذ سأحتفل بكلّ سنة جديدة، وأبايع كلّ من أعاد الابتسامة والطمأنينة للمحرومين من الطعام والأمن والسلام.
***
بقلم الكاتب الروائي: علي فضيل العربي – الجزائر







