في الغرب الحديث يُعتبر، "الدليل العلمي" هو المعيار الذهبي للفصل بين الحقيقة والزيف. الاعتقاد السائد حاليا هو انك اذا لم يكن لديك دليلا علميا حول شيء ما، فهو غير موجود او انه مجرد رأي ذاتي. هذه الرؤية تُعرف بـ "العلموية" scientism، التي تؤكد على ان "العلم" هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الحقيقة. لكن هناك عدة حقائق حول العالم تقع خارج ميدان العلم. فمثلا:
1- الحقائق الفلسفية (مثل قوانين المنطق)
2-الحقائق الأخلاقية (مثل القتل عمل شرير)
3- الحقائق التاريخية (كولومبس أبحر عام 1492 لكي يكتشف طريقا بحريا الى آسيا)،
4- الحقائق الجمالية (منظر الغروب جميل).
لذا عندما نأتي لإعطاء سبب للايمان بوجود الله مثلا، لا نحتاج لتقييد أنفسنا بالدليل العلمي. يمكننا اللجوء، مثلا، الى وجود أخلاق موضوعية (كما فعل C.S.Lewis في المسيحية المجردة)، او للتجربة الدينية، او قيامة يسوع من بين الأموات. مع ذلك، وكما يشير الباحث Christopher L. Reeseon(1) هناك دليل علمي قوي يشير الى وجود الخالق، سوف نناقش الان نوعين من هذا الدليل.
في الإشارة الى مصطلح دليل proof، يعرّف معجم مريم ويبستر الدليل بـ "قبول مفروض بواسطة العقل لحقيقة او فكرة". هذا هو المعنى اليومي للدليل، بمعنى إظهار شيء ما بلا ادنى شك. من المهم ملاحظة ان العلم هو غير قادر على إعطاء هذا المستوى من الثقة. وكما جادل الفيلسوف الشهير كارل بوبر، ان النظريات العلمية لا يمكن في نهاية المطاف اثباتها او تأكيدها لأن ملاحظات ونظريات أخرى سوف تبرز لاحقا توضح الظاهرة بشكل أفضل. وهكذا، يعترف معظم العلماء البارزون اليوم بان التوضيحات العلمية هي دائما مؤقتة وربما تُعدّل او تُستبدل في المستقبل.
في ميدان العلم لابد من الانتباه الى اننا دائما نتعامل مع احتمالات بدلا من دليل. جزء من الدليل العلمي يمكن ان يشير الى وجود الله، ويجعله اكثر احتمالا، لكن الدليل العلمي لا يستطيع بشكل قاطع بيان ان الله موجود. انه ببساطة خارج اختصاص العلم في ان يعطينا دليلا محددا حول أي شيء. لذا فان الدليل الذي سوف نناقشه أدناه يعطي أسبابا قوية وجيدة للاعتقاد بان الله موجود، لكنه لا يستطيع إثبات وجود الله بشكل قاطع. العلم غير قادر للوصول الى تلك العتبة العالية.
وجود الكون
التفسير المقبول على نطاق واسع لكيفية مجيء الكون الى الوجود هو نموذج الانفجار العظيم Big Bang. استنادا الى مختلف الملاحظات العلمية، استنتج الفيزيائيون ان الكون خرج الى الوجود من لا شيء قبل حوالي 14 بليون سنة. السؤال المباشر الأكثر إلحاحا الذي يأتي الى الذهن في ضوء هذا التفسير هو : منْ وما الذي سبّب الانفجار العظيم؟ ان النموذج السائد والهام يؤمن ان كل المكان والمادة والطاقة والزمن جاؤوا فجأة مع الانفجار العظيم الى الوجود من لا شيء. هذا يعني ان ما تسبب في حدوث الانفجار العظيم يقع خارج نطاق الزمان والمكان، وهو غير مادي، وذو قوة لا تُصدق. بالطبع، هذا وصف ممتاز للعديد من صفات الإله. منْ غير الإله كان بإمكانه ان يخلق الكون؟
بعض العلماء اقترحوا سيناريوهات اخرى تبدو صُممت لتجنب البداية المطلقة للكون، لكن لا احد منها كان مقنعا بما يكفي لإستبدال النموذج السائد. وبينما النظريات العلمية، كما لاحظنا، هي دائما عرضة للتغيير، فان الانفجار العظيم كما يُفهم يبدو انه يشير الى وجود الله.
الضبط الدقيق للكون
رغم حقيقة ان الكون الموجود دائما هو رائع، فان مظهرا آخرا لافتا للكون هو انه صُمم لوجود الحياة. بعض الأمثلة تتضمن التالي:
1- قوة الجاذبية: ان قوة الجاذبية تُصمم بواسطة ثابت الجاذبية gravitational constant. اذا كانت الجاذبية أقوى بدرجة كبيرة، فان النجوم ستحترق بسرعة اكبر تاركة القليل من الزمن لتطوير الحياة. ومن جهة أخرى، اذا كانت الجاذبية أضعف بكثير، فان النجوم قد لا تتشكل ابدا، بما يمنع خلق العناصر الأساسية للحياة.
2- الثابت الكوني: هذا الثابت يتعلق بسرعة توسّع الكون. اذا كان اكبر قليلا، فان الكون سيتوسع بسرعة عالية لتتشكل المجرات والنجوم. وبالعكس، اذا كان أصغر، فان الكون ربما ينهار على ذاته قبل ان تكون هناك فرصة لنشوء الحياة.
3- القوة النووية:
هذه القوة تحافظ على تماسك البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة. اذا كانت أضعف قليلا، فان البروتينات والنيوترينات سوف لن تتماسك مع بعضها، بما يجعل من المستحيل صنع ذرات معقدة. بدون ذرات معقدة، سوف لن يوجد التنوع الكيميائي الضروري للحياة. اذا كانت تلك القوة أقوى، فان البروتينات قد ترتبط مع بعضها بسهولة اكبر، الامر الذي يقود الى وجود كون بدون هايدروجين مستقر، وهو العنصر الأساسي للحياة.
4- حجم وبُعد الأرض من الشمس:
ان موقع الأرض في النظام الشمسي هو في ما يسميه العلماء منطقة غولديلوكس Goldilocks Zone او المنطقة الملائمة، حيث تكون ليست حارة جدا ولا باردة جدا، تسمح بوجود الماء السائل على سطحها. حجم الأرض أيضا يضمن ان تكون لها جاذبية ملائمة للاحتفاظ بجو ملائم للحياة دون ان تكون قوية لدرجة تمنع حركة الكائنات الحية . أولئك الغير مطلعين على الدليل من الضبط الدقيق أحيانا يدّعون انه مفهوم يؤمن به فقط المسيحيون او الدينيون. لكن العلماء الذين لا يدّعون انتماءً دينيا او هم علناً لا ادريين او ملحدين، يعترفون بهذه الحقيقة حول الكون. فريد هويل Fred Hoyle، فيزيائي بارز ولا ادريا، أعلن ان "التفسير المنطقي للحقائق يقترح ان عقلا خارقا تلاعب بقوانين الفيزياء، بالإضافة الى الكيمياء والبايولوجي، وان لا وجود هناك لقوى عمياء في الطبيعة تستحق الذكر".
في كتابه تاريخ مختصر للزمن، كتب الفيزيائي الراحل ستيفن هاوكنك "الحقيقة المذهلة هي ان قيم هذه الأرقام تبدو كأنها مضبوطة بشكل دقيق جدا بحيث تجعل تطوير الحياة امراً ممكنا" مع انه رفض اعتبار ذلك تدخّلا إلهياً. الفيزيائي P.C.W Davies وهو أيضا غير منتمي دينيا، يصر بان "الكون بأسره يتوازن على حافة سكين، وستكون فوضى شاملة لو انحرف أي من "الثوابت" الطبيعية ولو قليلا".
ان الدقة الفائقة في ضبط العديد من الثوابت والقيم في الكون امر غير متوقع وغامض اذا كانت النظرية الطبيعية naturalism (2) صحيحة . لكن الامر يبدو منطقيا تماما اذا كانت المسيحية صحيحة، وكان الله قد أراد ان يخلق كائنات يمكنه إقامة علاقة معها. رغم الاعتراف بالطبيعة المؤقتة للعلم، هناك أسباب علمية جيدة للايمان بوجود الله، وان هذه الأسباب تصبح أقوى كلما تعلّمنا اكثر حول الكون.
***
حاتم حميد محسن
..................
الهوامش
(1) في مقال له في معهد سي.إس. لويس C.S. Lewis institute بتاريخ 1 أغسطس 2024.
(2) الطبيعية هي رؤية فلسفية تؤمن بان ما يوجد في الكون هو فقط القوانين الطبيعية والقوى والمادة الفيزيائية، وان كل شيء يمكن توضيحه من خلال العلم التجريبي دون أي تدخّل إلهي او خارق للطبيعة.








