Albert Camus: L'Homme révolté
المدخل: لم يكن ألبير كامو* مجرد روائيٍّ اهتم بمصائر شخصياتٍ منعزلة، ولا كاتباً استوقفته مفارقات الوجود الإنساني في لحظات انكساره؛ بل هو صاحب تجربةٍ فكريةٍ وأدبيةٍ جعلت من الوجود الإنساني تساؤلاً مفتوحاً يتمحور حول القلق، والعبث، والتمرد. ففي عالمٍ تتهاوى فيه اليقينيات الكبرى، وتتصدع فيه ركائز المعنى التي كان الإنسان يستند إليها في الماضي، يجد الفرد نفسه وجهاً لوجهٍ أمام سؤال الوجود: لماذا نعيش؟ وما الذي يضفي معنىً على الحياة؟ وهل بوسع الإنسان أن يواصل العيش في عالمٍ لا يقدم له أي تفسيرٍ نهائيٍّ حول مصيره؟
تكمن أهمية كامو في كونه لم يتناول هذه القضايا بوصفها مجرد تمارين فكرية تجريدية، بل كخبرات وجودية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالشرط الإنساني، وبمحدودية الإنسان ومصيره. فقد جعل من "العبث" مفتاحاً لفهم العلاقة المتوترة بين الإنسان والعالم، ومن "التمرد" إمكانيةً أخلاقيةً لمقاومة غياب المعنى والظلم في آنٍ معاً. وهكذا، يرتكز نهجه على تحول فلسفي جوهري: من اكتشاف العبث إلى ممارسة التمرد، ومن المواجهة مع صمت العالم إلى استعادة المسؤولية الإنسانية.
تتمحور إشكالية التفكير الفلسفي عند ألبير كامو حول مفارقة أساسية تتمثل في وجود إنسان يتوق بطبيعته إلى المعنى واليقين والخلود، في مقابل عالم يلتزم الصمت إزاء أسئلته الوجودية، ولا يمنحه أي ضمانة ميتافيزيقية لتبرير وجوده أو تفسير مصيره. ومن داخل هذه المسافة المتوترة بين الوعي الإنساني وصمت العالم يتبلور مفهوم العبث بوصفه تجربة وجودية تكشف هشاشة المعنى ومحدودية الإنسان، لكنها لا تقوده بالضرورة إلى العدمية أو الاستسلام، بل تفتح أمامه إمكاناً آخر قوامه الوعي والحرية والتمرد.
غير أن الرهان الفلسفي عند كامو لا يتوقف عند تشخيص العبث، وإنما يتجاوزه إلى مساءلة الكيفية التي يستطيع بها الإنسان أن يستعيد قيمته الأخلاقية داخل عالم يفتقر إلى المعنى المطلق. فإذا كان العبث يكشف مأزق الوجود الفردي، فهل يستطيع التمرد أن يؤسس أفقاً إنسانياً مشتركاً تتجاوز فيه الذات عزلتها نحو التضامن والمسؤولية؟ وكيف يمكن للإنسان أن يقاوم الظلم والعنف دون أن يعيد إنتاجهما باسم الثورة أو العدالة أو الخلاص التاريخي؟ وأين تتحدد الحدود الفاصلة بين الحرية بوصفها وعياً بالوجود، والحرية حين تتحول إلى إرادة للهيمنة والإلغاء؟
وعليه، يمكن صياغة الإشكالية المركزية للبحث على النحو الآتي:
كيف استطاع ألبير كامو الانتقال من تشخيص العبث بوصفه مفارقة وجودية ناشئة عن مواجهة الإنسان لصمت العالم، إلى تأسيس فلسفة للتمرد بوصفها أفقاً أخلاقياً للدفاع عن الحياة والحرية والكرامة الإنسانية؟ وإلى أي مدى يشكل هذا الانتقال محاولة لتجاوز العدمية دون السقوط في أوهام الخلاص المطلق؟
الفرضية المركزية للبحث:
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن فلسفة كامو لا تنحصر في إعلان عبثية الوجود، وإنما تتأسس على محاولة تحويل الوعي بالعبث إلى موقف أخلاقي من العالم؛ فالتمرد ليس نفياً للحياة، بل تأكيد لقيمتها، وليس مجرد رفض للواقع، بل دفاع عن حدود إنسانية مشتركة تمنع الحرية من التحول إلى تسلط، والثورة من الانحراف إلى تبرير العنف. ومن ثم، فإن الانتقال من العبث إلى التمرد يمثل انتقالاً من سؤال المعنى إلى سؤال المسؤولية، ومن عزلة الذات إلى أخلاق التضامن.
المنهج المتبع:
يمكن اعتماد المنهج التحليلي النقدي، مع الاستعانة بالمقاربة التأويلية، للكشف عن التحولات المفهومية في نصوص كامو، ولا سيما «أسطورة سيزيف» و«الإنسان المتمرد» و«الطاعون»، وبيان الصلة الفكرية والأخلاقية بين العبث والحرية والتمرد والتضامن.
1-1 العبث: انكشاف المسافة بين الإنسان والعالم
يحتل مفهوم العبث (L'absurde) موقعاً مركزياً في المشروع الفكري لألبير كامو، ولا يمكن فهم فلسفته بمعزل عن هذا المفهوم الذي يتجاوز دلالته اللغوية المباشرة ليصبح تشخيصاً لوضع الإنسان داخل العالم. فالعبث، في تصوره، لا يكمن في الإنسان وحده، ولا في العالم باعتباره واقعاً مادياً صامتاً، وإنما ينشأ من المواجهة بين رغبة الإنسان العميقة في الفهم والوضوح والمعنى، وبين عالم لا يستجيب بالضرورة لهذا التوق الإنساني.
الإنسان كائنٌ يتساءل، ويبحث، ويترقب، ويطالب الوجودَ بأن يكشف له عن غايته؛ غير أن العالم يظلُّ عصيّاً على تقديم إجابةٍ حاسمة. وهنا تكمن المفارقة العبثية: عقلٌ ينشد العقلانية في مواجهة وجودٍ لا يقدّم له سوى وقائعَ زائلة، ووعيٌ يتوق إلى الاستمرار، بينما يظلُّ الموتُ حقيقةً نهائيةً لا سبيل لتجاوزها. وعليه، فإن العبث ليس خاصيةً متأصلةً في الأشياء، بل هو علاقةٌ متوترةٌ بين الوعي البشري وصمتِ العالم.
في كتابه «أسطورة سيزيف» (Le Mythe de Sisyphe) الصادر سنة 1942، يضع كامو هذه الإشكالية في قلب السؤال الفلسفي عن قيمة الحياة. فهو يبدأ من مسألة الانتحار، لا باعتبارها موضوعاً نفسياً أو اجتماعياً فحسب، وإنما بوصفها اختباراً جذرياً لمدى قدرة الإنسان على الاستمرار في الوجود رغم غياب المعنى المتعالي. فإذا كان العالم لا يقدم تبريراً نهائياً للحياة، فهل يصبح الانسحاب منها حلاً معقولاً؟ أم أن مواجهة العبث تقتضي شكلاً آخر من أشكال الوعي والمقاومة؟1.
إن أهمية هذا السؤال تكمن في أن كامو لا يسمح للإنسان بأن يحتمي وراء الإجابات الميتافيزيقية الجاهزة، كما لا يدفعه إلى الاستسلام للعدم. إنه يريد تأسيس علاقة جديدة بالحياة، علاقة تقوم على الوعي بالمحدودية دون تحويلها إلى مبرر للانتحار أو اليأس. فالاعتراف بالعبث لا يعني إلغاء الحياة، بل يعني التحرر من الأوهام التي تجعل استمرارها مشروطاً بوجود معنى مطلق.
2-2 سيزيف: صورة الإنسان الذي يصنع حريته في قلب العبث.
يستدعي كامو أسطورة سيزيف الإغريقية ليجعل منها استعارة فلسفية مكثفة عن المصير الإنساني. فسيزيف، الذي حكمت عليه الآلهة بأن يدحرج صخرة ضخمة إلى قمة جبل، لتعود في كل مرة إلى السفح، يجسد صورة الإنسان الذي يكرر أفعاله داخل حركة لا تنتهي، ويواجه مصيراً لا يبدو أنه يتجه نحو غاية نهائية.
لكن العبقرية التأويلية عند كامو لا تكمن في تصوير العذاب وحده، وإنما في اكتشاف اللحظة التي يصبح فيها الوعي نفسه شكلاً من أشكال التحرر. فسيزيف لا يستطيع تغيير الحكم الصادر عليه، لكنه يستطيع أن يغير علاقته به. وحين يدرك عبثية مصيره، لا يعود مجرد ضحية لقوة خارجية، بل يصبح ذاتاً واعية بمأساتها، وقادرة على مواجهتها دون استسلام.
إن لحظة النزول من الجبل، حين يعود سيزيف لاستعادة صخرته، هي اللحظة الأكثر كثافة من الناحية الفلسفية؛ لأنها تمثل انكشاف الوعي أمام المصير. ففيها يدرك الإنسان وضعه دون أقنعة، ويواجه الحقيقة التي كان من الممكن أن تهزمه، لكنه يحولها إلى مناسبة لإثبات وجوده. ومن هنا تأتي العبارة الشهيرة التي يختم بها كامو كتابه: «ينبغي أن نتصور سيزيف سعيداً.»
لا تعني هذه السعادة إنكار المعاناة أو الاحتفاء بالألم، وإنما تعني أن الإنسان يستطيع أن ينتزع من مصيره مساحة من الحرية الداخلية، حتى عندما يعجز عن تغيير شروطه الموضوعية. فالسعادة هنا ليست امتلاكاً للمعنى النهائي، بل هي ممارسة للوعي والقبول الفاعل بالحياة. وبذلك تتحول أسطورة سيزيف إلى صورة أنطولوجية للإنسان الذي لا ينتظر خلاصاً من خارج وجوده، وإنما يصنع إمكانه في قلب التناقض نفسه.
3-3 الإنسان العبثي: الحرية خارج أوهام الخلاص
إذا كان العبث يكشف المسافة بين تطلعات الإنسان وصمت العالم، فإن الإنسان العبثي هو ذلك الذي يقرر أن يعيش داخل هذه المسافة دون أن يستعين بوهم ميتافيزيقي يلغيها. إنه الإنسان الذي يتخلى عن البحث عن ضمانات نهائية، لكنه لا يتخلى عن الحياة ذاتها.
وفي هذا السياق، يقدم كامو ثلاثة أبعاد أساسية لتجربة الإنسان العبثي: التمرد والحرية والشغف بالحياة. فالتمرد يعني رفض الاستسلام للعدم، والحرية تعني التحرر من الأوهام التي تقيد الوجود، أما الشغف فيتمثل في عيش التجربة الإنسانية بكثافتها وتعدد إمكاناتها.
إن الإنسان العبثي لا يقيس حياته بمقدار ما يحققه من وعود أخروية أو غايات متعالية، وإنما بمدى ما يعيشه من تجارب وما يمارسه من حضور واعٍ في العالم. ولهذا يستحضر كامو نماذج دون جوان والممثل والغازي، باعتبارها صوراً مختلفة للإنسان الذي يختبر تعدد التجارب الإنسانية دون أن يجعل حياته رهينة لمعنى نهائي.
غير أن هذه الحرية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إطلاقاً للرغبة أو تبريراً للأنانية، فكامو لا يؤسس فلسفة للامبالاة الأخلاقية، بل يبحث عن إمكان العيش دون خداع الذات. فالإنسان الذي يعي عبث وجوده مطالب بأن يكون أكثر مسؤولية عن اختياراته، لا أقل مسؤولية. وهنا تبدأ ملامح الانتقال من فلسفة العبث إلى فلسفة التمرد.
4-4 من العبث إلى التمرد: استعادة المعنى الإنساني
إذا كان «أسطورة سيزيف» قد جعل من العبث نقطة انطلاق لفهم الوضع الإنساني، فإن كتاب «الإنسان المتمرد» (L'Homme révolté) 2 الصادر سنة 1951، يمثل منعطفاً أساسياً في تجربة كامو الفكرية. ففي هذا العمل ينتقل من مساءلة مصير الفرد إلى مساءلة التاريخ والمجتمع والسياسة، ومن البحث عن كيفية العيش في عالم عبثي إلى البحث عن كيفية مقاومة الظلم دون الوقوع في عبث جديد.
يبدأ التمرد، عند كامو، من لحظة يقول فيها الإنسان: لا. غير أن هذه الـ«لا» ليست مجرد رفض سلبي أو اعتراض عابر، بل تتضمن في داخلها إعلاناً عن قيمة ينبغي الدفاع عنها. فالإنسان المتمرد لا يرفض الظلم لأنه يمس مصلحته الفردية فقط، وإنما لأنه يكتشف أن ثمة حدوداً لا يجوز تجاوزها في التعامل مع الإنسان.
ومن هنا يكتسب التمرد دلالة تتجاوز الاحتجاج الفردي؛ إذ يتحول إلى اكتشاف لقيمة مشتركة تجمع البشر. فالذي يتمرد على الإهانة والاضطهاد لا يدافع عن ذاته وحدها، بل يدافع ضمناً عن كرامة إنسانية تتجاوز حدود الفرد. ولذلك يمكن القول إن التمرد عند كامو يكتشف الإنسان في أفق المشاركة، لا في عزلة الوجود الفردي.
إن هذه النقلة ذات أهمية فلسفية عميقة؛ لأنها تجعل من التمرد جواباً أخلاقياً عن العبث. فإذا كان العالم لا يقدم معنى جاهزاً، فإن الإنسان يستطيع أن ينتج معنى نسبياً ومشتركاً من خلال مقاومة الظلم والدفاع عن الحياة. وهكذا لا يعود المعنى حقيقة ميتافيزيقية تنتظر الاكتشاف، بل يصبح قيمة تتأسس في الفعل الإنساني والتضامن والمسؤولية.
5-5 التمرد والثورة: حين تتحول الحرية إلى نقيضها
من أكثر القضايا عمقاً في فلسفة كامو تمييزه بين التمرد والثورة، وهو تمييز لا يقوم على رفض التغيير السياسي أو الاجتماعي، وإنما على مساءلة الحدود الأخلاقية التي ينبغي أن تضبط الفعل الثوري.
فالثورة، حين تنفصل عن قيمتها الإنسانية الأولى، قد تتحول إلى سلطة جديدة تعيد إنتاج العنف الذي قامت لمقاومته. وهنا تكمن المفارقة التي يريد كامو الكشف عنها: كيف يمكن لحركة تنطلق من الدفاع عن الإنسان أن تنتهي إلى التضحية به باسم المستقبل؟ وكيف تتحول العدالة، حين تصبح مطلقة ومؤجلة، إلى مبرر لممارسة الظلم في الحاضر؟
ينتقد كامو النزعات الثورية التي تبرر القتل والعنف باسم التاريخ أو الضرورة أو الخلاص النهائي. فليس من المقبول، في نظره، أن يصبح الإنسان وسيلة لتحقيق مشروع تاريخي، مهما كانت وعوده التحررية. إن المستقبل الذي يتطلب إلغاء الإنسان في الحاضر يفقد شرعيته الأخلاقية.
وفي هذا السياق، يضع كامو التمرد في مواجهة العدمية السياسية، لأن المتمرد الحقيقي لا يطالب بحرية مطلقة تسمح له بإلغاء الآخرين، وإنما يطالب بحرية تعترف بحدودها. فالتمرد الذي لا يعرف الحدود يتحول إلى إرادة للهيمنة، والعدالة التي لا تعترف بكرامة الإنسان تتحول إلى جهاز للاضطهاد.
ومن هنا تتضح إحدى أهم أفكار «الإنسان المتمرد»: ضرورة إقامة توازن بين العدالة والحرية، وبين الفعل السياسي والحدود الأخلاقية. فلا عدالة حقيقية دون حرية، ولا حرية إنسانية دون الاعتراف بحق الآخر في الوجود.
6-6 الطاعون: من عزلة العبث إلى أخلاق التضامن
إذا كانت شخصية سيزيف تمثل الإنسان الذي يواجه عبث مصيره الفردي، فإن رواية «الطاعون» (La Peste) 3الصادرة سنة 1947، تقدم صورة أكثر جماعية للوجود الإنساني. ففي مدينة وهران التي يحاصرها الوباء، يجد السكان أنفسهم أمام كارثة تكشف هشاشة الحياة وتضع العلاقات الإنسانية تحت اختبار قاسٍ.
لا يكتفي كامو بتصوير المرض باعتباره حدثاً بيولوجياً، بل يجعله استعارة متعددة الدلالات عن الشر والعنف والاحتلال والحرب، وعن كل قوة تحاصر الإنسان وتسلبه حقه في الحياة. فالطاعون لا يهدد الأجساد وحدها، وإنما يكشف أيضاً هشاشة الروابط الاجتماعية، ويختبر قدرة الإنسان على الخروج من أنانيته الفردية نحو التضامن.
وتتجسد هذه الفلسفة في شخصية الطبيب برنار ريو، الذي لا ينتظر انتصاراً نهائياً على المرض، ولا يدعي امتلاك خلاص مطلق للبشر، وإنما يواصل أداء واجبه لأن مقاومة الألم الإنساني تظل واجباً في ذاتها. إنه لا يحارب الطاعون لأنه يضمن القضاء عليه، بل لأنه يرفض أن يكون شاهداً سلبياً على معاناة الآخرين.
وهنا تتخذ فلسفة كامو بعداً أخلاقياً واضحاً: قد لا يستطيع الإنسان القضاء على الشر بصورة نهائية، لكنه يستطيع أن يرفض المشاركة فيه، وأن يقلل من آثاره، وأن يقف إلى جانب ضحاياه. فالمقاومة ليست دائماً انتصاراً حاسماً، بل قد تكون وفاءً يومياً للإنسان في مواجهة ما يهدد وجوده.
وبذلك تتحول رواية «الطاعون» إلى مختبر فلسفي للتضامن الإنساني، حيث لا يعود الآخر مجرد حضور خارجي، بل يصبح شرطاً لاكتمال المسؤولية الأخلاقية. فالإنسان لا ينجو وحده، ولا يكتشف إنسانيته إلا حين يخرج من حدود ذاته نحو آلام الآخرين.
7-7 الأخلاق والحدود: ضد العدمية وضد العنف المطلق
لا يمكن قراءة كامو باعتباره فيلسوفاً للعبث فقط؛ لأن مشروعه الفكري يتضمن محاولة جادة لتأسيس أخلاق إنسانية في عالم فقد يقينياته الكبرى. فالاعتراف بغياب المعنى المطلق لا يعني أن جميع الأفعال أصبحت متساوية، ولا أن الإنسان فقد قدرته على التمييز بين العدل والظلم، وإنما يعني أن المسؤولية الأخلاقية أصبحت أكثر إلحاحاً.
إن ما يميز كامو هو رفضه تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة تبريرية داخل المشاريع الأيديولوجية. فالإنسان ليس رقماً في معادلة التاريخ، وليس أداة يمكن التضحية بها باسم المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الحد (La mesure)، الذي يشكل إحدى الركائز الأخلاقية في تفكيره.
فالحد ليس انكفاءً عن الحرية، بل هو الشرط الذي يمنعها من التحول إلى تسلط. والتمرد الذي يبدأ بالدفاع عن الكرامة الإنسانية ينبغي أن يحتفظ بهذه القيمة في جميع مراحله، وإلا فقد مبرره الأخلاقي وتحول إلى نقيض ذاته.
ولعل هذا ما يجعل كامو مختلفاً عن بعض الفلسفات التي منحت التاريخ سلطة مطلقة في تحديد مصير الإنسان. إنه يعيد الاعتبار إلى الحاضر، وإلى الجسد، وإلى الحياة المحدودة، وإلى الحق في ألا يُقتل الإنسان باسم فكرة، مهما بدت سامية أو نبيلة.
8-8 كامو والوجودية: تقاطع لا تطابق.
كثيراً ما أُدرج ألبير كامو ضمن التيار الوجودي، وربط اسمه بأسماء مثل جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، غير أن هذا التصنيف يحتاج إلى شيء من التحفظ المنهجي. فعلى الرغم من وجود تقاطعات بينه وبين الوجودية، خصوصاً في الاهتمام بالحرية والاختيار والقلق والمسؤولية، فإن كامو لم يقبل اختزال تجربته الفلسفية في هذا الاتجاه.
فالفرق الأساسي يكمن في طبيعة السؤال الذي ينطلق منه كل مشروع. إذا كانت بعض الفلسفات الوجودية تجعل من الحرية والإمكان والاختيار مدخلاً لتفسير الوجود الإنساني، فإن كامو يجعل من المواجهة بين الوعي وصمت العالم نقطة انطلاقه. إنه لا يبحث عن تأسيس معنى للوجود من خلال مشروع فلسفي شامل، بل يحاول أن يفهم كيف يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة دون أن يخدع نفسه بإجابات لا يملك البرهنة عليها.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى كامو بوصفه تابعاً لسارتر أو امتداداً له، بل باعتباره صاحب مسار فكري مستقل، يلتقي مع الوجودية في بعض الأسئلة، لكنه يفترق عنها في طبيعة الإجابات والرهانات الأخلاقية. وقد كشفت الخلافات الفكرية والسياسية بين الرجلين، ولا سيما بعد صدور «الإنسان المتمرد»، عن اختلاف عميق في تصور العلاقة بين الفلسفة والتاريخ والعنف والثورة.
الخاتمة: الإنسان الذي يرفض الاستسلام للعالم
إن العودة إلى ألبير كامو اليوم ليست عودة إلى فيلسوف انشغل بعبث الوجود في منتصف القرن العشرين فحسب، وإنما هي عودة إلى سؤال الإنسان في عالم تتكاثر فيه أشكال العنف والاغتراب واللامبالاة. لقد أدرك كامو أن الإنسان لا يستطيع أن يضمن لنفسه معنى نهائياً، لكنه يستطيع أن يمنع غياب هذا المعنى من التحول إلى مبرر لإلغاء الحياة.
من هنا تتحدد القيمة الفلسفية لمشروعه في الانتقال من العبث إلى التمرد، ومن عزلة الفرد إلى التضامن، ومن اكتشاف صمت العالم إلى تأسيس مسؤولية إنسانية لا تستمد مشروعيتها من المطلقات، بل من الاعتراف المتبادل بكرامة البشر.
فالإنسان العبثي هو الذي يواجه العالم دون أوهام، والإنسان المتمرد هو الذي يرفض أن يجعل من هذا العالم ذريعة للاستسلام أو ممارسة الظلم. وبين هذين البعدين تتشكل فلسفة كامو بوصفها دفاعاً عن الحياة في مواجهة العدمية، وعن الحرية في مواجهة الاستبداد، وعن الإنسان في مواجهة كل مشروع يريد التضحية به باسم الحقيقة أو التاريخ أو المستقبل.
ولعل المفارقة الأعمق في تجربته أن الإنسان لا يحتاج إلى امتلاك إجابة نهائية عن معنى الحياة حتى يكون جديراً بها؛ إذ يكفيه أن يدرك هشاشتها لكي يدافع عنها، وأن يعي محدوديتها لكي يرفض إهانتها، وأن يعرف عبث العالم لكي لا يصبح هو نفسه أداة لإنتاج العبث.
إن كامو لا يمنحنا فلسفة للخلاص، بل يضعنا أمام أخلاق المقاومة؛ مقاومة الموت حين يتحول إلى سياسة، ومقاومة الظلم حين يتخفى وراء العدالة، ومقاومة العدمية حين تتخذ من غياب المعنى ذريعة لإلغاء الإنسان.
وهكذا، ليس الإنسان المتمرد من ينتصر على العالم بالضرورة، وإنما من يرفض أن يخسر إنسانيته في أثناء مواجهته له.
***
بقلم: الدكتور معروفي العيد
.........................
الهوامش والمراجع:
*ألبير كامو (Albert Camus) (7 نوفمبر 1913 -4 يناير 1960) فيلسوف عبثي وكاتب مسرحي وروائي فرنسي. ولد في قرية الذرعان التي تعرف أيضاً ببلدة مندوفى بمدينة الطارف في أقصى شرق الجزائر، في بيئة شديدة الفقر من أب فرنسي يدعى لوسيان كامو، قُتل والده بعد مولده بعام واحد في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى، ومن أم إسبانية مصابة بالصمم. حاز على جائزة نوبل في الأداب عام 1957 عن عمر يناهز 44 عاماً. ليصبح ثاني أصغر فائز بها في التاريخ.
من أبرز أعماله: أسطورة سيزيف Le Mythe de Sisyphe الصادرة عن دار غاليمار سنــة 1942. وكتاب الغريب L’Étranger الصادر عن الدار غاليمار أيضاً وبنفس السنة. والإنسان المتمرد L'Homme révolté الصادر عن دار غاليمار بسنة 1951.
أولاً: المراجع العربية:
1- ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة أنيس زكي حسين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى، 1970. يُراجع خصوصاً قسم «الإنسان العبثي» وقسم «أسطورة سيزيف». ويُراجع أيضاً Albert Camus, Le Mythe de Sisyphe. Essai sur l'absurde, Paris, Gallimard, 1942. Folio Essais، n° 11, Gallimard, 1994.
2- ألبير كامو، الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983. يُراجع: «الإنسان المتمرد» و«التمرد الميتافيزيقي» و«التمرد التاريخي». وبالفرنسيــة أيضاً: Albert Camus, L'Homme révolté, Paris, Gallimard, 1951.
3- ألبير كامو، الطاعون، ترجمة سهيل إدريس، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، وراجع أيضاً:1981. Albert Camus, La Peste, Paris, Gallimard, 1947.








