عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زهير الخويلدي: معنى أن تكون فيلسوفاً ملتزماً في حضارة اقرأ

مقدمة: في حضارةٍ بُنيت على أمرٍ إلهيٍّ أول هو «اقرأ»، يتحول السؤال عن معنى الالتزام الفلسفي من مجرد تساؤل نظري إلى تحدٍّ وجودي وتأويلي وإيتيقي في آنٍ واحد. فالفيلسوف الملتزم هنا ليس ذلك الذي يكتفي ببناء نسقٍ مغلق أو بإنتاج معرفةٍ محايدة، بل هو من يعيش التوتر الدائم بين القراءة بوصفها فعلاً تأسيسياً للعالم وبين الالتزام بوصفه مسؤوليةً إزاء ما يُقرأ وما يُفهم وما يُفعل. هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك هذا المعنى من منظور إستراتيجي شذري غير نسقي، أي من خلال سلسلة من الشذرات المترابطة التي لا تدّعي اكتمالاً نسقياً، بل تراهن على فاعلية التفكيك وإعادة التركيب المستمرين، وفق مقاربة إيتيقية تأويلية نقدية تضع الخير والمسؤولية في صميم التأويل، وتنتقد كل محاولة لاختزال الفلسفة في خطابٍ سلطوي أو في معرفةٍ منفصلة عن الحياة. ويأتي التراث الإسلامي هنا لا بوصفه مرجعاً مغلقاً يُستدعى للتبرير، بل بوصفه حقلاً شذرياً مفتوحاً يمدنا بأمثلة حية على ممارسة الالتزام الفلسفي في لحظات التوتر والتأويل والنقد. فما معنى أن تكون فيلسوفا ملتزما في حضارة اقرأ من وجهة نظر إستراتيجية شذرية غير نسقية ووفق مقاربة ايتيقية تأويلية نقدية؟

الشذرة الأولى: اقرأ بوصفها حدثاً تأسيسياً لا مجرد أمر

«اقرأ» ليست مجرد وصية بالقراءة، بل هي حدثٌ يكشف عن أن الوجود نفسه قابل للقراءة، وأن الإنسان مدعوّ إلى أن يكون قارئاً قبل أن يكون كاتباً أو حاكماً أو حتى عابداً. في حضارة اقرأ، يُفهم العالم كنصٍّ مفتوح، والنصّ كعالمٍ قابل للتأويل. الفيلسوف الملتزم هو من يدرك أن القراءة ليست استهلاكاً للمعنى الجاهز، بل هي فعلٌ إستراتيجي يفتح إمكانيات جديدة للوجود. الالتزام هنا يبدأ من الاعتراف بأن كل قراءة تحمل في طياتها مسؤوليةً إزاء ما يُخفى وما يُظهر، وما يُقصى وما يُدمج. المنظور الشذري يرفض أن يُختزل هذا الحدث في لحظة تاريخية أو في نسقٍ لاهوتي مغلق؛ فهو يراه تكراراً مستمراً يستدعي من الفيلسوف أن يعيد قراءة ذاته وعالمه في كل لحظة.

من التراث الإسلامي نجد مثالاً ساطعاً في تجربة ابن رشد، الذي أعاد قراءة النصّ الديني والعقلي معاً لا ليغلق المعنى بل ليفتحه على إمكانيات البرهان. ففي فصله بين ما هو خطابي وما هو برهاني، لم يكن ابن رشد يبحث عن نسقٍ نهائي، بل كان يمارس قراءةً إستراتيجية تكشف حدود كل خطاب وتدعو إلى تجاوزه دون إلغائه. وكذلك في تجربة ابن عربي، حيث تتحول القراءة إلى كشفٍ مستمر للتجليات، فيصبح العالم كله نصّاً يُقرأ من جديد في كل لحظة، والالتزام يكمن في عدم التوقف عند ظاهرٍ أو باطنٍ واحد.

الشذرة الثانية: الالتزام بوصفه إيتيقاً لا عقيدة

الالتزام الفلسفي في هذا السياق ليس انتماءً إلى مذهبٍ أو حزبٍ أو حتى إلى تقليدٍ فلسفي بعينه. إنه إيتيقا بمعنى المسؤولية المطلقة إزاء الآخر، سواء أكان هذا الآخر نصاً أو إنساناً أو مستقبلاً. الإيتيقا هنا تأويلية لأنها تفهم المسؤولية من خلال عملية الفهم نفسها: كل تأويل هو اختيار، وكل اختيار يحمل أثراً على الممكنات الوجودية. النقد يلازم هذه الإيتيقا؛ فهو ينتقد كل تأويل يدّعي النهائية أو يحوّل القراءة إلى أداة سيطرة. الفيلسوف الملتزم يرفض أن يكون «ملتزماً» بمعنى التبعية، ويفضل أن يكون ملتزماً بمعنى الشهادة على التناقضات والإمكانيات المكبوتة. في حضارة اقرأ، يتحول الالتزام إلى مقاومة دائمة لأي محاولة لجعل النصّ سلطةً مطلقة، أو لجعل السلطة نصّاً مقدساً.

يظهر هذا البعد الإيتيقي جلياً في موقف المعتزلة الذين جعلوا من العقل مسؤوليةً أخلاقية إزاء النصّ، رافضين أن يُحَمَّل الله ما لا يليق بعدله، ومؤكدين أن التأويل واجبٌ يحمي معنى الخير والعدل. وكذلك في تجربة أبي حيان التوحيدي، الذي جعل من الحوار والشك مسؤوليةً وجودية، فلم يلتزم بمذهبٍ واحد بل التزم بالبحث عن الحقيقة في تعدد الأصوات، حتى لو أدى ذلك إلى العزلة أو الاتهام. الالتزام هنا إيتيقي لأنه يضع كرامة الإنسان وإمكانياته في مركز التأويل.

الشذرة الثالثة: الإستراتيجية الشذرية ضد النسق المغلق

المنظور الإستراتيجي الشذري يرفض البناء النسقي التقليدي الذي يسعى إلى الإحاطة بكل شيء ضمن نظامٍ واحد. النسق، مهما بلغ من الإحكام، يميل إلى إخفاء التناقضات وإلى إنتاج وهم الاكتمال. في المقابل، تعمل الشذرات كاستراتيجيات جزئية تتحرك في فضاء مفتوح، تربط بين لحظات متفرقة، وتكشف عن خطوط القوة والضعف في الخطاب السائد. الفيلسوف الملتزم في حضارة اقرأ لا يبني «نظاماً فلسفياً إسلامياً» أو «فلسفة عربية معاصرة» بالمعنى النسقي، بل ينتج شذراتٍ تُضيء مناطق الظل في التراث والمعاصرة معاً. هذه الشذرات ليست عشوائية؛ فهي إستراتيجية لأنها تهدف إلى فتح مسارات جديدة للتفكير والعمل، وإلى تعطيل الآليات التي تحول القراءة إلى تكرارٍ عقيم.

في التراث نجد مثالاً قوياً عند ابن خلدون، الذي لم يبنِ نسقاً فلسفياً شاملاً بالمعنى التقليدي، بل أنتج مقدمته كشذراتٍ تحليلية تكشف آليات العمران والدولة والعصبية، منتقلاً بين التاريخ والاجتماع والاقتصاد دون أن يدّعي اكتمالاً نظرياً مغلقاً. وكذلك عند الغزالي في «تهافت الفلاسفة» و«المنقذ من الضلال»، حيث يمارس نقداً شذرياً ينتقل من الشك إلى اليقين دون أن يبني نسقاً نهائياً يستبدل به ما نقده، بل يترك الباب مفتوحاً لإعادة النظر المستمرة. الإستراتيجية هنا تكمن في القدرة على تفكيك ما يبدو مكتملاً دون الوقوع في فراغ نظري.

الشذرة الرابعة: التأويل النقدي بوصفه ممارسة للحرية المسؤولة

التأويل في هذا الإطار ليس تفسيراً محايداً، بل هو فعلٌ نقدي يكشف عن الشروط التاريخية والإيديولوجية التي تشكل المعنى. الفيلسوف الملتزم يمارس التأويل كشكلٍ من أشكال الحرية المسؤولة: حرية إزاء النصّ والتراث، ومسؤولية إزاء ما ينتج عن هذا التأويل من آثار على الحياة الجماعية. في حضارة اقرأ، حيث يحتل النصّ مكانة مركزية، يصبح التأويل النقدي ضرورةً لمنع تحول النصّ إلى صنمٍ أو إلى أداة قمع. النقد هنا إيتيقي لأنه يسأل دائماً: لمن يخدم هذا التأويل؟ وأي إمكانيات للحياة يفتح أو يغلق؟

 الإستراتيجية الشذرية تسمح لهذا النقد بأن ينتقل بين مستويات متعددة: من النصّ الفردي إلى الخطاب الجماعي، ومن التاريخ إلى الحاضر، دون أن يدّعي إحاطة شاملة. من أبرز الأمثلة التراثية موقف ابن رشد في «فصل المقال» حيث يدافع عن شرعية التأويل البرهاني للنصوص، مؤكداً أن ظاهر النصّ قد يحتاج إلى تأويل لحماية العقل والدين معاً. هذا الموقف ليس دفاعاً عن حرية مطلقة بلا حدود، بل عن حرية مسؤولة تدرك أن إغلاق باب التأويل يؤدي إلى الجمود أو إلى العنف الرمزي. وكذلك في تجربة الشاطبي في «الموافقات»، حيث يربط التأويل بمقاصد الشريعة، محولاً النصّ من مجموعة أحكام جامدة إلى أفقٍ مفتوح يراعي مصالح الناس في تغير الأزمان، وهو ما يمثل نقداً ضمنياً لكل قراءة حرفية تتجاهل السياق والمآل.

الشذرة الخامسة: الفيلسوف الملتزم بوصفه قارئاً إستراتيجياً للحدود

أن تكون فيلسوفاً ملتزماً يعني أن تقف على الحدود: حدود النصّ والعالم، حدود الذات والآخر، حدود الماضي والمستقبل، حدود المعرفة والسلطة. هذه الوقفة ليست حيادية؛ فهي إستراتيجية لأنها تسمح برؤية ما لا يُرى من داخل النسق. في حضارة اقرأ، حيث يُفترض أن تكون القراءة فعلاً تحررياً، يكتشف الفيلسوف أن كثيراً من القراءات قد تحولت إلى آليات إقصاء. الالتزام إذن هو الالتزام بفتح هذه الحدود، بجعلها مناطق عبور لا جدران فصل. الشذرات التي ينتجها هذا الفيلسوف هي أدوات عبور؛ فهي لا تدّعي الوصول إلى الضفة الأخرى، بل تجعل العبور نفسه ممكناً ومستمراً. لذلك يظهر هذا الوقوف على الحدود بوضوح عند الفارابي في مدينته الفاضلة، حيث يقرأ السياسة والفلسفة والدين في منطقة التماس بينها، رافضاً أن يُختزل أيٌّ منها في الآخر. وكذلك عند ابن سينا في إشاراته وتنبيهاته، حيث ينتقل بين البرهان والإشراق دون أن يغلق الباب أمام أيٍّ منهما، جاعلاً من الحدود نفسها فضاءً للفكر. وفي تجربة الحلاج، يتحول الوقوف على حدود اللغة والمعنى إلى شهادة وجودية تدفع ثمنها غالياً، لكنها تظل مثالاً على التزامٍ يرفض أن تُغلق الحدود باسم السلامة أو الإجماع.

الشذرة السادسة: الإيتيقا التأويلية في مواجهة الاغتراب المعرفي

أحد أخطر أشكال اللالتزام هو الاغتراب المعرفي: أن ينتج الفيلسوف معرفةً منفصلة عن حياة الناس وعن تحديات عصرهم. في حضارة اقرأ، حيث يُفترض أن تكون المعرفة مرتبطة بالعمل والصلاح، يصبح الفيلسوف الملتزم هو من يعيد ربط التأويل بالحياة. الإيتيقا التأويلية ترفض المعرفة من أجل المعرفة، وتطالب بأن يكون كل فهمٍ حاملاً لمسؤولية تجاه الممكنات الإنسانية. النقد هنا يطال التراث والمعاصرة معاً: التراث حين يتحول إلى عبء، والمعاصرة حين تتحول إلى تقليدٍ أعمى للآخر. الإستراتيجية الشذرية تسمح بمعالجة هذه القضايا بشكل جزئي ومتكرر، دون الوقوع في وهم الحلول الشاملة. في التراث نجد عند الجاحظ مثالاً حياً على رفض الاغتراب المعرفي؛ فقد جعل من النثر والبيان أداةً لفهم المجتمع ونقده، رابطاً المعرفة بالواقع اليومي وبالتعدد الثقافي. وكذلك عند ابن طفيل في «حي بن يقظان»، حيث يقدم سرداً فلسفياً يربط بين التجربة الفردية والعقل والكشف، رافضاً أن تبقى الفلسفة حبيسة المجالس الخاصة أو المناقشات النظرية المنفصلة عن مصير الإنسان. الالتزام هنا يتجلى في السعي إلى معرفةٍ تعيد الإنسان إلى ذاته وإلى عالمه.

الشذرة السابعة: الالتزام كفعلٍ مستمر لا حالة ثابتة

الالتزام ليس صفةً يكتسبها الفيلسوف مرة واحدة وإلى الأبد. إنه فعلٌ متكرر، شذري بطبيعته، يحتاج إلى تجديد دائم. في كل قراءة جديدة، وفي كل مواجهة مع نصّ أو حدث أو أزمة، يُختبر الالتزام من جديد. الفيلسوف الملتزم في حضارة اقرأ هو من يرفض أن يستريح في أي موقع فكري، لأنه يدرك أن الراحة نفسها قد تكون شكلاً من أشكال التخلي عن المسؤولية. المنظور غير النسقي يحرر هذا الالتزام من ضرورة الاتساق المطلق؛ فالفيلسوف قد ينتج شذراتٍ تبدو متناقضة في الظاهر، لكنها تظل ملتزمة بالإيتيقا نفسها: مسؤولية الفهم وحرية النقد. كما يتجلى هذا الاستمرار في مسار الغزالي نفسه، الذي انتقل من الكلام إلى الفلسفة إلى التصوف دون أن يدّعي الوصول إلى محطة نهائية، بل ظل يعيد قراءة موقعه في كل مرحلة. وكذلك في تجربة صدر الدين الشيرازي، الذي جمع بين مشارب متعددة وأعاد تركيبها في حكمة متعالية لا تدّعي الإغلاق، بل تظل مفتوحة على تجديد النظر. الالتزام هنا فعلٌ يتكرر مع كل أزمة معرفية أو وجودية.

الشذرة الثامنة: نحو أفق مفتوح للالتزام الفلسفي

أن تكون فيلسوفاً ملتزماً في حضارة اقرأ يعني أن تعيش القراءة كفعلٍ إستراتيجي يفتح العالم بدلاً من إغلاقه، وأن تمارس التأويل كإيتيقا للمسؤولية، وأن تنتقد كل محاولة لاختزال الفكر في نسقٍ أو سلطة. هذا الالتزام شذري لأنه يعترف بأن الحقيقة الفلسفية لا تُعطى دفعة واحدة، بل تُبنى عبر سلسلة من التدخلات الجزئية التي تظل مفتوحة على التعديل. وهو غير نسقي لأنه يرفض وهم الإحاطة، ويفضل فاعلية التفكيك وإعادة التركيب. وهو إيتيقي تأويلي نقدي لأنه يضع الخير الإنساني في صميم عملية الفهم، وينتقد كل فهمٍ ينتج عنه إقصاء أو اغتراب. إن الأمثلة التراثية التي استدعيناها — من ابن رشد إلى ابن خلدون، ومن المعتزلة إلى ابن عربي، ومن الغزالي إلى ابن طفيل — ليست نماذج تُقلَّد، بل شذرات حية تذكرنا بأن الالتزام الفلسفي في حضارة اقرأ كان دائماً ممارسةً للتوتر الخلّاق بين النصّ والعقل، بين التراث والمستقبل، بين المعرفة والمسؤولية. في النهاية، الفيلسوف الملتزم ليس من يعلن التزامه، بل من يجعل من كل شذرة يكتبها، ومن كل تأويل يمارسه، شهادةً على إمكانية حياةٍ أكثر عدلاً وحرية ومسؤولية. في حضارةٍ بدأت بـ«اقرأ»، يظل الالتزام الفلسفي هو الاستمرار في القراءة بطريقة تجعل العالم نفسه أكثر قابلية للقراءة، وأكثر انفتاحاً على ما لم يُقرأ بعد.

خاتمة

في نهاية المطاف هذه الشذرات الثماني، لا نصل إلى تعريفٍ نهائي أو إلى نسقٍ مكتمل يحدد مرة واحدة وإلى الأبد معنى أن تكون فيلسوفاً في حضارة اقرأ. فالمنظور الشذري غير النسقي الذي اعتمدناه يرفض أصلاً أن تكون الخاتمة إغلاقاً، بل يراها فتحاً جديداً وإعادة ترتيبٍ لما تفرق من المعاني. لقد كشفت الشذرات أن الفيلسوف في هذه الحضارة ليس حاملاً لمعرفة جاهزة ولا باني أنظمة مغلقة، بل هو قارئ إستراتيجي يقف على الحدود، يمارس التأويل بوصفه مسؤولية إيتيقية، وينتقد كل محاولة لتحويل «اقرأ» من حدثٍ محرر إلى سلطةٍ تكرارية. من الشذرة الأولى إلى الثامنة تبيّن أن الالتزام الفلسفي هنا فعلٌ مستمر لا صفة ثابتة، وأنه يتجلى في القدرة على إعادة قراءة النصّ والعالم والذات دون الاستراحة في أي محطة نهائية. الأمثلة التراثية التي تخللت الشذرات — من ابن رشد إلى ابن خلدون، ومن المعتزلة إلى ابن عربي، ومن الغزالي إلى ابن طفيل — لم تكن استشهاداتٍ تزينيّة، بل شواهد حية على أن التراث الإسلامي نفسه كان حقلاً شذرياً مفتوحاً، يمارس فيه الفكر توتره الخلّاق بين العقل والنقل، بين الظاهر والباطن، بين المعرفة والمسؤولية. هذه الأمثلة تذكرنا بأن حضارة اقرأ لم تكن يوماً حضارة النسق المغلق، بل حضارة القراءات المتعددة التي تظل قابلة لإعادة الفتح. فالإيتيقا التأويلية النقدية التي وجهت هذه الشذرات تضعنا أمام حقيقة أساسية: أن تكون فيلسوفاً في حضارة اقرأ يعني أن تجعل من كل فهمٍ شهادةً على الممكنات الإنسانية، وأن ترفض الاغتراب المعرفي كما ترفض الجمود النصّي. الفيلسوف هنا لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يلتزم بحراستها من أن تتحول إلى أداة إقصاء أو إلى وهم اكتمال. الإستراتيجية الشذرية تسمح له بأن ينتقل بين المستويات دون أن يسجن نفسه في واحد منها، وبأن ينتج فكراً جزئياً متكرراً يظل مع ذلك مرتبطاً بخيطٍ واحد: المسؤولية إزاء ما يُقرأ وما يُفعل وما يُترك للأجيال القادمة.وهكذا، فإن معنى أن تكون فيلسوفاً في حضارة اقرأ لا يُختزل في عبارة واحدة، بل يُعاش كتوتّر دائم بين القراءة والالتزام، بين الحرية والمسؤولية، بين التراث والمستقبل. الشذرات التي قدّمناها ليست سوى دعوة إلى مواصلة القراءة بالطريقة نفسها: قراءة تفتح ولا تغلق، تنقد ولا تهدم، وتظل أمينة لحدث «اقرأ» بوصفه إمكاناً لا ينضب لإعادة تشكيل العالم والذات معاً. في هذا الأفق المفتوح، تبقى الفلسفة فعلاً حياً، والالتزام شهادة مستمرة، والحضارة نفسها نصّاً لا يزال ينتظر من يقرأه من جديد. فماهي المسؤولية الايتيقية التي يجدر بالفيلسوف الملتزم أن يتحملها لكي يبعث روح الابداع في حضارة اقرا من سباتها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم