عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

خليل الحمداني: أركيولوجيا السؤال

كيف تحوّل «سؤال النهوض والانحطاط» إلى عقدة «لماذا تقدّم الآخرون وتأخرنا؟»

مقدمة: في بنيوية السؤال وأصوله

إن سؤال «لماذا تقدّم الآخرون ولم نتقدّم نحن؟» بهذه الصياغة العربية الحديثة ليس مقولة أزلية ظهرت في كل الحضارات على نحو متطابق، ولا يمكن نسبته إلى صائغ واحد أو محطة تاريخية منفردة. إنه سؤال ينتمي في أصله الفلسفي والاجتماعي إلى عائلة قديمة وممتدة من الأسئلة الكبرى: لماذا تنهض جماعة بشرية وتهبط أخرى؟ ما الذي يمنح دولة ما مقومات القوة والتمكين ثم يوردها موارد الضعف والاضمحلال؟ ولماذا يتشكل مجتمعٌ ما في لحظة تاريخية فارقة كنموذج يُمثّل المعيار والأمل والمثال لمجتمعات أخرى؟

الجديد والحاسم في الصيغة الحديثة لهذا السؤال ليس مجرد البحث عن أسباب التماسك أو الفساد الداخلي، بل هو قياس "الحاضر" الذاتي على نموذج "الآخر" وفق معيار أحادي الجانب تقريبًا: القوة العسكرية، والتقدم العلمي، والتصنيع المكثف، وتراكم الثروة، وفاعلية مؤسسات الدولة، وتنظيم التعليم.

من هنا، فإن فهم المقصد الحقيقي لهذا السؤال يتطلب منا ملاحقة تحوّله التاريخي والبنيوي، بدلاً من التفتيش العقيم عن أول استعمال حرفي له في المخطوطات والكتب.

1. قبل «التقدم»: فلسفة الدورات وسؤال الصعود والانحطاط

في أقدم الصيغ الفكرية المعروفة لدى الحضارات القديمة، لم يكن العالم يُرتّب وفق خط زمني صاعد أو مستقيم يبدأ من نقطة «التخلف» وينتهي عند «الحداثة والتقدم». كان التفكير الإنساني أقرب إلى اعتماد فكرة الدورات المتعاقبة (Cyclical History): عصر ذهبي مثالي يعقبه تدهور وفساد، أو دولة تنشأ فتية وتزدهر، ثم تصاب بالشيخوخة وتنهار.

 في الفكر اليوناني والروماني: صوّر الشاعر الإغريقي هسيود في حديثه عن «أعمار البشر» انتقالاً تنكسياً من عصر ذهبي أول إلى عصور أدنى تدريجياً. وعند المؤرخ الروماني بوليبيوس الذي حاول تفسير صعود الإمبراطورية الرومانية تتحرك أنظمة الحكم في دورة مقدرة تتعاقب فيها الملكية الاستبدادية، ثم الأرستقراطية فالأوليغارشية، ثم الديمقراطية التي تتحول إلى حكم الغوغاء (Ochlocracy)، لتبدأ الدورة من جديد. بوليبيوس لم يكن يسأل: «لماذا تقدمت أمة حديثة على أمة متخلفة؟»، بل كان يتأمل في أسباب نجاح الدولة الإداري والعسكري، وعوامل فساد مؤسساتها من الداخل، معتبراً أن «طبيعة الدستور» والمؤسسات السياسية هي المفتاح الرصين لفهم نجاح روما وتوقع انحدارها لاحقاً. (1)

 في الفكر الصيني القديم: تطور تصور شبيه عُرف بـ «دورة السلالات» (Dynastic Cycle). تبدأ الدورة بتوحيد واستقرار وتفويض إلهي (أمdictate of Heaven)، يليه نمو وتراكم سكاني يولد ضغطاً على الموارد وضبابية في الإدارة وتفشياً للفساد، مما يفجر الاضطرابات والانقسامات، إلى أن تظهر سلالة جديدة تعيد ضبط الميزان. وقد أثبتت الدراسات التاريخية والكمية الحديثة أن هذه الدورة لم تكن مجرد أسطورة سياسية؛ بل حاول باحثون نمذجة هذا التناوب التاريخي بين الوحدة والاضطراب، وربطه بديناميات السكان، الموارد، والتضامن الاجتماعي، مع التأكيد المستمر على أن النماذج الرياضية لا تستوعب تعقيد التاريخ كله .(2)

الخلاصة المنهجية لهذه المرحلة: كان السؤال القديم يتمحور حول: ما الذي يجعل الدولة قوية أو ضعيفة في ذاتها؟ ولم يكن منطق الجواب يستند إلى فرض تفوق ثري أو حضاري دائم لشعب بعينه على باقي الشعوب.

2. ابن خلدون: التأسيس لـ «علم العمران» وآليات العصبية

يمثل العلامة ابن خلدون (في القرن الرابع عشر الميلادي) لحظة فارقة وجوهرية في تاريخ التفكير الاجتماعي والسياسي. ففي «مقدمته» الشهيرة التي أنجزها عام 1377م، سعى إلى تأسيس «علم العمران البشري» كأداة نقدية تميز الخبر التاريخي المعقول من المستحيل، معالجاً بالتحليل آليات الاقتصاد، والسياسة، والعمران، والتعليم، وتشكل الجماعات (3)

تبدأ الحكاية حيث البداوة والخشونة؛ حيث يرزح الإنسان تحت قساوة العيش والبيئة، مما يولّد في أعماقه رابطة صلبة من التضامن، والتعاضد، والقدرة الفائقة على التضحية، وهي التي أسماها ابن خلدون بـ «العصبية القوية». هذه الروح الجماعية المتماسكة لا تقف عند حدود البقاء، بل تدفع بالجماعة نحو التغلب وتأسيس الدولة، حيث تُنتزع السلطة، وتستتب دعائم المُلك الجديد.

وما إن يرسخ الملك وتستقر الدولة، حتى تنتقل الجماعة تدريجياً من حيز الخشونة إلى رحاب الاستقرار والحضارة، وتزدهر العمران، وتتراكم الثروات، وتتعدد أساليب الترف والرفاهية. غير أن هذا الترف ذاته يحمل في طياته بذور الفناء؛ إذ ينغمس الجيل الجديد في النعيم، وتتفكك عرى التعاضد القديم، وتضعف الروابط المشتركة لصالح الفردية والاعتماد على المرتزقة والأموال بدلاً من حمية الجماعة. وبسبب هذا الضعف في العصبية وطغيان الترف، تتسلل الشيخوخة إلى مفاصل الكيان السياسي، لتنتهي الرح حتماً إلى محطة الانحطاط والغروب، مفسحة المجال لدورة جديدة تبدأ من جديد.

شكل مفهوم «العصبية» الركيزة المركزية في أطروحة ابن خلدون؛ وهي تعبر عن التضامن الاجتماعي، والتآزر، والقدرة على التعاون والتضحية داخل الجماعة.

1. مرحلة الصعود: بفضل «العصبية» والقوة الرادعة في البداوة، تتمكن الجماعة من الغلبة وتأسيس الدولة.

2. مرحلة التحول: يولد الاستقرار والدولة حالة من «التفنن في الترف» وتراكم الثروة.

3. مرحلة الانحدار: يؤدي الترف والاستبداد إلى انحلال العصبية، وتحول الحاكم إلى الاستعانة بالمرتزقة والمال بدلاً من المشاركة الجماعية، مما يجعل الدولة فريسة سهلة لجماعة جديدة تمتلك عصبية أشد وأقوى.

أهمية ابن خلدون تكمن في أنه لم يفسر التراجع والهبوط بعيب عرقي جيني، ولا بجوهر ديني ثابت، بل أرجعه إلى آليات اجتماعية وسياسية واقتصادية قابلة للتحليل. ومع ذلك، لم يكن ابن خلدون صاحب «نظرية تقدم خطي» بالمفهوم الحديث؛ فالقانون الحاكم للتاريخ عنده هو دورة عمرانية تخضع لأعمار طبيعية تشبه أعمار الكائنات الحية.

إن القراءات المعاصرة التي استعادت لغة ابن خلدون انتزعت تحليلاته العميقة للمؤسسات والتماسك الاجتماعي من إطارها الدوري الأصلي، ونقلتها إلى إطار جديد كلياً: إطار المقارنة التنافسية بين أمم متزامنة.

3. من القرن السادس عشر إلى القرن  الثامن عشر: صياغة المقياس الأوروبي للعالم

مع اتساع حركة الكشوف الجغرافية والتجارة البحرية وتمدد الاستعمار الأوروبي المبكر، بدأت أوروبا تصوغ أدبيات وصفيّة جديدة لنفسها وللآخرين عبر ثنائيات قطبية:

 «مدني» مقابل «غير مدني»

 «متقدم» مقابل «بدائي»

 «حديث» مقابل «تقليدي»

خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، صيغت فلسفات التاريخ الأوروبية (لدى مفكرين مثل تورغو، وكوندورسيه، وآدام سميث) لتصور التاريخ البشري كخط صاعد يتدرج عبر مراحل محددة: الصيد ◄ الرعي ◄ الزراعة ◄ التجارة والصناعة.

أحدث هذا التحول المفاهيمي أثراً مزدوجاً بالغي الأهمية:

- الأثر الإيجابي: فتح الباب لدراسة الاقتصاد والمؤسسات وأنظمة التعليم كعوامل بشرية موضوعية قابلة للإصلاح والتغيير.

- الأثر السلبي الإيديولوجي: حوّل التجربة الأوروبية الخاصة إلى مسطرة قياس عالمية يقيّم من خلالها مدى إنسانية وحضارية المجتمعات الأخرى.

وهنا بدأت الصيغة الجنينية لسؤالنا الحديث تتبلور: إذا كان التاريخ يسير وفق مرحلة تطورية عليا واحدة، فلماذا بلغت أوروبا هذه المرحلة بينما عجزت الشعوب الأخرى؟

- تنبيه تاريخي ممتد («التباعد الكبير»):

- يحذر المؤرخون المعاصرون من السقوط في أسطورة "التفوق الأوروبي الأزلي". تفيد الدراسات المقارنة للاقتصاد العالمي (مثل أطروحة المؤرخ كينيث بومرانز) بأن الفارق الاقتصادي والمعيشي الحاسم بين أوروبا الغربية (وإنجلترا تحديداً) والمناطق الآسيوية المتقدمة (مثل دلتا اليانغتسي في الصين) لم يكن شاسعاً أو حاسماً قبل القرن الثامن عشر. يعود تفسير «التباعد الكبير» (The Great Divergence) إلى صدف جغرافية وبنيوية، كتوفر الفحم الحجري بالقرب من المراكز الصناعية، والوصول المباشر لموارد المزارع والاستعمار في الأمريكتين، مما مكّن أوروبا من تجاوز الحدود البيئية والمواردية الكلاسيكية (4)

4. القرن التاسع عشر: الانعطاف الأكبر وسؤال اللحاق بالمتبوع

شهد القرن التاسع عشر التحول الأكثر دراماتيكية؛ حيث تصادمت الإمبراطوريات والمجتمعات الآسيوية والإسلامية مع تفوق عسكري وتقني وصناعي أوروبي كاسح. لم يعد السؤال مجرد تأمل فكري في سقوط سلالة أو تداعي دولة، بل تجسد في أزمة وجودية وسياسية مباشرة: جيوش أجنبية تغزو، معاهدات جائرة، فقدان للسيادة، ديون متراكمة، وتدخل استعماري مباشر.

في الدولة العثمانية، وفي إيالاتها ومحيطها كـ (تونس ومصر)، صدمت النخب الحاكمة والمفكرة بالواقع، وتحول السؤال إلى صيغة عملية إجرائية: ما هي المؤسسات والتنظيمات التي مكنت الغرب من حيازة هذه القوة؟ هل هو التنظيم العسكري؟ التعليم الحديث؟ الدستور والقانون؟ الطباعة؟ أم الإدارة والضرائب؟

مساران في مواجهة التحدي: بين إصلاح الدولة ومشروع النهضة الشامل

في خضم التدافع الحضاري والضغط الغربي خلال القرن التاسع عشر، تبلور اتجاهان رئيسيان في الفكر العربي والإسلامي للتعامل مع سؤال النهوض والتقدم: الأول تمثّل في التجربة الإصلاحية لخير الدين التونسي، والثاني تجسّد في المشروع الفكري الشامل لعصر النهضة العربية.

وقد تجلى هذا التباين، أولاً، في طبيعة السؤال الموجه؛ حيث انصب اهتمام خير الدين التونسي على البعد السياسي والإداري المباشر، متسائلاً: «كيف نصلح مؤسسات الدولة ونستعيد قدرتها على الفعل والسيادة المفقودة؟». في حين اتسع هَمُّ رواد عصر النهضة ليمس المسألة الحضارية برمتها، باحثين عن الإجابة عن التحدي الوجودي: «كيف نقتبس أدوات العصر الحديث ونستفيد منها دون التفريط في الهوية الثقافية والأصالة؟».

وانعكس هذا الاختلاف بالضرورة على الآليات والوسائل المقترحة؛ فبينما ركز خير الدين التونسي على إصلاح هيكل الحكم (5)عبر إرساء الشورى والحكم التمثيلي، وتحقيق المصلحة العامة، وتأكيد التوازن بين السلطات لدرء الاستبداد، ذهب مشروع النهضة إلى التغيير المجتمعي والفلسفي الشامل؛ متخذاً من إصلاح منظومة التعليم، وتجديد اللغة العربية لتواكب العلوم الحديثة، وتحرير المرأة، وتعديل القوانين والتشريعات رافعة أساسية لبناء المجتمع الحديث.(6)

أما على مستوى الموقف من الآخر الغربي، فقد اتسم كلاهما بالواقعية والوعي المتفتح، وإن اختلفت زوايا المعالجة. رأى خير الدين التونسي أن اقتباس التنظيمات الإدارية والسياسية النافعة من الغرب لا ينافي الشريعة الإسلامية بل يتكامل مع مقاصدها في العدل والعمران. وعلى الجانب الآخر، وضع رواد النهضة صيغة لـ التفاعل النقدي الواعي مع الحداثة الأوروبية؛ استهدافاً للأخذ بأسباب القوة والعلم مع الحفاظ على الاستقلال التام والسيادة الوطنية والخصوصية الحضارية.

وقد جسّد خير الدين التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» نموذجاً رائداً للإصلاح؛ حيث لم يرَ في الاقتباس المؤسسي من أوروبا خيانة للذات، بل حاول تأصيل هذه المفاهيم بربط المؤسسات البرلمانية بمفهوم «الشورى»، والمصلحة العامة بالمقاصد الشرعية (5)

5. النموذج الياباني: تحويل السؤال إلى برنامج دولة صارم

تقدم اليابان خلال «إعادة اصلاح ميجي» (Meiji Restoration) النتيجة الأكثر إبهاراً لتشغيل هذا السؤال وتحويله إلى خطة عمل قومية. فعقب صدمة «السفن السوداء» الأمريكية عام 1853 والضغط الغربي لفتح الموانئ، أدرك اليابانيون أن الاستقلال المقترن بالانغلاق لم يعد ممكناً.

ارتبطت هذه اللحظة بالرواد الفكريين أمثال فوكوزاوا يوكيتشي (Fukuzawa Yukichi)، أحد أبرز دعاة «الحضارة والتنوير». تظهر مذكراته الانتقال السريع من الدهشة الشديدة أمام التكنولوجيا الغربية إلى تفكيكها ونقلها؛ حيث يروي كيف تعلم اليابانيون فنون الملاحة البخارية من الهولنديين، وفي غضون سنوات قليلة استطاعوا قيادة سفينة يابانية عبر المحيط الهادئ بنجاح ودون الحاجة إلى خبراء أجانب (7)

ومع ذلك، حملت الإجابة اليابانية بذور معضلة أخلاقية وسياسية جديدة. ففي مقالته الشهيرة «الخروج من آسيا» (DatsuA Ron) عام 1885، دعا فوكوزاوا اليابان إلى التخلي عن جوارها الآسيوي "الجامد" والالتحاق بركاب الدول الغربية "المتحضرة" (8). وبذلك، تحول السؤال من أداة للتحرر والتعلم إلى مسوغ لبناء قوة إمبراطورية يابانية مارست التوسع والهيمنة على جيرانها.

6. شكيب أرسلان والصياغة العربية الأشد تأثيراً

في عام 1930م، بلغت الصيغة العربية ذروة وانتشارها الجماهيري بعنونة الأمير شكيب أرسلان لكتابه الشهير: «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟». تحول السؤال هنا من استفسار إداري أو تقني محصور في نخب الحكم، إلى قضية رأي عام تمس وجدان المجتمعات الإسلامية.

عند تفكيك أطروحة أرسلان، نجد أن جوابه لم يحمل الدين الإسلامي مسؤولية التخلف، بل أرجع العلة إلى المسلمين أنفسهم لخسارتهم القيم العملية التي أقام بها أسلافهم حضارتهم: العمل، الاجتهاد، التضحية، الانضباط، وحيازة أسباب القوة العلمية والتنظيمية (9)

تعدد الإجابات: خريطة المسارات نحو النهضة والتجاوز

أمام الأزمة الوجودية التي فرضها سؤال التخلف والتقدم، لم يقف الفكر العربي والإسلامي عند إجابة واحدة أحادية، بل تفرعت عنه إجابات متعددة ورؤى متباينة، حاول كل اتجاه من خلالها تقديم مخرجه الخاص وأطروحته للنهوض والتجاوز.

- تجديد الذات والأصالة: انطلق التيار الأول من حتمية الإصلاح الديني والفكري، معتبراً أن أصل الأزمة يكمن في الركود والانحراف عن مقاصد الدين الصافية، وأن العودة إلى الأصالة وتجديد الفكر هما الشرط الأساسي لاستعادة الفاعلية الحضارية.

- التمثل التقني والعلمي: بالتوازي مع ذلك، برز مسار يركز على الأخذ بالعلوم والتنظيمات الحديثة؛ مؤكداً أن الاقتباس التكنولوجي والإداري والاستفادة من المناهج العلمية المعاصرة هي الأدوات الإجرائية الكفيلة برجحان الكفة.

- السيادة والتحرر: وفي المقابل، رأى اتجاه آخر أن العائق الأكبر خارجي بالأساس، فركز على التحرر الوطني ونقد الاستعمار، معتبراً أن امتلاك الإرادة والسيادة الوطنية وتفكيك هيمنة القوى الأجنبية هو الخطوة الأولى والأهم قبل أي إصلاح داخلي.

- الإصلاح السياسي والمؤسسي: وعلى الصعيد السياسي، ارتفعت أصوات تدعو إلى الديمقراطية والتحديث السياسي؛ بجعل الحكم الرشيد، والمواطنة، ودولة القانون، وبناء المؤسسات التمثيلية الضمانة الحقيقية لحماية المجتمع وتحقيق تقدمه.

- البناء الاقتصادي والتنموي: وأخيراً، أطرت الرؤى التنموية الإجابة في قالب اقتصادي واجتماعي، متبنية الاشتراكية والتنمية المخططة؛ عبر توجيه موارد الدولة، وبناء القاعدة الصناعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية للتغلب على الفقر والفوارق الطبقية.

وهكذا، تشكلت خريطة الفكر المعاصر من تدافع هذه المسارات وتكاملها؛ حيث كانت كل إجابة تعيد تعريف "التقدم" وتحدد "السبب الرئيس" الذي أعاق تحققه من زاوية رؤيتها الخاصة.

تمثلت قوة جواب أرسلان في رفض التفسيرات العرقية أو القدرية، وتأكيده الاستطاعة الإنسانية على التغيير. أما حدوده التحليلية، فكمنت في تضخيم البعد الأخلاؤي والذاتي، على حساب التحليل البنيوي العميق لأثر الهيمنة الاستعمارية، والتفاوت في توزيع الثروات والموارد العالمية، واختلال موازين التجارة الدولية.

7. الاستعمار: من سؤال معرفي إلى أيديولوجيا هيمنة

لم يكن سؤال التقدم مطروحاً من قبل الشعوب الواقعة تحت الاستعمار فحسب، بل استعمله المستعمر الأوروبي كغطاء أيديولوجي وأداة سياسية. صيغ هذا السؤال في الأدبيات الاستعمارية تحت شعار «مهمة التمدين» (Civilizing Mission): «نحن متقدمون بحكم العلم والعقل، وأنتم متأخرون بحكم الجمود؛ لذا يحق لنا إدارتكم وتوجيهكم».

هذا التوظيف الأيديولوجي يخفي حقيقة أن التفوق الصناعي والعسكري الأوروبي لم يكن نتاج "عبقرية داخلية معزولة"، بل كان مرتبطاً أشد الارتباط بالشبكات الإمبراطورية العالمية، والتراكم المالي القائم على الاستغلال، والعمل القسري، ونهب الموارد، والسيطرة بالقوة المسلحة.

غير أن نقد الاستعمار لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغفال الاختلالات الذاتية؛ فالقراءة التاريخية الرصينة تتطلب المزاوجة الدقيقة بين نقد الهيمنة الاستعمارية الخارجية وتشخيص عيوب الإدارة والحكم والتعليم في الداخل.

8. ما بعد الحرب العالمية الثانية: اختزال «الحضارة» في «التنمية»

عقب موجات الاستقلال في القرن العشرين، انزاحت المصطلحات من «شعوب متحضرة ومتأخرة» إلى «دول نامية ودول متقدمة». وتبلورت في الخمسينيات والستينيات «نظريات التحديث» (Modernization Theories)، التي قسمت المجتمعات إلى نمطين: «تقليدي» و«حديث»، وافترضت أن المسار الغربي هو الطريق المعياري الحتمي الذي يتوجب على مجتمعات "العالم الثالث" تطبيقه (10)

ثنائية التحديث والتبعية: الصراع الفكري حول تفسير التخلف

شهدت فترة ما بعد الاستقلال في القرن العشرين سجالاً فكرياً ونقدياً حاداً حول أسباب التأخر وسُبل التجاوز، حيث تبلور هذا النزاع في اتجاهين فكريين متنافسين يقدّم كل منهما تشخيصاً مناقضاً للآخر لمعنى التخلف وآليات الخروج منه:

- خطاب التنمية والتحديث: ينطلق هذا الاتجاه من رؤية خطية للتاريخ، مفادها أن التخلف ليس سوى مرحلة بدائية محليّة ومؤقتة تمر بها المجتمعات النامية. وبحسب هذا المنظور، فإن العلاج يكمن في الاقتباس التقني، ونقل التكنولوجيا الغربية، واتباع أنماط الإدارة والتصنيع الحديثة لتلحق هذه المجتمعات بركاب الدول المتقدمة.

- مدرسة التبعية والنظام العالمي: في المقابل، ونتيجةً لصراع فكري ونقدي حاد مع خطاب التحديث، ظهر هذا التيار ليرفض اعتبار التخلف حالة بدائية ناتجة عن قصور داخلي فحسب؛ بل يراه نتيجة بنيوية وهيكلية فرضها النظام الاقتصادي العالمي. فهذه المدرسة تؤكد أن التخلف نتاجٌ لربط دول "الأطراف" النامية بـ "المركز" الاستعماري والصناعي في علاقة غير متكافئة تُبقي الأول المصدّر للمواد الخام والمستورد للتكنولوجيا المرتفعة القيمة.

وهكذا، أطّر هذا الصراع السجال التنموي؛ فبينما دعا الفريق الأول إلى المحاكاة والاقتباس التكنولوجي، شدد الفريق الثاني على ضرورة تفكيك علاقات الهيمنة الدولية وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي لبناء تنمية مستقلة.

9. التفكيك المعاصر: نحو إعادة صياغة السؤال وحفره في الجذور

شهدت العقود الأخيرة نقداً بنيويًا صارماً لسؤال «لماذا لم نتقدم؟» في صيغته التقليدية؛ إذ انكشف بوضوح أن عبارة «لم نتقدم» تنطوي في عمقها على تعميمات مضللة ومبسطة. فهي من جهة تفترض وجود «نحن» واحدة ومتجانسة بلا فروق تاريخية أو اجتماعية، ومن جهة أخرى تصوّر «الآخر/الغرب» كتلة صماء وموحدة، فضلاً عن كونها تختزل مفهوم «التقدم» بأسره في مجرد رقم صمّام أو مؤشر اقتصادي أحادي الجانب.

والواقع أن التاريخ والواقع المعاصر يكذبان هذه السذاجة؛ فالتجربة الصينية تختلف جذرياً عن التجربة الأمريكية، وتجربة كوريا الجنوبية لا تطابق بحال تجربة تونس أو الهند. وعلاوة على ذلك، قد تحقق الدولة نجاحاً مذهلاً وباهراً في التصنيع والنمو الاقتصادي يوازيه إخفاق ذريع في الحريات، أو قد تسجل تقدماً ملحوظاً في قطاع التعليم يتلوه تعثر وتفاوت صارخ في العدالة الاجتماعية.

لهذه الأسباب كلها، مال الفكر الاجتماعي والاقتصادي المعاصر إلى تجاوز هذا السؤال العريض والمبهم، مستبدلاً به مجموعة من الأسئلة الأكثر تحديداً ودقة وتفكيكاً:

- أولها: التحقيق في المجال المستهدف بعينه، سواء أكان في الصحة، أو التعليم، أو التقنية، أو العدالة، أو الحريات.

- ثانيها: التدقيق في النطاق الزمني والمكاني المعتمد بدقة للمقارنة.

- ثالثها: الغوص في طبيعة المؤسسات والحوافز الهيكلية الفاعلة على الأرض.

- رابعها: تتبع أثر الجغرافيا، والموارد المتاحة، والعوامل الدولية في صناعة المسار.

- خامسها وأخيراً: التساؤل الجوهري حول كيفية بناء قدرة ذاتية حية تناسب حاجات المجتمع وحضارته، بدلاً من التورط في محاكاة عمياء لنموذج جاهز مفروض من الخارج.

 الخلاصة التركيبية: مسار المقولة وشروط النجاعة الفكرية

يُمثّل تاريخ مقولة «لماذا تقدّم الآخرون وتأخّرنا؟» مساراً تحولياً جَسّد معالم التطور الفكري والأيديولوجي الذي شهده العقل الإنساني في معالجته لقضايا النهوض والغياب الحضاري. فقد بدأت الرحلة مع الفلسفة الدورية القديمة، كما تجلت عند بوليبيوس وابن خلدون، والتي فسرت صعود الكيانات السياسية واضمحلالها بديناميات داخلية مجردة، كالتعاضد الاجتماعي والعصبية مقابل الفساد والترف، دون إحالة إلى سلم مفاضلة عالمي ثابت. غير أن هذا التصور الدوري سرعان ما انزاح لصالح نظرية خطية حديثة صاغتها فلسفات التاريخ الأوروبية، ورتبت مجتمعات الأرض على مدرج تطوري أحادي يبدأ بالبدائية وينتهي بالحداثة الغربية.

مع حلول القرن التاسع عشر وتحت وطأة الصدمة الاستعمارية، تحول السؤال من تأمل فلسفي إلى برنامج إصلاحي وسياسي وعسكري مستعجل يستهدف اللحاق بالقوة الغالبة. وفي القرن العشرين، ومع بزوغ عصر الاستقلالات، اتسعت رقعة السؤال ليتجسد في خطاب تنموي ومؤسسي راهَنَ على نظريات التحديث، ونقل التقنية، وإعادة هيكلة الاقتصادات. وصولاً إلى اللحظة المعاصرة التي خضعت فيها المقولة لنقد بنيوي حصيف كشف النقاب عما تضمره من أبعاد أيديولوجية، وأطر هيمنة معرفية جعلت من تجربة الغرب الذاتية مسطرة كونية حظرت التنوع الحضاري.

شروط القيمة التحليلية للمقولة

إن هذا السؤال لا يفقد مشروعيته بالكامل، بل يبقى أداة تحليلية تاريخية نافعة ومثمرة متى ما جُرّد من أحكامه القيمة، وتصلّب بوصفه محركاً للبحث الدقيق، من خلال طرح أسئلة إجرائية عن الآليات البنيوية والمؤسسية التي مكنت مجتمعاً ما في لحظة تاريخية فارقة من تراكم المعرفة، وبناء القوة الإنتاجية، وإدارة التماسك الاجتماعي، فضلاً عن البحث في العوائق الذاتية والمحيطية التي كبحت مجتمعاً آخر وحالت دون استغلال إمكاناته.

منزلقات المقولة ومخاطرها التحليلية

وعلى النقيض من ذلك، ينحرف السؤال ليتحول إلى عقبة كؤود وعقدة إحباطية تعطل النهوض في حالات أربع رئيسية:

أولاً: الوقوع في الفتنة الجوهرية، حين يتحول إلى حكم قيمة مطلق يربط التخلف بخصائص جينية أو بطبيعة ثقافة أو دين بشكل دائم ومحسوم.

ثانياً: التبسيط واللائمة الأخلاقية، عندما يُختزل التخلف في مجرد كسل الشعوب أو فساد النيات، مع إغفال المعضلات البنيوية العميقة في إدارة الموارد والتعليم والحكم.

ثالثاً: التعامي عن ظروف النظام العالمي، متى ما تُوجّه الأبصار كلياً نحو الداخل مع التغاضي العمدي عن اختلال موازين القوى العالمية، وأثر الهيمنة الاستعمارية، وطبيعة شبكات الاقتصاد الدولي التي تجعل الأطراف في خدمة المركز.

رابعاً: الأوهام النمطية الأحادية، حين يُساق المجتمع بعين مغمضة نحو إيمان أعمى بأن مستقبل كل الشعوب البشرية يستلزم نسخ التجربة الغربية وتكرار مسارها التاريخي، مع التخلي عن خصوصيات المجتمع وحاجاته الذاتية.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

....................

 المراجع والمصادر

1. Polybius, The Histories, Book VI.(https://penelope.uchicago.edu/Thayer/E/Roman/Texts/Polybius/6.html)

2. Historical dynamics of the Chinese dynasties, PMC Academic Articles.(https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8220190/)

3. Ibn Khaldun: Muslim historian and philosopher, Encyclopedia Britannica. (https://www.britannica.com/biography/IbnKhaldun)

4. Ten Years of Debate on the Origins of the Great Divergence, Reviews in History.(https://reviews.history.ac.uk/review/1008/)

5. Khayr alDin attunes and Islamic Reformism as a Response to Western Modernity, MDPI Religions.(https://www.mdpi.com/20771444/14/1/109)

6. Nahda: the Arab project of enlightenment, Cambridge University Press.(https://www.cambridge.org/core/books/cambridgecompaniontomodernarabculture/nahdathearabprojectofenlightenment/39C44E5F0BBA0DB033BD61468568EAA2)

7. The Autobiography of Fukuzawa Yukichi, Columbia University  Asia for Educators.(https://afe.easia.columbia.edu/main_pop/ps//ps_japanfukuzawayukichi.htm)

8. Lesson Plan: On Leaving Asia (DatsuA Ron), Education About Asia.(https://www.educationaboutasia.org/article/id/1384/)

9. Shakib Arslan, Why Muslims Lagged Behind and Others Progressed (Excerpts), University of Maryland Digital Archive.(https://digitalarchive.umd.edu/document/shakibarslanwhymuslimslaggedbehindandothersprogressedexcerpts)

10. Communication for Development: Modernization, Globalization, and the Dominant Development Discourse, Bowling Green State University.(https://scholarworks.bgsu.edu/cgi/viewcontent.cgi?filename=3&article=1004&context=bgsu_books&type=additional)

 

في المثقف اليوم