بأقلامهم (حول منجزه)
د. شهرزاد حمدي تُحاوِر الأستاذ ماجد الغرباوي (2)
الحلقة الثانية من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي،
حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب
***
س3- د. شهرزاد حمدي: ما موقفكم من الآراء التي ترسُم مَسَافة انفصالية بين الفلسفة والدين، على اعتبار أنها مرتع خِصب للإلحاد؟
ج3: ماجد الغرباوي: لا ريبَ في وجود مسافة بينهُمَا، فكلٌّ من الفلسفة والدين ينتمي إلى حقل مُغاير للحقل الآخر، أداةً ومنهجاً، رغم أن كلاً منهما يسعى لفهم الإنسان وتفسير العالم... أداة الفلسفة هي العقل والمنطق لتأكيد صحة القضية أو نفيها. فيما يرتهن الدين صدقَ القضايا الغيبية والميتافيزيقية إلى الوحي ومصدر النص. وبشكلٍ أوضح: الفلسفة نشاط عقلي، نقدي، يتقوّم بالشكّ والسُّؤال. ترفُض التسليم بالبديهيات والأفكار الجاهزة والاعتقاد غير المُبرّر، ما لم يقم الدليل العقلي أو الفلسفي على صحتها. بينمَا صدق القضايا الدينية تتقوّم بالإيمان، والتسليم، والتصديق بالوحي. فثمة مغايرة بين الحقلين الفلسفي والديني. فهناك اختلاف بينهما في المنطلق والمنهج ومصدر الحقيقة وغاية المعرفة.
بيد أن السُّؤال الأهمّ: هل يستحيل الجمع بين حُرية العقل وسُلطة الوحي. أم أن العلاقة التكامُلية الخّلاقة ممكنة بينهما؟ أقصد علاقة منتجة، قوامها رؤية أعمق للإنسان والعالَم؟
الحقيقة، أن العلاقة بينهُمَا علاقة جدلية ومُعقّدة، تمتد من التكامُل عند "ابن رشد" إلى التنافي والتناقُض عند آخرين. فهُناك من يعتقد بوجود تعارُض جوهري بين الفلسفة والدين لا يسمح بأيّة علاقة تكامُلية بينهُمَا، ما دامت الفلسفة تقوم على السُّؤال والنقد والبحث الحُر عن العِلَلْ الأولى. أمّا الدين فيستند إلى الوحي بوصفه مصدرًا مُتعاليًا للمعرفة، ويتقوّم بالإيمان والتسليم. ومن هُنَا نشأت أطروحة "القَطيعة"، التي تعني أن الجمع بينهُمَا يُفضي إلى تناقُض: إمّا أولوية العقل وإمّا أولوية النصّ. لكن الأبواب ليست موصَدَة تَمامًا، وقد سَعَى "ابن رشد" إلى التوفيق بين العقل والدين في كتابه "فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، بتقرير: لا تعارُض بين العقل والوحي إذا فُهِمَا فهمًا صَحيحًا. فإن كلاهُمَا يشتركان في غاية واحدة، هي: الوصول إلى الحقيقة. فإن كانت الحقيقة واحدة، فَلا يُمكن أن تتناقض طُرق الوصول إليها من حيث المبدأ. (الحقيقة لا تضاد الحقيقة، بل توافقها وتشهد لها). ثُمّ أن الدين لا يُلغي العقل، بل يدعو إلى استعماله (أفلا تعقلون)، (أفلا يتدبّرون). إذن مُمارسة البُرهان ليست خُروجًا عن الشريعة، بل استجابة لأمرها. وبالتالي: الحقيقة واحدة. الفلسفة تبحث عنها بالعقل. والدين يكشف عنها بالوحي. فإذا كان المصدر واحدًا (الله / الحق)، فلا يُمكن أن تتناقض النتائج النهائية. بيد أن المُشكلة تظهر عندما يتعارض النصّ مع العقل والبُرهان العقلي. وهُنَا يطرح "ابن رشد" مبدأ التأويل. بهذا، يُصبح العقل أداة لفهم أعمق للوحي، لا خصمًا له. ثُمّ يطرحُ تَصوّرًا آخر للعلاقة التكامُلية، مُلخّصها: الإنسان ليسَ عقلاً فقط ولا إيمانًا فقط، بل كائن مُركّب بحاجة إلى يقين وجودي (الدين)، ويحتاج إلى فهم نقدي (الفلسفة). فالتكامُل هُنَا يأتي استجابة لبنية الإنسان نفسه. ثُمّ يُجيب "ابن رشد" على اعتراض مفاده: أن الفلسفة تعتمد العقل، والدين يعتمد الإيمان، فَهُمَا مُتناقضان. يقول: الإيمان الديني الأصيل ليسَ ضِدّ العقل بل يتجاوزه. والعقل نفسه يفترض مُقدّمات غير قابلة للبرهنة المُطلقة (كالبديهيات). إذن ليسَ هُناك تضادّ جوهري، بل اختلاف في المُستوى المعرفي. ويُؤكّد "سورين كيركغارد" أن "الإيمان قفزة وجودية تتجاوز البُرهان العقلي". ويَرَى "بليـز باسكال" أن "للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل البُرهاني".
وهُنَا أؤكِّد إمكانية العلاقة التكامُلية بين العقل والدين بمعنى الإيمان. فرغم تعدّد مناشئ الإيمان وعدم استبعاد دور الوهم والعوامل النفسية والبيئية والخارجية في تشكيله، غير أن تجريد مُطلق مناشئ الإيمان من العقلانية تعسّف. فَثَمَّة قناعات إيمانية قائِمَة على الدليل، حَدّ الاطمئنان القلبي والنفسي. وبالفِعل أعاد "إيمانويل كانط" تأسيس الإيمان على أسُسّ أخلاقية عَمَلية. وسيكون التكامُل أجلى بين العقل والدين بمعنى التجربة الدينية؛ حيث تنطوي تلك المشاعر، وفيض المحبة والانفتاح على المُطلق، تنطوي على نَظَرة فلسفية للوجود والعالَم، تكشف عن فهم مُغاير للدين من خِلال التجارب الروحية، فيكون إيمانًا راسِخًا روحيًا وفلسفيًا.
وأمّا الإلحاد فليسَ نتيجة حتمية للفلسفة، بل نتيجة مُحتملة، قد يُؤدي البحث الفلسفي إلى الإلحاد وقد يؤدي إلى رُسوخ الإيمان. فَثَمّة من يعتقد أن فتح المجال للفلسفة والنقد العقلي يؤديان إلى التشكيك بمبادئ الدين وعقائده ومُسلّماته، ومن ثَمّ إلى الإلحاد.
والحقيقة، أن العقل فَتّاك في نقده، مُرعب في توغله، خَطير في شُكوكه. يتوجس من الإيمان النفسي والموروث (قطع القطّاع كمَا في المصطلح الأصولي)، الذي يرتهن إرادته لأبسط الأدلة، مَهْمَا كان تواضع مُقدّماتها. بينمَا يتوقّف صدق القياس المنطقي على مُقدّمات يقينية. والمسألة تعود لطبيعة العقل. هُناك عقل يقظ، مُتمرّد، لا ينقاد إلاّ للدليل العقلي. في مُقابل عقل عاطفي، متهاود، تتعدّد لديه طُرق الإيمان، له استعداد ذاتي لتصديق الغيبيات، وإن لم يدلّ الدليل القطعي عليها. وهي عقلية إيمانية، تتّسِم بقُوة المشاعر وصدقها. تُنصِتُ للروح ولُغتها. فهُناك اختلاف بنيوي، يُمهّد أو يُنكر الإيمان. وقد تُسَمّى بالعقلية الأسطورية، ولستُ مع هذا الرأي، فيُمكن أن يكون الإيمان عقلائي كمَا بالنِسبة للخالق. كذلك التجارب الدينية، لا يشكّ فيها المُتلقّي بل يتفاعل معها بكلّ مشاعره، فهو مُؤمن من خِلال مُمَارساته الروحية بصدق مشاعره. بيد أنها تبقى تجربة شخصية، لا يُمكن تعميمها.
ليسَ الإلحاد مُستبعدًا، سِيَمَا أن القضايا الدينية قضايا ميتافيزيقية. فيصعب تصديقها على من يتخذ الشكّ طَريقًا لمعرفة الحقيقة. من أين نأتي بأدلة حسّية أو بُرهانية على عالَم الغيب مثلاً، أو قضايا كالجنة والنار والملائكة والجنة، وجميعها مفردات دينية ميتافيزيقية تُؤكّدها الكتب السماوية. بل أقصى ما يدلّ عليه البُرهان العقلي، قانون العلّية، كبديهية عقلية، نستدل به على وجود خالق لهذا الكون فقط وفقط، دون أيّ تفصيلات حول صفاته. ومع الشك بالقانون، لا يُمكننا إثبات الخالق بالدليل العقلي ولو بشكلٍ غير مُباشر. لذا يشترط القرآن أسبقية الإيمان بالغيب لتحقّق الهداية، وهو اعتراف ضمني بعدم كفاية الإيمان العقلي، مادام إيمانًا مُجردًا جَافًا والهداية تستدعي نداوة الروح وشفافيتها: [(ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، سورة البقرة: الآية: 2]. وبالتالي ليسَ الإلحاد نتيجة حتمية للفلسفة، بل نتيجة مُحتملة، قد يُؤدي البحث الفلسفي إلى الإلحاد وقد يؤدي إلى رُسوخ الإيمان.
س4- د. شهرزاد حمدي: ماذا عن الفِرق والتيارات الكابِحة لطاقات الاجتهاد؟
ج4: ماجد الغرباوي: إنّ الموقف السلبي من الاجتهاد موقف من العقل ذاته، فَثَمَّة من الأصوليين والفُقهاء اعتبر العقل أحد مصادر التشريع وهُناك من يرفُض العقل كمصدر من مصادر التشريع. الاجتهاد مبدأ أساس لإحياء الشريعة وتكيّفها مع الواقع، وفق شُروط وآليات تختصّ بمَن يَعي مُتطلّبات الزمان والمكان من الفُقهاء. وللاجتهاد مُبرّرات فرضها جدل النصّ والواقع، ثُمَّ راح يتطوّر كعِلم مُختصّ بالشريعة الإسلامية في مُقابل التلمود الذي استفاد منه الفُقهاء بحكم التجاور أو تقارب جُملة من التشريعات. وبالتدريج تشعّب واتسع بفِعل طبيعة الأسئلة وتحدّيات الاتجاهات العقدية، وتعدّد مباني الفقهاء، والانفتاح على المنطق والفلسفة، وتطوّر عِلم أصول الفقه. وما التُراث الفقهي الزاخر إلاّ ثمرة من ثمراته. وهذا لا يمنع من وجود تداعيات وسلبيات، ما دام الاجتهاد وجهات نَظَر شخصية، رغم القواعد العقلية التي تتحكّم بعَمَلية استنباط الأحكام الشرعية. ويُقصد بالاجتهاد: "بذل الجُهد للحُصول على شيء ما". واصطلاحًا: إمّا أن يُراد به الرأي الشخصي للمُجتهد. أو يُراد به: "استفراغ الوسع في استنباط الحُكم الشرعي من أدلته". وبنظرة أعمق: من يؤمن بالاجتهاد، يُؤمن ثَمَّة ثابت ومُتغيّر، يسمح للشريعة بمواكبة الواضع وضروراته. وبالتالي فهو اعتراف بقيمة العقل وقُـدرته على استنباط الأحكام في ضوء ثوابت الشريعة.
كانت الحاجة للاجتهاد مُنتفية في زمن البعثة، وكان النبي يُجيب على أسئلة واستفتاءات الصحابة مُباشرة أو عبر سُّؤال الوحي: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان دليلهم من بعده إمّا آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله، الشاملة لقوله وفعله وتقريره، باستثناء اجتهادات محدودة جدًا حينمَا تطرأُ مسألة مُستحدثة، فكان اتفاقهم يكفي، بعد اليأس من وجود دليل من الكتاب والسُنة. غير أن تطوّر الحياة، وتوسّع المجتمع، فرض أسئلة جديدة، راحت تتفاقم بمُرور الأيام، فنشأت حركة اجتهاد، تتقوّم باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهُمَا القدر المُتفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية (ما عدَا القرآنيين). ثم دخل الإجماع دليلاً ثالثًا، رغم الاختلاف في تفصيلاته. لكنهم اختلفوا أشدّ الاختلاف حول العقل وقُـدرته، كدليل مُستقل على الحُكم الشرعي أو كاشفًا عنه. فهُناك اتجاهان رئيسان، حول الموقف من الفراغ التشريعي ومن العقل:
الأوّل: موقف عُموم المسلمين:
وهم أهل السُنة في مُقابل الشيعة. وقد انقسموا إلى اتجاهين، عنهُمَا تفرّعت أغلب الاتجاهات والمذاهب الفقهية.
أ – مدرسة الرأي والاجتهاد:
يرى فُقهاء هذه المدرسة أن الأحكام في الكتاب والسنة، لا تستوعب جميع المسائل المُستحدثة، مِمَّا يعني نقص التشريعات، فنحن بحاجة إلى أدلة نستعين بها على استنباط الحُكم الشرعي، لملء الفراغ التشريعي، بشكلٍ لا تتقاطع في نتائجها مع ما هو مُشرّع نصًا. فكان هُناك الاجتهاد، والاستحسان، والقياس، وهي أدلة تُمثِّلُ رأيًا شخصيًا للمُجتهد، من خِلال حسّه الفقاهتي / الفقهي، ومُستوى تبحّره في مُختلف الأدلة النقلية والعقلية. وقد قرّرت هذه المدرسة قاعدة فقهية مفادُها: "إذا أراد الفقيه استنباط حُكم شرعي، ولم يجد نَصًّا يدلّ عليه في الكتاب أو السنة، رجع إلى الاجتهاد بَدَلاً عن النصّ". فالاجتهاد بهذا المعنى يُعدّ دليلاً مُستقلاً على الحُكم الشرعي. وهذه المدرسة يتزعمها الفقيه التابعي المعروف "أبو حنيفة النعمان" المتوفي سنة 150 هـ. وله تنسب مدرسة الرأي عادة. وكانت أدلته في استنباط الحُكم الشرعي ستة: "القرآن، السنة، الإجماع، القياس، الاستحسان، العُرف".
ب – مدرسة الحديث:
تمتاز هذه المدرسة بشدّة تمسكها بظواهر النُّصوص، مع شجبها للاجتهاد والقياس والاستحسان والرأي. ولها ينتسب المذهب الظاهري، الذي أسّسه "داود بن علي" المتوفي 270 هـ، ومن بعده "ابن حزم" الأندلسي. وهو مذهب يتمسّك بظواهر الكتاب والسنة، ويرفًض الرأي والقياس والمصالح المُرسلة وسد الذرائع. ويُؤكِّدُ "الشافعي" تمسّكه بمباني هذه المدرسة أيضًا، حينمَا يقول: (لا يجوز لأحد أن يقول بالاستحسان ... ومن استحسن فقد شرّع). كمَا لا يرى المصالح المُرسلة أصلاً شرعيًا. ويقول: (ليسَ لأحد أبدًا أن يقول في شيء حلَّ ولا حُرّم إلاًّ من جهة العِلم، وجهة العِلم الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس). ويعني الاجتهاد أو القياس عند "محمد بن إدريس الشافعي"، المتوفي 204 هـ: (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكه معه في علة الحكم). فأدلة هذه المدرسة تقتصر على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، والإجماع والقياس بالمعنى الذي طرحه "الشافعي".
ولم تقتصر ردود الأفعال ضِدّ مدرسة الرأي على الاتجاه السلفي وأهل الحديث والمذهب الظاهري، والموقف الشيعي فقهيًا، بل امتد للجانب الأخلاقي والعقدي؛ حيث ظهر الاتجاه الأشعري الذي أسقط العقل، وصادر استقلاليته في بعض الأحكام، وقد ذهب "الأشعري" صراحة إلى أن الحُسن والقُبح شرعيان لا عقليان. الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه. وليسَ للعقل قُـدرة على التشخيص.
الثاني: موقف خُصوص الشيعة:
لم تُواجه الشيعة مُشكلة فراغ تشريعي بعد وفاة الرسول؛ حيث استمر عصر التشريع عندهم عبر أئمتهم، بدءًا بالإمام "علي"، ومن ثَمّ ولداه "الحسن"، و"الحسين" والتسعة من ولد "الحسين"، آخرهم "محمد بن الحسن المهدي"، الذي غاب، واستمر التواصل معه عبر أربعة سُفراء، كمَا يقولون. وبانتهاء الغيبة الصغرى 329 هـ انتهى عصر النَصّ بالنِسبة لهم، وبدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لكن بمفهوم آخر. إذ أن موقف الأئمة وأصحابهم كان سلبيًا جدًا من مفهوم الاجتهاد وفقًا لمدرسة الرأي التي تعتبره أحد أدلّة الفقيه في استنباط الحُكم الشرعي، وقد حصلت مُواجهات ضارية، تجلّت من خِلال المُناظرات والتأليفات التي كانت تشجب الرأي، حتى بات مفهوم الاجتهاد مُثقلاً بدلالاته السلبية عبر توالي الأيام. وصارَ المتبادر منه تحكيم رأي ومزاج المُجتهد في استنباط الحُكم. وقد استمر الموقف السلبي منه من خِلال مؤلفات وكتابات أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من العُلماء والمُحدثين. وبقي الاجتهاد مفهومًا سلبيًا عند الشيعة، يُحيل على تحكيم مزاج الفقيه في الحُكم الشرعي، وهو بمنزلة الكفر. أو خُضوع الحُكم الشرعي لرأي الفقيه الشخصي. ولم يتخلصوا من هذا المفهوم حتى مجيء "المحقق الحلي" المتوفي سنة 676 هـ، الذي أعطى الاجتهاد معنًى جديدًا؛ حيث عُرّفه (بذله الجُهد في استخراج الأحكام الشرعية). وبهذا يَتَّضِح هُناك موقفان مُختلفان من مفهوم الاجتهاد لَدَى الشيعة الإمامية، هُمَا: الأخباريون الرافِضُون للاجتهاد جُملة وتفصيلاً. والأصوليون، وهم لا يختلفون في موقفهم الرافِض لمفهوم الاجتهاد بمعنى الرأي. ويرفضون بشِدّة اعتبار القياس والاستحسان من الأدلّة الكاشِفَة عن الحُكم الشرعي. بيد أن "المحقق الحلي" أوّل من قَدَّمَ تعريفًا جديدًا، زعزع به النظرة السلبية لمفهوم الاجتهاد، عندما عرّفه كمَا ذكرنَا أعلاه وبهذا خرج مفهومًا من كونه دليلاً على الحُكم الشرعي إلى كونه منهجًا في استنباط الحُكم الشرعي، يعتمد على قضايا نَظَرية وعقلية، ليست مُستفادة من ظواهر النصوص بالضرورة. فالاجتهاد بهذا المعنى ليس مصدرا للحكم بل عملية استنباط الأحكام من مصادرها. ويراد بالاستنباط: (تحديد الموقف العَمَلي تُجاه الشريعة تحديدًا استدلاليًا).
وأمّا الاجتهاد بمعنى الرأي، فرُغم تحفّظي على التشريع خارج حُدود الشريعة بشكلٍ عام (شَريطة فعلية الحُكم من جميع جوانبه)، لكن الموقف السلبي من القياس بمعنى الرأي أجده صارمًا، يخفي خلفه موقفًا إيديولوجيًا أكثر منه عِلميًا، فليسَ العقل الفقهي كالعقل العادي، بل هو مُشبع بالفقه، ومعرفة مباني الفُقهاء، وخبرة مُتراكمة بالأخبار، مَتْنًا وسَنَدًا، وهذا مُقتضى من يتصدّى للإفتاء من الفُقهاء. فعندما يقول المُجتهد: "هذا رأيي في المسألة"، يُقصد رأيه الفقهي القائم على الأدلّة وتراكُم الخبرة الاجتهادية، وبشكلٍ عام جميعهم يعملون آراءهم في عَمَلية الاستنباط بنسب مُتفاوتة. بل أن بعض المُتأخرين صَريح في ذلك عندما يعتبر (الشمُّ أو الحسُ أو الذوق الفقهي / الفقاهتي)، دليلاً على الحُكم. فليسَ الحِسّ الفقهي سِوى الاجتهاد بمعنى الرأي. وحقيقته ما يظهر للمُجتهد من خِلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي. أيّ أن تحليل رأيه الاجتهادي ينتهي إلى أدلة شرعية أو عقلية، ضاربة في أعماقه. فرأي "أبي حنيفة" بالقياس كمَا ينقل عنه: (وهو إلحاق فرع بأصل فيه نَصّ بحُكم مُعين من الوجوب أو الحرمة، لوجود عِلّة الحُكم في الفرع كمَا هي في الأصل. والإمام "أبو حنيفة" يُقدم السنة ولو كان حديثًا مُرسلاً على القياس، كمَا يُقدّم الحديث الضَعيف على القياس).
تاريخياً أغلقت مدرسة السنة الاجتهاد على المذاهب المعروفة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ولم تواصل نشاطها العِلمي والاجتهادي، وتحوّلت إلى مرجعيات، تُكرّس مُهِمَّة شرح وتأويل آرائها من قبل طلاب العُلوم الدينية، دون الخروج كُلّيًا على مبانيها. وقد اختلفوا في أسباب ذلك مع اتفاق بعضهم على ضرورته، وقالوا: أن السبب وراء غلق باب الاجتهاد هو التعصّب للمذاهب الإسلامية، أو لخوف المُجتهدين من الإفتاء، خاصّة في ممالأة السلطان الظالم، أو بسبب الكسل العِلمي. غير أن فُقهاء أهل السنة مازالوا يفتون في المسائل المُستحدثة، وأغلب أدلتهم قياس أو استحسان، أو مصالح مُرسلة، وغير ذلك من مَبَانٍ اجتهادية دون الخُروج على مذاهبهم الفقهية. وقد ساعدت الحُكومات المُتعاقبة على انتشار هذه المذاهب دون غيرها، بينمَا اندثرت مذاهب لا تقلّ أهمية عنها، لم تحظَ برعاية الخُلفاء المُسلمين، أو لم تواصل رعايتها لها. كمذهب "سفيان الثوري" و"الأوزاعي". وأمّا المذاهب التي ما زالت حيّة فهي: (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الشيعي الإمامي، الزيدي، الإسماعلي، الأباضي). ولكلّ مذهب حُضوره المُميّز في العالَم الإسلامي، والجاليات المُسلمة في مُختلف دول العالَم، يُمارس دوره في الإفتاء، وتوسعة خلافات الأحوال الشخصية.
أخيرًا، أجد من الضروري وضع شُروط جديدة للاجتهاد، تستدعي معرفة الفقيه بمُعطيات العُلوم الإنسانية التي تُمكِّنه من فقه النَصّ، ودراسة تاريخ صُدوره، وأسباب نُزول الآيات، وكلّ ما يخصّه، سِيمَا مضمرات الخطاب. لا تكفي عُلوم اللغة والمنطق والبلاغة وأصول الفقه كافية لفهم مُراد المُشرّع، سِيمَا وأن الفاصلة بيننا وبين زمن عصر الوحي قرابة 1450 سنة هجرية.
وفي كتابي: مُقتضيات الحكمة في التشريع نحو منهج جديد لتشريع الأحكام. قدمتُ منهجًا جديدًا للتشريع يختلف كلّيًا لِمَا هو شائع ومعروف لَـدَى المدارس والحوزات الفقهية؛ حيث دعوت إلى الانتقال من النَصّ إلى قيم النَصّ في تشريع الأحكام، بعد أن أثبت بأدلّة كافية المرجعية الأخلاقية لتشريعات الشريعة الإسلامية. إنه كتاب ينتمي لفهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. يُؤمن بنسق عقدي مُغاير، يضع العقل فوق النَصّ، فيصدق أنه مذهب في التشريع، ينهلَ من مُعطيات العُلوم الحديثة والفُتوحات المعرفية المُتجدِّدَة. يُقدّم الأخلاق على الأدلّة الأوّلية.
كلّ هذا في ضوء فرضية، مفادها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية مُعطى نهائيًا، بل أن تشريعها يجري وفقًا لمُقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفُق الواقع وضروراته).
إن السرد المُتقدّم لتاريخ الاجتهاد كان ضروريًا لمعرفة تطوّر عَمَلية الاجتهاد خِلال أكثر من ألف عام، مِمَّا يُؤكِّدُ البُعد البشري فيها، وعدم قُدسيتها. فالرأي الفقهي / الفتوى إذًا، ليسَ مُعطى نِهائيَا بل وجهة نَظَر قد تُصيب وقد تُخطئ، لهذا تتعدّد آراء الفُقهاء في المسألة الفقيه الواحدة حدّ التعارُض (كالوجوب والحرمة). فَلاَ معنى للارتفاع بالفُقهاء فوق النقد والمُراجعة، مادامت الأحكام الفقهية ليست أحكامًا شرعية، لاقتصار أحكام الشريعة على ما ورد نَصًّا في الكتاب الكريم، وما ورد في السنة يكون شارحًا ومُفَصَّلاً ومُبيّنًا لَهُمَا، وفقًا لِمَا قَرّرته ذات الآيات البينات، وما عداهما هي آراء فقيهة بشرية قد تُصيب وقد تُخطئ.
س5- د. شهرزاد حمدي: إذا كان التديّن هو المُستوى العَمَلِي للدين، والدين الحَنيف من يوصي بإعمال العقل تدبّرًا وتفكّرًا، ألاَ يُمكن الإقرار بأن الفلسفة هي الدعامة الأساسية لتحقّق تديّن الحَقّ؟
ج5: ماجد الغرباوي: يُميَّز السُؤال بين الدين بوصفه خطابًا مُوجّهًا، والتديّن باعتباره مُمَارسَة إنسانية واعية. ثُمّ يسأل عن إمكانية أن تكون الفلسفة هي الدعامة الأساسية لتحقّق التديّن الحَقّ، سِيَمَا أن الدين الحَنيف يوصي بإعمال العقل تدبّرًا وتفكّرًا. فَثَمَّة تديّن حَقّ، بتعبير السُؤال، يَتَّصِف بِمُواصُفَات خاصّة، يفتقر لها مُطلق التديّن. كلّ ذلك في ضوء معيار قد افترضه السُؤال في ضوئه أفرز التديّن الحَقّ عن غيره. لكن كيف لَنَا نحنُ المُتديّنين أن نُميّز بينهُمَا ونضمن التديّن الحَقّ، وأن تديّننا واعيًا لا تقليديًا؟ عقلانيًا لا زائِفًا؟ أخلاقيًا لا شكليًا؟، وهي صفات التديّن الحَقّ. كيف نُميّز بينهُمَا؟ وهُنَا تلعب الفلسفة دورًا مُهِمًّا عندما تُلاحِقُ مناشئ الوعي بأسئلتها وتوغّلها في أعماقه بحثًا عن المبادئ التي قام عليها. فهي تُمارس النقد على تِلك الظواهر لتحرّي حقيقتها كي تقي التديّن هَشَاشَة الوعي، والتفريط بجوهر التديّن لصالح المشاعر الطقوسية. تمنعُ الفلسفة تحوّل التديّن إلى عَمَل تقليدي، شكلي، يفتقر للمعنى والهدف والرسالة، وتحفظ مقاصد الدين من الانحراف وتقوم مَسَارات الوعي الديني. تُشَكِّلُ الفلسفة حماية للدين من التوظيف الإيديولوجي، ومن ثَمّ استغفال التديّن التقليدي البَسيط. من جهة أخرى، التديّن الحَقّ سُلوك أخلاقي قبل أن يكون طقسًا تقليديًا ساذجًا، بيد أنه يستدعي الفلسفة باعتبارها نَشَاطًا عقليًا لتحاشي الطُقوسية والطاعة العمياء من خِلال بيان المفاهيم كالعدالة، معنى الخير والشر، معنى الكرامة الإنسانية، قيمة التديّن كمُمَارسة أخلاقية، لا مُجَرّد طقس يُدمن عليه المُؤمنون.
س6- د. شهرزاد حمدي: ما وجه العلاقة بين مفاهيم: التوحيد، عدم الشِرك والاتّصال الروحي المُباشر، ومفاهيم: نقد الوصاية، تفعيل دور الإنسان بَعيدًا عن سُلطة الوسَاطة؟ وهل في ذلك لونٌ من ألوان تشابُك العلاقة بين الفلسفة والدين؟
ج6: ماجد الغرباوي: قد تبدو العلاقة فيمَا بينها بَسيطة، مفهومة، بيد أن تقديم فهمٍ عقدِيٍّ مُغاير لمألوف المفاهيم المُتداولة، سيكشف عن علاقة ترقى لمُستوى العلاقة بين الدين والفلسفة من حيث الأهداف والمآلات.
التوحيد وِفقًا للتعريف العقدي المُتداول لَدَى جَميع الفِرق والمَذاهب الإسلامية: "هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والإيمان بوحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله دون شريك أو ند"، فيشمُل (توحيد الألوهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات). وهذا التعريف قاصر عن فهم عُمق العلاقة. التوحيد ليسَ قضية لاهوتية فحسب، بل هو مبدأ أنطولوجي وأخلاقي ومعرفي في آنٍ واحد. فـ"لا إله إلا الله" لا تنفي فقط تعدّد الآلهة، بل تنفي كلّ مرجعية مُطلقة سِوَى الله. وتُؤسِّسُ لتحرير الذات من جَميع أشكال العُبوديات وعدم الامتثال بدون حَقٍ لغيره، لضَمَان كرامة الإنسان وعدم سلبه حُرّيته وإرادته، التي هي جوهر إنسانيته. فالتوحيد بالمعنى الجَديد يعني: "التحرّر من جَميع العبوديات عَدَا الله / المُطلق"، مادام الخضوع لا يكون إلا له. وما فتئت تداعياته خَطيرة على حرية الفرد وكرامته. وبالتالي التوحيد حَصَانَة من عبادة غير الله، مَهْمَا كانت قُدسية تلك الجهات.
ويُقصد بالشرك: إشراك غير الله في الإلوهية، والبراءة التامة من عبادة غيره، سواء كانت آلهة بشرية أو سُلطة أو هوى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) سورة الجاثية، الآية: 23. ويَتَرتّب عليه نفي مُطلق الوَسَاطة بين الإنسان وخالقه، فيدعوه مُخلصًا، وينفتح عليه دون شفيع. فَلاَ قداسة لغيره، ولا سُلطة فوقيه فوق سُلطته وإرادته الإلهية العادلة.
بهذا نفهم: عندمَا يُقَرّر الدين مبدأ الاتصال المُباشر بالله فسيكون الدُعاء بِلاَ وَسَاطَة كهنوتية. وتوبة بِلاَ احتكار مُؤسسي، أو وَسَاطَة بشرية (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) سورة ق، الآية: 16. وستكون حينئذٍ المسؤولية فردية أمام الله، فهو يُؤسس لكرامة الذات واستقلالها الروحي. وهذا يختلف عن أنماط دينية عرفتها حضارات أخرى ومازالت؛ حيث كان الاتصال بالمُقدّس يَمُرُّ حصرًا عبر مؤسسة كهنوتية، كمَا كان الحال تاريخيًا في الكنيسة الكاثوليكية قبل الإصلاح الديني. وكمَا نُشاهده اليوم، التوسّل بغير الله، وطلب الشفاعة من غيره، رُغم أنها محصورة بالله (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) سورة الزمر، الآية: 44. وبالتالي الاتصال المُباشر بالله يستدعي تحمّل المسؤولية من جهة، واتخاذ الموقف الصَحيح في علاقته مع الله تعالى من جهة ثانية، فيكون العقل جُزءًا من التكليف لا نَقيضًا له. وبالفعل العبادة، كمَا يُشير الفُقهاء مشروطة بالعقل والقُدرة أو تكون سَاقِطَة عن المُكلف. وهُنَا يلتقي الدين بالفلسفة. ويكفي تصفّح القرآن للوقوف على عدد الآيات التي تدعو للعقل والتفكّر، وتطالب الإنسان بتحمّل المسؤولية في أفعاله وسُلوكه.
لكن هل يَصْدُق مفهوم التشابُك بهذا القدر من العلاقة بين الدين والفلسفة؟ نعم، بوصفه الاشتراك بهمٍّ واحدٍ: فَكَمَا يدعو الدين إلى تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، تدعو الفلسفة لتحرير العقل من أوهام الحقيقة.
يضع الدين المسؤولية على الفرد وحده، وينتقد جَميع أشكال الوصاية تحت أيّ عنوان. وتدعو الفلسفة للاستقلال بالتفكير، وترفُض جَميع أشكال القيود المفروضة على العقل.
تنقد الفلسفة التأليه الرمزي للسُلطة. ويرفُض الدين الشرك مُطلق الشرك. يُطالب الدين الفرد بالاتصال المُباشر بالمُطلق، وتُطالبه الفلسفة بالبحث عن الحقيقة.
إذن التوحيد في أفُقه الحضاري، يُؤسِّس لبنية عقلانية نقدية، ترفُض الوصاية على العقل. فالدين والفلسفة يتشابكان في مشروع تحرير الإنسان.
***
حاورته: د. شهرزاد حمدي