جُرح الحداثة المفتوح، أو حين يتحوّل العقل من وعدٍ بالتحرّر إلى أداةٍ للهيمنة
مدخل: حين يصير العقل أداةً ضد الإنسان.
لم تعد الأزمة الفلسفية للحداثة كامنةً في عجز الإنسان عن امتلاك العقل، بل في إمكان تحوّل العقل ذاته إلى سلطة تُعيد إنتاج أشكال الهيمنة التي كان يُفترض أن يحرره منها. فالعقل الذي بشّرت به الأنوار بوصفه أفقًا للخروج من الوصاية والخرافة، وجد نفسه، في سياقات تاريخية محددة، متورطًا في بناء أنظمة للضبط والإخضاع، حيث لم يعد السؤال الأساسي: ما الذي ينبغي أن نفعله كي نحيا حياةً أكثر حريةً وعدالةً؟ بل أصبح: ما الوسائل الأكثر فعاليةً لتحقيق الأهداف التي يفرضها النظام القائم؟
من هذه المفارقة تنبثق أهمية المشروع الفلسفي لمدرسة فرانكفورت، التي جعلت من نقد العقلانية الحديثة مدخلًا إلى تشريح البنية العميقة للمجتمع الرأسمالي. فلم يكن اهتمامها منصبًّا على نقد الاستغلال الاقتصادي وحده، وإنما امتد إلى تحليل أشكال الوعي والثقافة والتقنية والتواصل التي تجعل الهيمنة ممكنةً، بل مقبولةً ومألوفةً أحيانًا. إن السلطة، وفق هذا المنظور، لا تستمر بالقهر المباشر فحسب، وإنما تستطيع أيضًا أن تستقر داخل حاجات الإنسان ورغباته، وأن تتخفى في أنماط استهلاكه، وأن تستمد مشروعيتها من الاعتقاد بأن ما هو قائم هو الممكن الوحيد.
وعليه، فإن الحديث عن الرأسمالية الأداتية بوصفها داءً باثولوجيًا لا يعني تشخيص الرأسمالية بمفردات الطب، وإنما استثمار مفهوم الباثولوجيا الاجتماعية للكشف عن اختلال يصيب العلاقة بين الإنسان ومؤسساته، وبين العقل وغاياته، وبين التقدم التقني وإمكانات التحرر. فالمجتمع قد يحقق تطورًا هائلًا في الإنتاج والاتصال والتنظيم، ومع ذلك يعجز عن تحويل هذا التقدم إلى ازدهار إنساني متناسب معه. وقد تتضاعف الوسائل المتاحة للفرد، بينما تتقلص قدرته على تقرير الغايات التي تستحق أن يعيش من أجلها.
تتحدد الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال الآتي: كيف تتحول العقلانية الأداتية، داخل المجتمع الرأسمالي، من نمط في التفكير والتنظيم إلى باثولوجيا اجتماعية تعيد إنتاج الاغتراب والتشيؤ والامتثال، وما حدود إمكانات التحرر التي يتيحها المشروع النقدي لمدرسة فرانكفورت؟
تتبنى الدراسة نهجًا تحليليًا وتفسيريًا ونقديًا، مستحضرة أطروحات هوركهايمر وأدورنو وماركوز، مع الاستفادة من مفهوم أكسل هونيث عن علم الأمراض الاجتماعية، للكشف عن العلاقة بين خلل العقلانية الحديثة والهياكل الاجتماعية التي تضمن استمرارية هذا الخلل.
أولًا: ماكس هوركهايمر وتحول العقل إلى أداة للهيمنة
يشكل ماكس هوركهايمر أحد المداخل الأساسية لفهم الأزمة التي أصابت العقلانية الحديثة. ففي كتابه أفول العقل، الصادر بالإنجليزية سنة 1947، والذي ارتبط عنوانه الألماني لاحقًا بنقد العقل الأداتي، يميز بين عقل يستطيع مساءلة الغايات والقيم، وعقل ينحصر دوره في حساب الوسائل المناسبة لتحقيق أهداف محددة سلفًا.¹
لا تكمن المشكلة، إذن، في استخدام العقل للأدوات، لأن كل فعل إنساني منظم يحتاج إلى وسائل وإجراءات، وإنما في اختزال العقل إلى هذه الوظيفة، بحيث يفقد قدرته على الحكم على مشروعية الأهداف التي يخدمها. فالعقل الأداتي يستطيع أن يحدد الوسيلة الأكثر نجاعةً لإنتاج سلعة، أو لإدارة مؤسسة، أو لتنظيم السكان، لكنه لا يستطيع، من داخل منطقه الحسابي وحده، أن يقرر ما إذا كانت هذه السلعة ضروريةً، أو ما إذا كان تنظيم السكان يحترم حريتهم، أو ما إذا كانت كفاءة المؤسسة تتحقق على حساب كرامة العامل.
هنا تتكشف المفارقة: كلما ازدادت الوسائل دقةً، لم يكن ذلك ضمانًا لأن تصبح الغايات أكثر عقلانيةً. بل قد تتحول الكفاءة إلى غطاء يخفي اللامعقولية الأخلاقية والاجتماعية للنتائج. فالنظام يستطيع أن يكون منظمًا إلى أقصى الحدود، وأن يكون في الوقت نفسه ظالمًا؛ ويمكن للمؤسسة أن تحقق أهدافها الإنتاجية بنجاح، بينما تستنزف العامل وتختزل وجوده في وظيفة قابلة للاستبدال.
في هذا السياق، لا يعود العقل الأداتي مجرد أسلوب في التفكير، وإنما يصبح مبدأً لتنظيم الحياة الاجتماعية. إذ تتوسع معايير القياس والحساب والمردودية لتشمل مجالات لم تكن تُقاس قيمتها بهذه المعايير وحدها. فتُقاس المعرفة بمردودها الاقتصادي، والعمل بما ينتجه من أرباح، والعلاقات بما توفره من منافع، بل قد يُنظر إلى الإنسان نفسه باعتباره موردًا بشريًا ينبغي استثماره بأقصى كفاءة ممكنة.
إن الباثولوجيا التي يشخصها هوركهايمر لا تتمثل في غياب العقل، وإنما في تضخم وظيفة عقلانية جزئية على حساب العقل في معناه النقدي والأخلاقي. فالإنسان لا يفقد قدرته على الحساب، بل يفقد، تدريجيًا، حقه في مساءلة ما يُطلب منه حسابه. وهكذا يتحول السؤال من نقد النظام إلى البحث عن سبل أكثر فعاليةً للتكيف معه.
ومن هنا تكتسب أطروحة هوركهايمر راهنيتها؛ فالرأسمالية المعاصرة لا تحتاج دائمًا إلى فرض إرادتها بالقوة، ما دامت تستطيع تنظيم الواقع بطريقة تجعل الامتثال عقلانيًا من منظور المصلحة الفردية المباشرة، حتى عندما تكون النتائج الاجتماعية الإجمالية مدمرةً للحرية والتضامن.
ثانيًا: أدورنو وهوركهايمر وجدلية التنوير: حين ينقلب التحرر إلى سيطرة
إذا كان هوركهايمر قد كشف عن انحسار الوظيفة النقدية للعقل، فإن تيودور أدورنو، بالاشتراك معه، ذهب أبعد من ذلك في كتابهما جدل التنوير، حيث أعادا النظر في العلاقة بين التقدم والعقل والهيمنة. فالتنوير، الذي ارتبط تاريخيًا بتحرير الإنسان من الخوف والخضوع للقوى الغامضة، لم يحقق بالضرورة وعده التحرري؛ إذ إن العقل الذي أراد السيطرة على الطبيعة لتخليص الإنسان من هشاشته، انتهى، في سياقات تاريخية معينة، إلى إعادة إنتاج منطق السيطرة داخل المجتمع نفسه.²
إن المسألة ليست أن المعرفة العلمية شر في ذاتها، ولا أن التقدم التقني ينبغي أن يُرفض، بل إن المشكلة تبدأ حين تُختزل المعرفة إلى قدرة على التنبؤ والتحكم، ويُختزل العالم إلى مادة قابلة للاستعمال، ويُختزل الإنسان إلى موضوع للإدارة والتوجيه. عندئذ يصبح النموذج الذي يتيح السيطرة على الطبيعة قابلًا للامتداد إلى العلاقات الإنسانية، بحيث يُنظر إلى الآخر لا باعتباره ذاتًا لها استقلالها، وإنما باعتباره عنصرًا ينبغي تنظيمه أو توظيفه أو إخضاعه لمتطلبات النسق.
وتظهر هذه المفارقة في المجتمع الرأسمالي حين يتحول التقدم إلى قيمة قائمة بذاتها، بصرف النظر عن وجهته الإنسانية. فارتفاع الإنتاجية يُقدَّم دليلًا على النجاح، وتسارع الاستهلاك علامةً على الازدهار، وتوسع الأسواق مظهرًا من مظاهر الحرية، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بتوزيع الثروة، وشروط العمل، ومعنى الحياة، ومقدار ما يملكه الفرد من استقلال حقيقي.
إن الرأسمالية الأداتية لا تكتفي بإنتاج الأشياء، بل تسهم في تشكيل المعايير التي يُحكم بها على قيمة الأشياء والأشخاص. وما لا يدخل في الحساب الاقتصادي يصبح معرضًا للتهميش: الوقت الذي لا ينتج ربحًا، والعلاقة التي لا تحقق منفعة، والمعرفة التي لا تخدم سوق العمل مباشرةً، والتجربة الإنسانية التي لا يمكن تحويلها إلى سلعة أو مؤشر.
وهكذا ينشأ شكل من الباثولوجيا الاجتماعية لا يتجلى في انهيار النظام، بل قد يتعايش مع نجاحه الظاهري. فالمجتمع يستمر في الإنتاج والتوسع، لكنه يضعف في القدرة على مساءلة الغايات التي توجه حركته. وقد ينجح في إدارة التناقضات دون أن يعالج أسبابها، وفي امتصاص الاحتجاجات دون أن يزيل الشروط التي تنتجها.
في هذا المعنى، لا تكون أزمة الرأسمالية الأداتية أزمة نقص في التنظيم، بل أزمة في نوع العقلانية التي تمنح التنظيم غايته. إنها عقلانية تجعل السيطرة تبدو شرطًا للتقدم، وتجعل الخضوع يبدو ثمنًا لا مفر منه للاندماج في الحياة الحديثة.
ثالثًا: صناعة الثقافة وإنتاج الإنسان القابل للاستهلاك
يتخذ نقد العقل الأداتي لدى أدورنو وهوركهايمر بعدًا أكثر تحديدًا في تحليلهما لصناعة الثقافة. فالثقافة، التي يمكن أن تكون مجالًا للمقاومة والتخييل وتوسيع أفق التجربة الإنسانية، قد تتحول، في ظل اقتصاد السوق، إلى صناعة منظمة تُنتج المضامين وفق معايير الربح والتكرار وقابلية التداول.³
لم تعد المسألة تتعلق فقط ببيع المنتجات الثقافية، بل بآليات تشكيل الذوق والتوقعات والرغبات. فعندما تخضع الموسيقى والسينما والإعلانات والمضامين الإعلامية لمنطق التوحيد والتسليع، يصبح المستهلك محاطًا بمنتجات تبدو متنوعةً، لكنها قد تعيد إنتاج البنى نفسها من التفكير والاستجابة. ويُمنح الفرد شعورًا بالاختيار، في حين تكون حدود اختياراته مرسومةً سلفًا بواسطة آليات الإنتاج والتوزيع والترويج.
لا يعني ذلك أن كل منتج جماهيري فاقد للقيمة، أو أن الجمهور مجرد كتلة سلبية لا تمتلك أي قدرة على التأويل والمقاومة. إن الأطروحة النقدية الأهم هي أن الثقافة قد تتحول إلى مجال لإعادة إنتاج الهيمنة حين تصبح استقلاليتها خاضعةً لمقتضيات السوق، وحين يُقاس نجاحها أساسًا بقدرتها على جذب الانتباه وتحويله إلى قيمة اقتصادية.
وتتضح هذه الآلية في اقتصاد الانتباه المعاصر، حيث تتنافس المنصات على وقت المستخدم، وتُصمم الخوارزميات لتشجيع التفاعل المستمر، ويصبح الانتباه نفسه موردًا اقتصاديًا. فالفرد الذي يعتقد أنه يتنقل بحرية بين المضامين قد يجد نفسه داخل بيئة رقمية تتوقع سلوكه، وتستثمر تفضيلاته، وتعيد توجيه اهتمامه نحو ما يزيد مدة بقائه وتفاعله.
هنا تتخذ الباثولوجيا شكلًا دقيقًا: لا يُسلب الإنسان وقته بالقوة المباشرة، بل يُستدرج إلى التنازل عنه عبر أنماط من المتعة الفورية والتشتيت المتواصل. ولا يُفرض عليه رأي واحد بالضرورة، وإنما يُعاد تنظيم المجال الذي تتكون داخله آراؤه، بحيث تصبح بعض الموضوعات أكثر ظهورًا من غيرها، وتُمنح بعض الانفعالات فرصًا أكبر للانتشار، فيما تتراجع إمكانات التأمل البطيء والنقاش المتأني.
إن صناعة الثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد قطاع اقتصادي، وإنما أحد المواقع التي تتشكل فيها العلاقة بين الرأسمالية والوعي. فحين تصبح المتعة قابلةً للتصنيع والتوجيه، يغدو من الممكن أن تتعايش الحرية الشكلية للاختيار مع ضيق الأفق الفعلي الذي تتحرك داخله الذات.
ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا التشخيص إلى حكم متشائم مطلق؛ فالثقافة الجماهيرية ليست فضاءً مغلقًا بالكامل. إذ يمكن للمنتجات ذاتها أن تُقرأ بطرق مغايرة، وأن تُستعمل في إنتاج معانٍ لا تنسجم مع مقاصد منتجيها. غير أن إمكان المقاومة لا يلغي ضرورة نقد الشروط الاقتصادية والتقنية التي تحدد ما يُنتج، وما يُروَّج له، وما يُدفع إلى هامش المجال العام.
رابعًا: هربرت ماركيوز والإنسان ذو البعد الواحد
إذا كان أدورنو وهوركهايمر قد كشفا عن آليات السيطرة الكامنة في العقلانية وصناعة الثقافة، فإن هربرت ماركيوز نقل النقد إلى بنية الذات في المجتمعات الصناعية المتقدمة. ففي كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، يوضح كيف تستطيع المجتمعات الحديثة أن تدمج الأفراد في نظامها، ليس عن طريق القمع الصريح وحده، وإنما أيضًا من خلال إشباع حاجات يجري تشكيلها اجتماعيًا، وتقديم أنماط من الرفاه تجعل نقد النظام أقل إلحاحًا في الوعي اليومي.⁴
تتمثل أهمية ماركيوز في التمييز الضمني بين الحاجات التي ترتبط بإمكانات الحياة الإنسانية، والحاجات التي تتغذى من آليات الاستهلاك والمنافسة والاندماج الاجتماعي. فليس كل ما يرغب فيه الفرد تعبيرًا عن استقلاله، كما أن إشباع الرغبات لا يساوي بالضرورة تحقيق الحرية. إذ يمكن للنظام أن يوسع دائرة السلع المتاحة، وأن يمنح الفرد خيارات استهلاكية متزايدة، بينما يعيد إنتاج التبعية التي تربطه بالعمل المرهق والمنافسة الدائمة والمعايير الاجتماعية السائدة.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الرأسمالية الأداتية دلالةً: يستطيع الإنسان أن يختار بين عشرات المنتجات، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على مساءلة شروط العمل التي تجعله محتاجًا إلى الاستهلاك التعويضي؛ ويمكنه أن يغير أسلوب حياته الظاهر، فيما تظل علاقته بالوقت والعمل والاعتراف الاجتماعي محكومةً بالمنطق نفسه.
إن الإنسان ذو البعد الواحد ليس إنسانًا فقد ذكاءه أو قدرته على التفكير، بل إنسان تضيق أمامه المسافة النقدية بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. فحين يُقدَّم النظام القائم باعتباره الإطار الطبيعي الوحيد للحياة، تتراجع القدرة على تخيل بدائل اجتماعية مختلفة، ويصبح الاعتراض نفسه عرضةً للتأويل بوصفه عجزًا عن التكيف أو رفضًا لمتطلبات الواقع.
وهكذا لا تعمل الهيمنة من خارج الذات فحسب، بل تستطيع أن تتسلل إلى تعريف الفرد لنجاحه وسعادته. فقد يتبنى معايير المنافسة والإنجاز والاستهلاك كما لو كانت تعبيرًا خالصًا عن اختياراته الشخصية، دون أن ينتبه إلى الشروط الاجتماعية التي أسهمت في تشكيلها.
ومع ذلك، لا يختزل ماركيوز إمكان التحرر في رفض الاستهلاك أو تمجيد الحرمان؛ فالمشكلة ليست في امتلاك الأشياء، وإنما في تحوّل الامتلاك إلى معيار مركزي لتقدير الذات، وفي خضوع حاجات الإنسان لإعادة إنتاج النظام بدل توسيع إمكاناته الحرة.
إن نقد ماركيوز يضعنا أمام سؤال يتجاوز الاقتصاد: هل يملك الإنسان رغباته فعلًا، أم أن بعض رغباته صيغت بطريقة تجعل إشباعها يعيد إنتاج الشروط التي تقيده؟ ومن هنا تصبح الحرية أكثر من مجرد القدرة على الاختيار بين بدائل معروضة؛ إنها أيضًا القدرة على نقد الشروط التي تحدد البدائل وتشكّل الرغبة فيها.
خامسًا: الرأسمالية بوصفها باثولوجيا اجتماعية
يتيح مفهوم الباثولوجيا الاجتماعية الانتقال من نقد مظاهر الرأسمالية إلى مساءلة طبيعة الاختلالات التي تنتظم داخلها. فالمجتمع لا يكون سليمًا لمجرد أن مؤسساته تعمل بانتظام، أو أن اقتصاده يحقق معدلات نمو مرتفعة، أو أن أفراده يمتلكون القدرة على التكيف مع قواعده. إذ يمكن أن تكون المؤسسات فعالةً من الناحية الإجرائية، لكنها تعجز عن توفير الشروط التي يحتاج إليها الأفراد كي يحققوا استقلالهم ويختبروا علاقاتهم بوصفها علاقات اعتراف متبادل.
وتتجلى هذه المسألة في أعمال أكسل هونيث، الذي طور جانبًا مهمًا من النظرية النقدية المعاصرة من خلال مفهوم الاعتراف، وربط إمكان الحرية الاجتماعية بشروط العلاقات والمؤسسات التي تتيح للأفراد أن يروا أنفسهم ذواتًا ذات قيمة وحقوق. وفي كتابه الحق في الحرية، يقدم تصورًا للحرية لا يقتصر على غياب التدخل، بل يتصل بالمؤسسات والعلاقات الاجتماعية التي تجعل الحرية ممكنةً في الواقع.⁵
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الباثولوجيا الاجتماعية بوصفها حالةً تنفصل فيها المبادئ التي يعلنها المجتمع عن الشروط التي تتيح تحقيقها. فالمجتمع الذي يعلن قيمة الحرية، لكنه يجعل الاستقرار المعيشي مشروطًا بالخضوع لأنماط عمل تستنزف الإنسان، يواجه تناقضًا بين المبدأ المعلن والممارسة الفعلية. والمجتمع الذي يحتفي بالاستقلال الفردي، لكنه يربط الاعتراف الاجتماعي بالقدرة الشرائية والمكانة الاستهلاكية، يعيد إنتاج تبعية تتخفى وراء خطاب الاستقلال.
ولا يعني هذا أن كل أشكال التفاوت أو كل ضغوط العمل دليل على وجود باثولوجيا اجتماعية بالمعنى الفلسفي الدقيق. فالتشخيص يحتاج إلى تحديد المعايير التي يُحكم بها على الاختلال، وإلى التمييز بين التوترات الملازمة للحياة الاجتماعية وبين التناقضات التي تقوض إمكانات الحرية والاعتراف. ومن ثم، فإن النقد لا ينبغي أن يستبدل التحليل بحكم أخلاقي شامل على المجتمع الرأسمالي، وإنما عليه أن يبين كيف تتشكل الاختلالات، وأي مؤسسات تعيد إنتاجها، وما إمكانات تغييرها.
في ضوء ذلك، يمكن تحديد ثلاثة أبعاد مترابطة للباثولوجيا التي تنتجها الرأسمالية الأداتية.
أولها، البعد الاقتصادي: حين يُختزل العمل إلى مصدر للدخل والإنتاج، ويتراجع الاعتبار الممنوح لكرامة العامل واستقلاله، ويصبح الإنسان تابعًا لمعايير المردودية التي لا يشارك بالضرورة في تحديدها.
ثانيها، البعد الثقافي: حين تتسع سلطة الاستهلاك في تشكيل الهوية، ويصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطًا بما يمتلكه الفرد وما يعرضه من علامات المكانة، بدل أن يتأسس على الاعتراف المتبادل بكرامته وقدراته.
ثالثها، البعد الوجودي: حين يفقد الفرد المسافة التي تسمح له بالتساؤل عن معنى ما يفعله، وتتحول حياته إلى سلسلة من المهام والالتزامات والمنافسات، من دون أن يمتلك الوقت أو الشروط الضرورية لإعادة النظر في الغايات التي توجهها.
إن هذه الأبعاد لا تعمل منفصلةً، بل تتعاضد فيما بينها. فالضغط الاقتصادي قد يدفع إلى الاستهلاك التعويضي، والثقافة الاستهلاكية قد تعيد تعريف النجاح بما يعمق الضغط الاقتصادي، بينما يفضي كلاهما إلى استنزاف الوقت والطاقة اللازمين للتفكير النقدي والمشاركة العامة.
وعليه، فإن باثولوجيا الرأسمالية الأداتية ليست مجرد شعور فردي بالقلق أو التعب، وإنما احتمال اجتماعي تتشابك فيه شروط الحياة المادية مع أنماط الاعتراف والتمثيل الثقافي. إنها تظهر حين تصبح المعاناة قابلةً للتطبيع، وحين يُطلب من الأفراد إصلاح ذواتهم باستمرار كي يتكيفوا مع شروط لا يملكون سلطة حقيقية على تغييرها.
سادسًا: من التشيؤ إلى اغتراب الإنسان عن ذاته
لا يمكن فهم الرأسمالية الأداتية من دون الوقوف عند مفهوم التشيؤ، الذي يشير إلى تحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات تبدو شبيهة بعلاقات الأشياء، وإلى اكتساب المنتجات والمؤشرات الاقتصادية سلطةً تحجب أصولها الاجتماعية والبشرية.
يُعدّ التشيؤ 7 أحدث أعمال هونيث طموحًا، وكما يشير عنوانه، فهو يُبشّر بدراسة معمقة في النظرية النقدية، وإن كانت موجزة. وكما هو معروف، يهدف هونيث إلى تحديث الإرث الذي تركته الأجيال المتعاقبة التي شكّلت ولا تزال تُشكّل مدرسة فرانكفورت. وإدراكًا منه للتغير في السياق بين عصور لوكاتش، وأدورنو، وهوركهايمر، وماركوز، على سبيل المثال لا الحصر، وعصرنا الحالي، فقد ضاعف هونيث مؤخرًا جهوده لإثبات أهمية منظورٍ للعالم الاجتماعي، لا يزال، في رأيه، لا يُضاهى: ألا وهو منظور النظرية النقدية.
من خلال تناوله لمفهوم التجسيد، يُشير هونيث مباشرةً إلى أهمية هذا الإرث في عصرنا الحالي. في الواقع، غالبًا ما تُثير هذه الفئة الشكوك (المبررة) التي قد تنتاب المرء تجاه أشد أشكال المادية التاريخية تشدداً وفروعها. سيواجه هونيث صعوبةً بالغةً في إثبات استمرار استخدام هذا المفهوم، الذي مع ذلك يُلاحظ عودة الاهتمام به في الوقت الراهن.
صاغ جي. لوكاش مفهوم التشييء في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" (1923). ويرى أن هذا المفهوم يشمل العملية التي تكتسب من خلالها علاقة ما صفة الشيء. ولا يُعدّ هذا خطأً معرفيًا ولا قصورًا أخلاقيًا، بل هو بالأحرى ممارسة فاشلة، تُخالف، وفقًا لهونيث، بعض القواعد الأساسية للممارسة الإنسانية. يبدأ هونيث تحليله بتحديد سلسلة من المعضلات في حدس لوكاش الأساسي. ومن بين هذه المعضلات غياب التبرير المفاهيمي الذي يدعم فكرة أنه إذا أصبح التشييء طبيعة ثانية للبشرية، فإن الرأسمالية تتحمل المسؤولية الأساسية. ومن النقاط الإشكالية الأخرى رغبة لوكاش المشروعة في بناء مفهوم التشييء دون أي إشارة إلى الأخلاق. سيكون هذا مضللاً، لأن الحديث عن ممارسة فاشلة يفترض أن لدينا نموذجًا يمكننا من خلاله تقييمها، أي أننا نفترض وجود ممارسة جيدة بما يكفي لاحترام القواعد الأساسية (التي لم يتم تحديدها بعد) للممارسة البشرية.
يتضح سريعًا أن عمل هونيث حول مفهوم التجسيد ما هو إلا ذريعة لصياغة نظرية للفعل الواعي، مستلهمة من إرث النظرية النقدية، ومن فكرة الاعتراف، وهي ركن أساسي في عمله. وبالاستناد إلى هايدغر وديوي وكافيل، يقترح هونيث إضفاء جوهر على فكرة الممارسة الفاشلة التي تتسم بالتجسيد. ويجادل بأن كل فعل (حتى الأفعال العقلانية منها)، وبشكل أعم، كل علاقة بالعالم، ينطوي على لحظة نوعية، أي لحظة شعور لدى الفرد تفترض مشاركة فاعلة في العالم. باختصار، كل فعل قائم على انخراط؛ ولا يمكن لمنظور المراقب العقلاني أن يتبلور إلا لاحقًا. يُطلق هونيث على هذه اللحظة اسم "الإدراك"، وسيجادل بأنها تسبق حتمًا موقف المعرفة.
وهذا يُتيح له فهم فكرة التشييء بوصفه نسيانًا لتلك النبرة العاطفية الأولية، وللحظة المشاركة الفاعلة للفرد في بيئته، ولمنظور الاهتمام الذي يُميز الرسوخ الأولي في التجربة النوعية. يُمكن تصور موقف التشييء لدى الفرد في علاقته بالآخرين (تحويل الآخر إلى موضوع ونسيان حقيقة أنه، لفهمهم، يجب أن أشعر بطريقة ما "بالانخراط" معهم)، وبدرجة أقل في علاقته بالبيئة (حيث لا يُعد موقف الإدراك، بالنسبة لهونيث، شرطًا ضروريًا لموقف المعرفة)، وكذلك في علاقته بنفسه. في الواقع، يُمكن للمرء أن ينسى أو ينكر اللحظة التي يشعر فيها بالانخراط في تجاربه الخاصة (انظر "رعاية الذات" عند هايدغر). "لفهم ما يعنيه عموماً أن يكون لدينا رغبات أو مشاعر أو أن نضع أهدافاً، يجب علينا أولاً أن نختبرها كجزء من أنفسنا يستحق القبول، كشيء مهم أن نجعله مفهوماً لأنفسنا وللشركاء في تفاعلاتنا."
لا شك أن هذا العمل ينتمي إلى الفلسفة الاجتماعية، بل إن انتماءه للنظرية النقدية واضحٌ جليّ. ومع ذلك، وبغض النظر عن جودة الكتابة وبُعدها التفسيري لأعمالٍ معروفةٍ ولكنها قليلة البحث، يُمكننا أن نجزم بأن هذا الكتاب مثيرٌ للاهتمام لعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الذين تتضمن أعمالهم، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، بُعدًا نقديًا، وربما ليس لهم وحدهم. فمن جهة، يُقدّم هونيث نظريةً للفعل مدعومةً مفاهيميًا وتجريبيًا (بدرجةٍ أقل بكثير)، تدعونا إلى تفكيك مفهوم الفعل، وهو أمرٌ ليس ببعيدٍ عن الأهمية، إذ غالبًا ما تكون الخطابات التي تُركّز عليه دون التشكيك فيه مُفرطةً في التشبع. ومن جهةٍ أخرى، يدعونا إلى إعادة النظر في المنظور الذي ننطلق منه عند خوضنا في النقد. هل من الممكن، كما اعتقد لوكاتش، مناقشة التشييء دون التطرّق إلى مسألة التجربة "الجيدة"؟ هل ينبغي أن تقتصر الفلسفة الاجتماعية على رصد أوجه قصور المجتمع فيما يتعلق بمبادئ العدالة؟ هل ينبغي لعلم الاجتماع وعلم الإنسان، بقدر ما يفعلان، أن يقتصرا على هذا؟ ربما، ولكن كما يشير الكاتب، فإن هذا يعني نسيان أن المجتمعات قد تفشل على المستوى المعياري بطرق أخرى غير انتهاك مبادئ العدالة التي نعتبرها عالمية.
عندما يُختزل العمل إلى رقم في جدول إنتاج، والعامل إلى تكلفة يجب تخفيضها، والطالب إلى مؤشر أداء، والمواطن إلى مجرد إحصائية، فإن المشكلة لا تكمن في استخدام الأرقام كأدوات للفهم والتنظيم، بل في أن هذه المؤشرات تحل محل الواقع الإنساني الذي من المفترض أن تمثله. وبالتالي، تصبح الوسيلة هي الغاية، ويُعطى ما يمكن قياسه الأولوية على ما يستحق القياس. ولا يعني نقد التشيؤ رفض التنظيم أو الإحصاء أو الإدارة؛ فالمجتمعات الحديثة لا تستطيع الاستغناء عن هذه الأدوات. إنما تكمن المشكلة في نسيان أن الأرقام تمثيلات جزئية للواقع، وليست الواقع في كامل كثافته. فمؤشر الأداء قد يكشف جانبًا من جودة التعليم، لكنه لا يستنفد معنى التعلم؛ ومعدل الإنتاج قد يحدد حجم الناتج، لكنه لا يكشف وحده عن شروط إنتاجه أو عدالة توزيعه؛ وقياس التفاعل الرقمي قد يرصد كثافة التواصل، لكنه لا يضمن وجود علاقة إنسانية حقيقية.
ومن هنا يتخذ الاغتراب معنى يتجاوز انفصال العامل عن نتاج عمله، على الرغم من أهمية هذا البعد في النقد الماركسي. إذ يمكن أن يغترب الفرد أيضًا عن حاجاته، حين يتبنى رغبات لا يستطيع مساءلة مصادرها؛ وعن وقته، حين يصبح إيقاع حياته تابعًا لمتطلبات الإنتاج والتواصل المستمر؛ وعن ذاته، حين يتعلم النظر إلى نفسه بعين السوق، فيقيّم قدراته بوصفها رأس مال ينبغي تنميته، وعلاقاته بوصفها شبكات ينبغي توسيعها، وحتى أوقات راحته بوصفها استثمارًا لتحسين الأداء المقبل.
إن الذات، في هذه الحالة، لا تُقهر دائمًا بأمر خارجي مباشر، بل قد تتحول إلى مدير قاسٍ لنفسها. فهي تراقب إنتاجيتها، وتحاسب نفسها على التأخر، وتخشى فقدان القدرة التنافسية، وتتعامل مع الراحة كما لو كانت انحرافًا عن مقتضيات الإنجاز. وهنا تبلغ العقلانية الأداتية مستوىً عميقًا من النفاذ: إذ يصبح الإنسان أداةً في خدمة النظام، ثم يتولى بنفسه مراقبة مدى صلاحيته لهذه الوظيفة.
لكن النقد الفلسفي لا يكتمل بوصف هذه الحالة فقط؛ بل عليه أن يستعيد السؤال عن إمكان مقاومة التشيؤ. وتبدأ المقاومة بإعادة الاعتبار إلى ما لا يمكن اختزاله في المؤشرات: الخبرة الإنسانية، والتضامن، والوقت الحر، والقدرة على التفكير، والاعتراف بالآخر باعتباره غايةً لا مجرد وسيلة.
إن استعادة هذه الأبعاد لا تعني الانسحاب من العالم الحديث، وإنما إعادة تنظيم العلاقة معه، بحيث تستعيد الأدوات مكانتها بوصفها وسائل لخدمة الحياة، بدل أن تصبح الحياة ذاتها وسيلةً لتوسيع سلطان الأدوات.
حدود المشروع النقدي وإمكانات تجاوزه
على الرغم من الأهمية التأسيسية لنقد العقل الأداتي لدى هوركهايمر وأدورنو وماركيوز، فإن المشروع النقدي يواجه سؤالًا صعبًا: هل تكفي القدرة على كشف آليات الهيمنة لتأسيس بديل اجتماعي أكثر حريةً وعدالةً؟
لقد قدمت مدرسة فرانكفورت تشخيصًا عميقًا للتحولات التي أصابت العقل والثقافة والذات في المجتمعات الحديثة، لكنها واجهت، خصوصًا في بعض نصوصها المبكرة، مشكلة الانتقال من التشخيص السلبي إلى تحديد شروط التحرر بصورة أكثر إيجابيةً ومؤسسيةً. وقد أشار نقاد المدرسة إلى أن تعميم منطق السيطرة قد يجعل من الصعب تفسير إمكانات المقاومة والتغيير التي تستمر داخل المجتمعات الحديثة نفسها.
وإذا كانت الثقافة قابلةً للاندماج في السوق، فإنها قادرة أيضًا على إنتاج مضامين نقدية. وإذا كانت التقنية تُستخدم في المراقبة والضبط، فإنها تستطيع كذلك توسيع الوصول إلى المعرفة وتيسير أشكال جديدة من التعاون. وإذا كانت المؤسسات الرأسمالية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة، فإن الصراعات الاجتماعية والسياسية تستطيع تعديل قواعدها وفتح إمكانات لم تكن متاحةً من قبل.
وهذا يعني أن الرأسمالية ليست نسقًا مغلقًا يستحيل تغييره، وأن الإنسان ليس ذاتًا مندمجةً بصورة نهائية في آليات الامتثال. فالتناقضات التي تكشف عنها النظرية النقدية يمكن أن تتحول إلى مواقع للمقاومة، شريطة ألا تُفهم الحرية باعتبارها قرارًا فرديًا معزولًا عن شروطه الاجتماعية والمادية.
ومن هنا تبرز أهمية التحول الذي عرفته النظرية النقدية مع يورغن هابرماس، الذي حاول إعادة بناء العقلانية على أساس التواصل والحجاج، بدل اختزالها في السيطرة والفعالية التقنية. ففي نظرية الفعل التواصلي، يميز هابرماس بين أنماط من الفعل تتجه إلى تحقيق أهداف استراتيجية، وأشكال من التواصل تسعى إلى التفاهم بين الذوات عبر تقديم ادعاءات قابلة للنقد والمناقشة.⁷
ولا يعني هذا التمييز أن الفعل الاستراتيجي ينبغي إلغاؤه من الحياة الاجتماعية؛ فالإدارة والاقتصاد والتنظيم تحتاج جميعها إلى حساب الوسائل وتقدير النتائج. لكن هذه المجالات لا ينبغي أن تستقل عن النقاش العمومي حول الغايات المشروعة، أو أن تتوسع حتى تبتلع فضاءات الحياة التي تتأسس على التفاهم والاعتراف والتضامن.
وبهذا المعنى، يمكن مواجهة الرأسمالية الأداتية عبر إعادة إدراج الحساب الاقتصادي والتقني داخل أفق أوسع من التبرير العمومي والأخلاقي. فالسؤال لا يقتصر على مدى نجاح المؤسسة في تحقيق أهدافها، بل يمتد إلى كيفية تحديد هذه الأهداف، وإلى من يستفيد منها، ومن يتحمل تكاليفها، وما إذا كانت شروط تحقيقها تحترم استقلال الأفراد وكرامتهم.
إن استعادة الوظيفة النقدية للعقل تقتضي، إذن، الجمع بين نقد البنى الاقتصادية، وتطوير المؤسسات الديمقراطية، وتوسيع إمكانات المشاركة العامة، وحماية المجالات التي يستطيع فيها الإنسان أن يفكر ويتواصل ويعيش من دون أن يخضع كل نشاط فيها لمعيار الربح والمردودية.
الخاتمة: استعادة الإنسان من قبضة الأدوات
تكشف القراءة النقدية لمشروع مدرسة فرانكفورت أن الأزمة العميقة للرأسمالية الأداتية لا تتمثل في أن الإنسان صار يمتلك أدوات أكثر مما يحتاج، بل في أن هذه الأدوات باتت، في سياقات معينة، تحدد له ما ينبغي أن يحتاج إليه، وكيف ينبغي أن يعمل، وبأي معايير يقيس نجاحه، وما الذي يجدر به أن يعتبره حياةً جديرةً بأن تُعاش.
لقد أظهر هوركهايمر كيف يمكن للعقل أن يفقد قدرته على مساءلة الغايات حين ينحصر في حساب الوسائل، وكشف أدورنو وهوركهايمر عن المفارقة التي تجعل التنوير عرضةً للانقلاب على وعوده التحررية، بينما بيّن ماركيوز كيف يستطيع المجتمع الصناعي المتقدم أن يدمج الأفراد من خلال تشكيل الحاجات وتضييق أفق البدائل. أما مفهوم الباثولوجيا الاجتماعية فيتيح لنا أن نفهم كيف تتحول هذه الآليات إلى اختلالات تتجاوز الفرد لتصيب العلاقات والمؤسسات والمعايير التي تنظم الحياة المشتركة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا النقد إلى إدانة كلية للعقل أو التقنية أو كل أشكال التنظيم الاقتصادي. فالمشكلة ليست في الوسائل ذاتها، وإنما في انفصالها عن الغايات الإنسانية التي تمنحها معناها، وفي تحول الفعالية إلى معيار أعلى من العدالة، والربح إلى قيمة تتقدم على الكرامة، والامتثال إلى شرط للاستقرار الاجتماعي.
إن الرهان الفلسفي الحقيقي يتمثل في استعادة القدرة على السؤال عن الغايات، وإعادة فتح المجال أمام إمكانات الحياة التي لا يستنفدها منطق السوق. فليس كل ما يمكن إنتاجه يستحق الإنتاج، وليس كل ما يمكن قياسه يحدد قيمة الإنسان، وليس كل ما يحقق الكفاءة يحقق العدالة.
إن الرأسمالية الأداتية تبلغ ذروتها الباثولوجية حين يتعلم الإنسان أن يقيس قيمته بما يستطيع النظام أن يستخرجه منه، لا بما يستطيع هو أن يحققه من حرية ومعنى واعتراف. ومن ثم، فإن مقاومة هذا الاختلال لا تبدأ بتحطيم الأدوات، وإنما بإعادتها إلى مكانها الصحيح: وسائلَ في خدمة الإنسان، لا مقاييسَ نهائيةً لوجوده.
إن استعادة الإنسان لا تعني إخراجه من الحداثة، بل تحرير الحداثة من اختزالها في الحساب والربح والسيطرة؛ ولا تعني إلغاء العقلانية، بل استعادة عقلانية نقدية قادرة على مساءلة ذاتها، والتمييز بين ما هو ممكن تقنيًا وما هو مشروع إنسانيًا. عند هذه النقطة تحديدًا، تستعيد الفلسفة النقدية وظيفتها: ألا تكتفي بتفسير العالم كما تنتظم آلياته، بل أن تكشف أيضًا عن التناقضات التي تمنع الإنسان من أن يكون سيد غاياته.
***
بقلم: الدكتور معروفي العيد.
..........................
المصادر والمراجع:
1. هوركهايمر، ماكس. النظرية التقليدية والنظرية النقدية. ترجمة ناجي العونلي. بيروت: منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2015. وللتوسع في السياق النظري للمدرسة، انظر: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي.
2. هوركهايمر، ماكس، وأدورنو، تيودور ف. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2006.
3. المصدر ذاته، ولا سيما فصل «صناعة الثقافة: التنوير بوصفه خداعًا جماهيريًا».
4. ماركيوز، هربرت. الإنسان ذو البعد الواحد: دراسات في أيديولوجيا المجتمع الصناعي المتقدم. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الآداب، الطبعة الثالثة، 1988.
5. هونيث، أكسل. الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية. ترجمة جورج كتّورة. بيروت: المكتبة الشرقية، 2015.
6. Honneth Axel, La réification. Petit traité de Théorie critique
Paris, Gallimard, 2007.
7. محمد عبد الله المحجري، «مدرسة فرانكفورت النقدية: من مساءلة التنوير والحداثة إلى نكوص التصور والبدل الجمالي العابث»، حوليات الآداب واللغات، المجلد 8، العدد 3، 2020، ص 307–324. تتناول الدراسة حدود المشروع النقدي وإشكالية الانتقال من تشخيص العقل الأداتي إلى تقديم البديل.








