L’Âge herméneutique de la raison.
تمهيد: سؤال التأويل ومأزق العقل الحديث
يُشكل مشروع جان غرايش* (Jean Greisch) أحد المسارات اللافتة في الهرمينوطيقا الفلسفية المعاصرة، لا من حيث اشتغاله على تاريخ التأويل فحسب، وإنما من حيث سعيه إلى مساءلة التحول الذي أصاب مفهوم العقل ذاته. فمع غرايش لم تعد الهرمينوطيقا مجرد تقنية لفهم النصوص، بل أصبحت مدخلًا إلى إعادة النظر في شروط الفهم الإنساني وفي العلاقة بين الذات والحقيقة واللغة والتاريخ. ومن ثم فإن السؤال الذي ينتظم مشروعه لا يتمثل في كيف نؤول؟ فقط، وإنما في سؤال أعمق: ماذا يحدث للعقل حين يكتشف أن كل فهم يجري من داخل أفق تأويلي سابق؟
تنبني هذه الدراسة على إشكالية مفادها أن الانتقال من الهرمينوطيقا بوصفها منهجًا إلى الهرمينوطيقا بوصفها أفقًا أنطولوجيًا يقتضي إعادة تعريف الذات والحقيقة والعقل. فهل استطاع غرايش أن يتجاوز التصور الأداتي للتأويل، وأن يؤسس عقلًا تأويليًا لا يسقط في النسبية ولا يعود إلى يقينيات الميتافيزيقا التقليدية؟ سنقارب هذه الإشكالية من خلال تحليل ثلاثة مرتكزات مترابطة في مشروعه: العصر التأويلي للعقل، وأنطولوجيا الفهم، والكوجيتو التأويلي، مع استحضار امتداداتها في فلسفة الدين.
أولًا: العصر التأويلي للعقل وإعادة بناء سؤال الحقيقة
يقوم مشروع غرايش على تشخيص تحوّل عميق في تاريخ العقل الغربي. فالعقل الحديث، الذي سعى منذ ديكارت إلى العثور على أساس يقيني يستطيع أن ينطلق منه في بناء المعرفة، لم يعد قادرًا على تجاهل الشروط التاريخية واللغوية التي يتشكل داخلها كل فعل من أفعال الفهم. ولهذا يتحدث غرايش عن «العصر التأويلي للعقل»، لا بمعنى أن العقل فقد قدرته على بلوغ الحقيقة، وإنما بمعنى أنه أصبح واعيًا بوسائطه وشروطه وحدوده.
فالإنسان لا يدخل العالم بعقل خالٍ من الافتراضات، ولا يواجه الأشياء كما لو كانت معطيات صامتة مستقلة عن كل سياق. إننا نفهم من داخل لغة، ونقرأ من داخل تراث، ونطرح الأسئلة انطلاقًا من تاريخ سابق. ولذلك يصبح التأويل بنية مرافقة للفهم، لا عملية لاحقة عليه. وما يترتب على ذلك هو إعادة صياغة العلاقة بين العقل والحقيقة: فالحقيقة لا تعود موضوعًا جاهزًا يقف في الخارج، وإنما تصبح أفقًا ينكشف تدريجيًا عبر فعل الفهم.
غير أن هذا التصور لا يفضي إلى مساواة جميع التأويلات أو إلى إلغاء معيار الحقيقة. فالهرمينوطيقا عند غرايش لا تستبدل الدوغمائية بيأس معرفي، بل تبحث عن صيغة ثالثة تجعل العقل منفتحًا على الحقيقة من دون أن يدّعي امتلاكها امتلاكًا نهائيًا. ولذلك فإن حدود الفهم لا تعني استحالة الحقيقة، بل تعني أن الحقيقة أكبر من كل صياغة نهائية لها.
ثانيًا: هايدغر والانتقال من هرمينوطيقا النص إلى أنطولوجيا الفهم
يجد هذا التحول أساسه الأعمق في قراءة غرايش لهايدغر. فإذا كانت الهرمينوطيقا التقليدية قد ارتبطت أساسًا بتفسير النصوص، فإن هايدغر نقلها إلى مستوى أكثر جذرية عندما جعل الفهم متعلقًا ببنية وجود الإنسان نفسه. وهذا البعد هو الذي يستثمره غرايش في قراءته لـSein und Zeit، ولا سيما في كتابه Ontologie et temporalité.
فالـDasein ليس ذاتًا معرفية تقف خارج العالم لكي تمثله، وإنما هو «وجود-في-العالم»؛ أي وجود متورط أصلًا في شبكة من العلاقات والإمكانات والدلالات. ومن ثم فإن فهم العالم ليس فعلًا معرفيًا منفصلًا عن الوجود، بل طريقة في الوجود ذاته. إن الإنسان لا يمتلك الفهم كما يمتلك أداة، بل يوجد بطريقة تجعل الفهم أحد أبعاده التكوينية.
وهنا تكتسب الهرمينوطيقا بعدها الأنطولوجي: إنها لا تسأل فقط عن شروط تفسير النص، وإنما عن شروط انكشاف الوجود للإنسان. ومن هذه الزاوية، يصبح الزمن عنصرًا حاسمًا؛ فالإنسان لا يفهم نفسه خارج مسار زمني يتضمن ذاكرة الماضي، وانفتاح المستقبل، وقلق الحاضر. إن معنى الوجود لا يُعطى دفعة واحدة، بل يتشكل في حركة مستمرة بين ما كان وما يمكن أن يكون.
وبذلك يلتقط غرايش أحد أهم التحولات التي أحدثها هايدغر: لم يعد الفهم فعلًا تقوم به الذات تجاه موضوع، بل أصبح بنية من بنيات وجود الذات نفسها. وهذه النقلة هي التي تسمح للهرمينوطيقا بأن تتحول من نظرية في التفسير إلى أنطولوجيا للفهم.
ثالثًا: الكوجيتو التأويلي وإعادة صياغة الذات
تبلغ هذه المسألة مستوى أكثر دقة في كتاب غرايش Le Cogito herméneutique. فالمشكلة لم تعد متعلقة بفهم العالم فقط، وإنما بفهم الذات التي تدّعي أنها تفهم. وإذا كان الكوجيتو الديكارتي قد أسس الذات على يقين الوعي بذاته، فإن غرايش يسائل هذا النموذج من خلال الهرمينوطيقا: هل تستطيع الذات أن تبلغ حقيقتها بصورة مباشرة، أم أنها لا تصل إلى نفسها إلا عبر وسائط التأويل؟
إن الذات التأويلية ليست ذاتًا شفافة لنفسها؛ إنها ذات تمر عبر اللغة والذاكرة والرمز والنص والآخر. لذلك لا تتحدد هويتها باعتبارها جوهرًا ثابتًا، بل باعتبارها مسارًا من الفهم وإعادة الفهم. وهنا تتقاطع فلسفة غرايش مع المشروع الريكوري في نقطة جوهرية: الذات لا تُفهم بالعودة المباشرة إلى داخلها، وإنما عبر العلامات والرموز والسرديات التي تمنح تجربتها قابلية للفهم.
لكن الأهم أن هذا التصور لا يلغي الذات، وإنما يعيد تعريفها. فالذات لا تختفي داخل اللغة أو التاريخ، بل تصبح ذاتًا أكثر تركيبًا؛ ذاتًا تعرف أن علاقتها بنفسها تمر دائمًا عبر شيء آخر. ولذلك يمكن النظر إلى الكوجيتو التأويلي باعتباره تجاوزًا مزدوجًا: تجاوزًا لشفافية الذات الديكارتية، وتجاوزًا في الوقت نفسه للعدمية التي تنكر إمكان معرفة الذات.
إن «أنا» غرايش ليست نقطة بداية مطلقة، وإنما نتيجة لمسار تأويلي. إنها ذات تتعلم أن تفهم نفسها من خلال ما تقرأه وتعيشه وتتذكره وترويه. وهنا يصبح السؤال عن الهوية سؤالًا عن مسار المعنى أكثر منه سؤالًا عن جوهر ثابت.
رابعًا: التأويل بين الحقيقة وعدم اليقين
إذا كان الفهم مشروطًا بالتاريخ واللغة والوجود، فإن التأويل لا يمكن أن ينتج يقينًا مطلقًا. غير أن غرايش لا يحوّل هذا الوضع إلى مأزق معرفي، بل يمنحه قيمة فلسفية. ففي حديثه عن الهرمينوطيقا بوصفها «حكمة لعدم اليقين»، يدافع عن عقل قادر على الاستمرار في البحث من دون الحاجة إلى إغلاق السؤال.
عدم اليقين هنا ليس نقيضًا للحقيقة، بل هو وعي بالطابع غير المكتمل لكل معرفة. فالمعنى لا ينكشف كله في لحظة واحدة، والقراءة الجادة لا تنتهي بمجرد إنتاج تفسير؛ إنها تفتح إمكانات جديدة للفهم. ولذلك فإن التأويل الحقيقي لا يختزل النص في معنى واحد نهائي، كما لا يتركه في فوضى الدلالات، وإنما يتحرك في المسافة الدقيقة بين الانفتاح والانضباط.
من هذه الزاوية، تكتسب الهرمينوطيقا بعدًا أخلاقيًا؛ لأنها تعلم العقل فضيلة الإصغاء، وتدعوه إلى تأجيل الحكم، وإلى مقاومة الرغبة في اختزال المختلف في قوالب جاهزة. فالتأويل ليس مجرد نشاط معرفي، وإنما ممارسة تقتضي الاعتراف بأن الآخر، والنص، والتجربة، يمكن أن يقولوا أكثر مما تسمح به توقعاتنا الأولية.
خامسًا: من العقل التأويلي إلى فلسفة الدين
يتسع أفق غرايش عندما ينتقل إلى فلسفة الدين، خصوصًا في مشروعه الكبير Le Buisson ardent et les lumières de la raison. فالسؤال الديني بالنسبة إليه لا يمكن اختزاله في ثنائية ساذجة بين الإيمان والعقل؛ إذ إن التجربة الدينية نفسها تحمل بنى رمزية ولغوية وتأويلية تجعلها قابلة للدخول في مجال التفكير الفلسفي.
لا يريد غرايش إخضاع الدين للعقل اختزالًا، ولا تحرير الدين من العقل بصورة دوغمائية؛ وإنما يبحث عن إمكان عقل تأويلي يستطيع أن يصغي إلى التجربة الدينية دون أن يتنازل عن وظيفته النقدية. وبذلك تصبح فلسفة الدين اختبارًا لقدرة العقل على التعامل مع ما يتجاوز المفهوم المباشر دون أن يتحول إلى عقل مغلق.
وهذا ما يجعل مشروع غرايش مختلفًا عن بعض أشكال العقلانية الصارمة وعن بعض أشكال الإيمانية المنغلقة في آن واحد. فالتأويل يتيح للعقل أن يبقى عقلًا، لكنه يمنعه من التحول إلى سلطة تختزل كل ما لا ينسجم مع مفاهيمها السابقة.
خاتمة: الهرمينوطيقا بوصفها أفقًا للفلسفة.
تكشف قراءة مشروع جان غرايش أن الهرمينوطيقا عنده ليست مجرد تقنية لقراءة النصوص، وإنما تحول في صورة العقل وفي معنى التفلسف نفسه. فمن «العصر التأويلي للعقل» إلى «الكوجيتو التأويلي»، ومن أنطولوجيا هايدغر إلى فلسفة الدين، يعمل غرايش على تفكيك صورة العقل المكتفي بذاته، من دون أن يتخلى عن مطلب الحقيقة.
إن الرهان الحقيقي لفلسفته هو إعادة بناء علاقة أكثر تواضعًا وأكثر خصوبة بين العقل والحقيقة: عقل لا يدّعي امتلاك المعنى، ولا يتخلى في المقابل عن البحث عنه. ولهذا يصبح التأويل عند غرايش فعلًا مزدوجًا: كشفًا للمعنى، واعترافًا في الوقت نفسه بأن المعنى يظل أوسع من كل كشف.
ومن هنا يمكن فهم راهنية غرايش ففي عالم تتسارع فيه الأحكام وتنتشر فيه القراءات الاختزالية، تستعيد الهرمينوطيقا وظيفتها النقدية باعتبارها دفاعًا عن حق المعنى في التعقيد، وعن حق الحقيقة في ألا تختزل في أول تفسير لها. فالفلسفة لا تكون قوية حين تدّعي أنها قالت الكلمة الأخيرة، وإنما حين تستطيع أن تجعل السؤال أكثر دقة، والفهم أكثر عمقًا، والإنسان أكثر وعيًا بحدود نظرته إلى نفسه وإلى العالم.
***
بقلم: الدكتور معروفي العيد
...............................
الهوامش:
* جون غرايش: ولد في مدينة كوريش (لوكسمبورغ) عام 1942. أستاذ الفلسفة بالمعهد الكاثوليكي بباريس، وأحد أهم المتخصصين في التأويليات والتأويليات المطبَّقة على الفلسفة والدين. من أشهر أعماله «الأنطولوجيا والزمانية: مدخل إلى تأويل كامل للوجود والزمان لهايدغر» (1994م) و«العوسج المتوهج وأنوار العقل: ابتكار فلسفة الدين» في ثلاثة أجزاء (2002-2004م).
1. Jean Greisch, L’Âge herméneutique de la raison, Paris, Éditions du Cerf, 1986.
2. Jean Greisch, Le Cogito herméneutique. L’herméneutique philosophique et l’héritage cartésien, Paris, Vrin, 2000.
.3 جان غرايش، الكوجيتو التأويلي : الهرمينوطيقا الفلسفية والإرث الديكارتي، ترجمة فتحي إنقزو، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط/بيروت،2020.








