بين الحياد المنهجي وتدخل الذات العارفة
تنهض المعرفة الإنسانية على مفارقة لا تستطيع العلوم التي تتخذ الإنسان موضوعاً لها أن تتجاوزها بسهولة، فالإنسان يريد أن يعرف نفسه غير أن الذات التي تطلب المعرفة هي نفسها جزء من العالم الذي تريد إخضاعه للفهم. ومن هذه الوضعية المزدوجة يتولد السؤال عن إمكان الموضوعية في العلوم الإنسانية إذ لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن تقنية أكثر دقة أو منهج أكثر صرامة، وإنما بمساءلة العلاقة التي تجعل المعرفة ممكنة في أصلها. فالذات العارفة ليست واقفة خارج موضوعها في موقع المراقب المحايد، والموضوع الإنساني ليس شيئاً صامتاً يُنتزع من سياقه ويُثبَّت أمام النظر كما تُثبَّت الظواهر الطبيعية في المختبر. إننا أمام معرفة يكون فيها العارف جزءاً من مجال المعرفة ويكون موضوع المعرفة حاملاً للوعي والمعنى والتاريخ واللغة والقيمة بحيث يصعب الفصل بين ما يُكتَشَف وما يُبنى في آن واحد.
ولهذا اكتسبت فكرة الموضوعية في العلوم الإنسانية طابعاً إشكالياً خاصاً لا نظير له في العلوم الطبيعية. فالموضوعية في دلالتها الكلاسيكية ارتبطت بمطلب التحرر من الأحكام المسبقة وبإقامة مسافة بين الباحث والظاهرة وبإخضاع الوقائع لمناهج تسمح بالتحقق من النتائج وإعادة اختبارها من قبل آخرين. وقد كان هذا المطلب ضرورياً في مواجهة المعرفة الانطباعية التي لا تستند إلى قواعد واضحة وفي تحرير البحث العلمي من سلطة الرأي الفردي والهوى الشخصي. غير أن استدعاء هذا النموذج إلى مجال الإنسان كشف عن مفارقة عميقة لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في دراسة الظواهر الطبيعية، كيف تُقام مسافة كاملة عن موضوع هو في الوقت نفسه عالم الباحث نفسه ولغته وتاريخه ومنظومة قيمه؟ وكيف تُفصل الوقائع الإنسانية عن المعاني التي تمنحها قيمتها بالنسبة إلى من يعيشونها دون أن يتحول هذا الفصل نفسه إلى تشويه للظاهرة المدروسة؟ وهل يمكن وصف فعل إنساني وصفاً علمياً إذا جرى تجاهل القصد الذي يوجهه والمعنى الذي يمنحه الفاعل إياه؟
والسؤال يأخذ بعداً أعمق حين ندرك أن الباحث لا يواجه موضوعاً مكتمل التكوين ينتظر منه أن يكتشفه كما هو وإنما يساهم في صياغة موضوعه منذ اللحظة التي يطرح فيها سؤالاً معيناً دون غيره. فاختيار الظاهرة وانتقاء الوثائق وتحديد المفاهيم وصياغة الفرضيات وترتيب المعطيات، كلها عمليات تدخل في تشكيل الموضوع المعرفي قبل أن يبدأ التحليل نفسه. وما يبدو للوهلة الأولى واقعاً مستقلاً عن الذات لا يصل إلى مجال العلم إلا بعد أن يمر عبر شبكة من المفاهيم والإجراءات والاختيارات بحيث لا تكون الذات العارفة مجرد عين تستقبل الواقع بل طرفاً في بناء الصورة التي يظهر بها هذا الواقع داخل المعرفة. غير أن الاعتراف بهذا الدور لا يعني أن الحقيقة تصبح رهينة للباحث ولا أن كل تفسير يدّعي المشروعية لمجرد كونه تعبيراً عن منظور خاص؛ فإذا كان استبعاد الذات مستحيلاً فإن إطلاقها من كل قيد يؤدي إلى انهيار الفارق بين المعرفة والرأي. وإذا كان الباحث لا يستطيع التخلص من أفقه التاريخي والثقافي فإن ذلك لا يمنحه الحق في فرض هذا الأفق على موضوعه دون مقاومة منهجية. والمسألة إذن لا تنحصر في الاختيار بين موضوعية مطلقة وذاتية مطلقة بل يتشكل بينهما مجال أكثر تعقيداً تصبح فيه الموضوعية مرتبطة بقدرة المعرفة على كشف شروط إنتاجها وبقدرة الباحث على جعل افتراضاته قابلة للنقد والمراجعة.
وقد مثّل أوغست كونت أحد أبرز التعبيرات عن الطموح الذي سعى إلى بناء علم للمجتمع يستفيد من نموذج العلوم الطبيعية معتبراً أن المجتمع ينبغي أن يتحول إلى موضوع علمي يمكن إخضاعه للملاحظة والتفسير وفق انتظامات محددة وأن تقدم العلوم الإنسانية يتوقف على تحررها من التأملات الميتافيزيقية والأحكام القيمية التي يصعب إخضاعها للتحقق التجريبي. وقد ساهم هذا التصور الوضعي في ترسيخ فكرة أن الظواهر الاجتماعية ليست مجرد وقائع عابرة تخضع للمزاج الفردي وإنما بنى وعلاقات يمكن دراستها بمنهج منظم يستفيد من نجاح العلوم الطبيعية في الكشف عن القوانين العامة والتنبؤ بالظواهر. غير أن نقل هذا النموذج إلى المجال الإنساني بصورة حرفية كشف عن صعوبة إبستمولوجية عميقة، الظاهرة الإنسانية لا تقدّم نفسها للباحث باعتبارها واقعة خارجية مستقلة عن المعنى؛ فالفعل الإنساني يحمل دلالة بالنسبة إلى صاحبه وهذه الدلالة جزء من الفعل ذاته لا زائدة عليه. حين يدرس الباحث فعلاً اجتماعياً أو سياسياً أو دينياً فإن وصف الحركة الخارجية لا يستنفد حقيقة الفعل؛ إذ يتعين فهم المقاصد التي توجهه والتصورات التي تمنحه معنى والسياق الرمزي الذي يجعله مفهوماً بالنسبة إلى الفاعلين أنفسهم.
وقد كان فيلهلم دلتاي من أهم من بلوروا هذا الاعتراض حين ميّز بين علوم الطبيعة التي تتجه إلى التفسير السببي وعلوم الروح التي تتجه إلى فهم التجربة الإنسانية ضمن سياقها التاريخي والمعيشي. فالفهم هنا ليس عملية نفسية ذاتية عابرة بل نمط معرفي قائم بذاته يتأسس على استعادة البنية الدلالية للفعل الإنساني ضمن شروطه التاريخية والاجتماعية. ومعنى ذلك أن الباحث لا يستطيع التعامل مع الإنسان بوصفه موضوعاً خارجياً صرفاً لأن الظواهر الإنسانية لا تكتمل دلالتها إلا من خلال شبكة المعاني التي ينتجها الإنسان ويعيش داخلها، وهي شبكة لا يمكن للملاحظة الخارجية وحدها أن تدرك تماسكها الداخلي. وتتضح هذه القضية بجلاء أكبر في العلوم التاريخية، فالمؤرخ لا يواجه الماضي مباشرة بل يتعامل مع وثائق وشهادات وآثار ومرويات انتقلت إليه عبر مسارات معقدة ومتعددة الوسطاء، وهو الذي يختار الوثائق التي يوليها أهمية ويرتب الأحداث داخل تسلسل معين ويحدد العلاقات التي يراها ذات دلالة تاريخية. وحتى صياغة السؤال التاريخي توجه عملية البحث منذ بدايتها؛ ولهذا لا يمكن أن يكون التاريخ تسجيلاً محايداً لما حدث بل بناءً معرفياً للوقائع اعتماداً على مصادر ومنهج وتأويل متشابك.
ويمكن أن نستفيد هنا مما طرحه غاستون باشلار حول ما سمّاه العقبة الإبستمولوجية، إذ بيّن أن المعرفة العلمية لا تتقدم بتراكم الملاحظات المحايدة بل بقطيعة مستمرة مع التصورات المسبقة والتمثلات الأولية التي يحملها الباحث عن موضوعه قبل أن يخضعه للفحص. وهذا التصور وإن صيغ أصلاً في سياق العلوم الطبيعية يكتسب دلالة أعمق في العلوم الإنسانية؛ إذ إن التمثلات المسبقة التي على الباحث أن يقطع معها ليست فقط أخطاء إدراكية عابرة بل قد تكون بنى ثقافية ولغوية راسخة يصعب على الباحث أن يلحظها بوصفها عقبة أصلاً، لأنها تبدو له جزءاً من بداهة اللغة التي يفكر بها لا موضوعاً يستوجب المساءلة. وبناء الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية لا يقتصر على تنقية الملاحظة من الهوى الشخصي بل يمتد إلى مساءلة المفاهيم التي تبدو للوهلة الأولى أدوات محايدة صرفة.
أظهر ماكس فيبر من جهته أن العلاقة بين القيم والبحث العلمي أكثر تركيباً مما قد يبدو لأول وهلة. فاختيار موضوع البحث يرتبط بما يسميه الاعتبار القيمي، إذ لا يستطيع الباحث أن يدرس كل شيء فيحتاج إلى اختيار ما يعتبره جديراً بالفحص من بين عدد لا متناه من الظواهر الممكنة. غير أن هذا الاعتبار القيمي في اختيار الموضوع لا يعني بالضرورة تحويل البحث إلى خطاب معياري؛ فهناك فرق جوهري بين أن تحدد القيم مجال اهتمام الباحث وبين أن تتحول نتائج بحثه إلى أحكام قيمية غير قابلة للفحص العلمي. وكون الباحث يعتبر ظاهرة معينة جديرة بالدراسة لا يعني أنه يستطيع أن يجعل البحث أداة لإدانتها أو الدفاع عنها دون حجة، فالاختيار الأولي للموضوع قد يتأثر باهتمامات فكرية أو اجتماعية أو تاريخية لكن بناء النتائج يجب أن يظل خاضعاً للأدلة والتحليل لا للموقف المسبق. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يكشف أن الحياد المنهجي لا يعني غياب كل قيمة عن عملية البحث؛ فالعلم نفسه يفترض قيماً معرفية كالدقة والاتساق والقدرة على التبرير وقابلية النتائج للنقد. وما ينبغي استبعاده هو توظيف البحث لإثبات موقف مسبق بطريقة تمنع مراجعة الفرضيات في ضوء المعطيات الجديدة. الموضوعية وفق هذا التصور ليست حالة ذهنية يبلغها الباحث فيحتفظ بها نهائيا بل سيرورة مستمرة من المراجعة والنقد والتصحيح والتي لا تكتمل عند حد معين.
وقد أسهم كارل بوبر من زاوية أخرى تتصل بمنطق البحث العلمي عموماً في تعميق هذا الفهم الإجرائي للموضوعية حين جعل معيارها لا في اليقين الذي تبلغه نظرية ما بل في قابليتها للتكذيب أي في إمكان تعريضها لاختبار قد يفندها. وإذا كان هذا المعيار قد صيغ أصلاً لتمييز العلم عن غير العلم في مجال الطبيعة فإن روحه تصلح مدخلاً مفيداً لفهم الموضوعية في العلوم الإنسانية أيضاً لا بوصفه معياراً شكلياً صارماً يمكن تطبيقه حرفياً على التأويل بل بوصفه تذكيراً بأن ما يميز المعرفة عن الرأي ليس صدورها عن باحث يدعي الحياد وإنما بقاؤها مفتوحة أمام إمكان النقض والمراجعة. فالفرضية التي تُصاغ بحيث تستوعب سلفا كل اعتراض محتمل والتفسير الذي يُقصي مسبقاً كل معطى مخالف كلاهما يقترب من اليقين المغلق أكثر مما يقترب من المعرفة العلمية مهما بدا متماسكاً في ظاهره.
عمقت الفينومينولوجيا هذا الإشكال من خلال إعادة النظر في العلاقة بين الذات والعالم من أساسها. فإدموند هوسرل جعل الوعي وعلاقته بالموضوع محوراً أساسياً للتحليل وأظهر أن الموضوع لا يظهر للوعي خارج شروط القصدية التي تجعله متجهاً إليه؛ لا يعني هذا أن الواقع مجرد إنتاج ذاتي خالص بل يعني أن معرفته تمر عبر بنية إدراكية وقصدية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها بادعاء رؤية مباشرة للأشياء كما هي في ذاتها. والبحث عن الموضوعية يقتضي فحص شروط ظهور الموضوع للذات لا افتراض وجود معرفة خالصة منفصلة عن كل توسط. وقد ساهم هذا التحول في تراجع صورة العلم باعتباره مرآة شفافة للواقع لصالح تصور أكثر تركيباً يرى أن المعرفة العلمية تتشكل من خلال مفاهيم ونماذج وفرضيات وأدوات قياس لا تُعطى معزولة عن الذات التي تستخدمها. وإذا كانت هذه المسألة واضحة في العلوم الطبيعية فإنها تزداد وضوحاً في العلوم الإنسانية حيث يرتبط موضوع البحث أصلاً باللغة والتاريخ والتأويل ارتباطا لا انفكاك عنه.
فاللغة نفسها تمثل وسيطاً لا يمكن تجاوزه بأي حال. فالباحث يصف الظاهرة بواسطة مفاهيم لغوية، وهذه المفاهيم ليست محايدة بصورة مطلقة؛ إذ تحمل تاريخاً دلالياً وتتحدد داخل تقاليد معرفية وثقافية معينة سبقت الباحث نفسه. فحين نتحدث عن مفاهيم مثل الحداثة أو التخلف أو العقلانية أو الهوية أو التقدم أو المجتمع، فإننا لا نستعمل ألفاظاً فارغة من التاريخ بل كل مفهوم منها يستدعي شبكة كاملة من التصورات والافتراضات التي تشكلت عبر سياقات فكرية محددة. ولذلك فإن بناء الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية يتطلب وعياً نقدياً باللغة التي يوصف بها الموضوع نفسه لا اطمئناناً إلى شفافيتها المفترضة. وتظهر خطورة هذا الأمر حين تصبح المفاهيم التي يستخدمها الباحث مفروضة على الظاهرة بدل أن تكون أدوات لفهمها؛ فقد يؤدي استعمال مفهوم مستمد من سياق ثقافي معين في دراسة مجتمع مختلف إلى إنتاج صورة مشوهة للموضوع المدروس تُقاس فيها خصوصية ذلك المجتمع بمقياس لا ينتمي إليه أصلاً. وتظهر في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية أسئلة نقدية حول المركزية الثقافية وحول قدرة الباحث على تجاوز موقعه التاريخي والثقافي أثناء دراسة المجتمعات الأخرى؛ فادعاء الحياد المطلق قد يخفي أحياناً حضوراً غير معلن لمقولات ثقافية خاصة تتحول من دون وعي من الباحث إلى معايير عامة للحكم على الظواهر الإنسانية المختلفة عنها.
غير أن هذا النقد لا يبلغ عمقه الحقيقي إلا إذا امتد من نقد التطبيق الخاطئ للمفاهيم إلى مساءلة المفاهيم “المحايدة” نفسها في أصل تكونها. وهنا يمكن الاستفادة من نقد قريب من هذه الإشكالية نشأ من داخل تقليد معرفي آخر أقل حضوراً في هذا النقاش، فقد بيّن محمد عابد الجابري أن العقل نفسه ليس أداة واحدة محايدة تُستعمل بصورة موحدة عبر الثقافات والعصور بل ينتظم تاريخيا في أنظمة معرفية متمايزة؛ نظام بياني يقوم على سلطة النص والقياس عليه ونظام عرفاني يقوم على الكشف والمعنى الباطن ونظام برهاني يقوم على الاستدلال المنطقي والتجربة المضبوطة، ولكل نظام من هذه الأنظمة شروط إنتاج تسبق ممارسته وتتحكم فيما يمكن أن يظهر له وما يظل غائباً عنه. والدرس المستفاد من هذا التمييز أن “الحياد” ليس نقطة انطلاق يمتلكها الباحث تلقائيا بحكم انتمائه إلى منهج علمي بعينه، بل هو نفسه نتاج نظام معرفي له تاريخه وحدوده الخاصة؛ فالمفهوم الذي يبدو للباحث بديهياً وشفافاً قد يحمل بالفعل بنية ميتافيزيقية أو ثقافية مضمرة لم تُخضَع للفحص لأنها اتُّخذت مسلّمة لا موضوعاً للنظر. ويعمّق هذا ما سبقت الإشارة إليه بشأن اللغة والمفاهيم، فالمسألة ليست فقط أن المفاهيم “تحمل تاريخاً” بالمعنى العام بل أن تاريخها قد يكون تاريخ نظام معرفي كامل غير مُعلَن له قواعده الخاصة في تمييز الحق من الباطل، وهي قواعد قد تختلف اختلافاً جوهرياً عن قواعد النظام الذي نشأ فيه الباحث نفسه حين يدرس ظاهرة تنتمي إلى تقليد معرفي آخر.
ويستدعي هذا بدوره ما طرحه ابن رشد حين ميّز بين طرق البرهان الثلاث: الخطابية والجدلية والبرهانية بحسب استعداد الذات العارفة نفسها لتلقي الحجة لا بحسب طبيعة الموضوع وحده. فالحقيقة الواحدة عند ابن رشد قد تُبلَّغ بطرق مختلفة تبعاً لموقع من يتلقاها ومستوى تأهله للنظر العقلي من غير أن يعني هذا التعدد في طرق البلاغ تعدداً في الحقيقة ذاتها. وهذا التمييز على قدمه يقترب من زاوية أخرى من الفكرة المعاصرة القائلة إن موضوعية المعرفة لا تنفصل عن شروط الذات التي تنتجها وتستقبلها معاً وإن السؤال عن صدق قضية ما لا يمكن فصله كلياً عن السؤال وعن الطريقة التي بها بلغتها الذات وتهيأت لاستيعابها. وإذا كان ابن رشد قد طرح هذا التمييز في سياق العلاقة بين الفلسفة والشريعة فإن جوهره المنهجي — أن العقل الواحد يتعامل مع الحقيقة بمستويات متفاوتة من الصرامة بحسب استعداده — يظل صالحاً لإضاءة سؤال الموضوعية في العلوم الإنسانية من موقع لا يكتفي باستيراد الإشكال جاهزا من التقليد الغربي وحده.
إذا كانت الموضوعية تعني إلغاء الذات العارفة إلغاءً كاملاً فإن تحقيقها في العلوم الإنسانية يصبح أمراً متعذراً بداهة. أما إذا كانت تعني إخضاع الذات لشروط منهجية صارمة تحول دون تحوّل المعرفة إلى تعبير عن المواقف الشخصية المحضة فإنها تظل مطلباً ممكناً وضرورياً في آن. وهذا التحوّل في فهم الموضوعية ينقل النقاش من سؤال استبعاد الذات إلى سؤال ضبط حضورها؛ فالذات الباحثة لا يمكن محوها من العملية المعرفية بأي حيلة منهجية لكنها تستطيع أن تجعل شروط تدخلها قابلة للفحص والنقد والمراجعة من قبل آخرين. لهذا أصبح الوعي بموقع الباحث جزءاً من صرامة البحث نفسه لا استثناء عليها؛ فالإفصاح عن المفاهيم المستخدمة وتحديد حدود الدراسة بدقة وشرح طبيعة المصادر وتبرير اختيار المنهج وتمييز المعطى عن التأويل، كلها إجراءات تحوّل الذاتية من عنصر خفي يعمل من دون أن يشعر به أحد إلى عنصر يمكن مراقبته منهجياً والاختلاف بشأنه. وهذا ما يقود إلى مفهوم الانعكاسية أي قدرة الباحث على جعل عملية البحث نفسها موضوعاً للفحص؛ فهو لا يسأل فقط ماذا تكشف الظاهرة؟ وإنما يسأل أيضاً لماذا اخترت هذه الزاوية بالذات؟ ولماذا اعتمدت هذا المفهوم دون غيره؟ وما الذي قد يكون غائباً عن رؤيتي بحكم موقعي؟ وما الافتراضات التي تتحكم خفية في صياغة أسئلتي قبل أن أطرحها؟
غير أن الانعكاسية إذا اقتصرت على كونها إجراءً تقنياً للإفصاح عن الموقع النظري تبقى ناقصة في عمقها؛ إذ يمكن للباحث أن يُعلن افتراضاته إعلاناً شكلياً بصياغة مقبولة أكاديمياً من دون أن يُخضعها فعلياً لمساءلة تمس مسؤوليته تجاه موضوعه ومن يتحدث باسمهم أو عنهم. وهنا تفيد الاستعانة بما طرحه طه عبد الرحمن تحت مفهوم الائتمانية أن المعرفة ليست مجرد إجراء تقني محايد تجاه المعلوم بل هي في جوهرها علاقة ائتمان تستوجب من الباحث التزاماً أخلاقياً تجاه من ائتمنه ضمناً أو صراحة على النظر في شأنهم — سواء كانوا أفراد موضوع البحث أنفسهم أم المجتمع الذي يخاطبه بنتائج بحثه أم التراث الذي يستعير منه مفاهيمه ويُخضعه للتحليل. فضبط الذات على هذا الفهم الائتماني لا يتحقق فقط بجعل الافتراضات “قابلة للفحص” منطقياً وإجرائياً بل بجعل الباحث مسؤولاً أخلاقياً عن الأثر الذي يُحدثه تأويله في الموضوع الإنساني الذي يتناوله وعمّا قد يترتب على معرفته من نتائج تمسّ من درسهم. وبذلك تنتقل الانعكاسية من كونها شرطاً إجرائياً محضاً إلى كونها موقفاً أخلاقياً-معرفياً في آن واحد، ولا يكتفى بالسؤال “هل هذا صحيح منهجياً؟” بل يضيف إليه سؤالاً لا يقل جدية: “ما الذي يترتب على قولي هذا ولمن؟”. وهذا بُعد تحتاجه العلوم الإنسانية تحديداً لأن موضوعها بشر أحياء لهم كرامة ومصائر لا جمادات لا تتأثر بالوصف الذي يُطلَق عليها.
وتتأكد أهمية هذا البعد حين نستحضر أن الظواهر الإنسانية لا يمكن فهمها من خلال التفسير السببي وحده؛ فالإنسان لا يتحرك باعتباره مجرد نقطة داخل سلسلة من الأسباب الميكانيكية وإنما يمنح أفعاله معاني ودلالات ويبررها لنفسه وللآخرين ويعيد النظر فيها بحسب الظروف. لذلك يحتاج الباحث إلى الانتقال من مجرد السؤال عن أسباب السلوك إلى السؤال عن معناه ودلالته داخل السياق الذي نشأ فيه. غير أن الفهم نفسه يثير مشكلة قد تبدو معاكسة لما سبق، فإذا كان الفهم يتطلب مشاركة الباحث في عالم المعنى الذي يدرسه أفلا يؤدي ذلك إلى الذاتية التي يُفترض أن يتجنبها؟ إن الخطر موجود بالفعل إذا تحول الفهم إلى إسقاط لتجربة الباحث الخاصة على تجربة الآخرين. لكن الفهم المنهجي يختلف جوهرياً عن التعاطف العفوي أو الانطباع الشخصي؛ فهو يسعى إلى إعادة بناء المعنى انطلاقاً من القرائن والسياقات والخطابات والممارسات الفعلية مع إبقاء التأويل مفتوحاً أمام الاعتراض والمراجعة من آخرين قرأوا المادة نفسها. ولذلك لا يكون الفهم نقيضاً للموضوعية بل يصبح موضوعياً بقدر ما يخضع هو نفسه لشروط التبرير والمناقشة العلنية لا بقدر ما يدعي صاحبه صدقاً في نيته وحدها.
يحتاج الباحث من جهة أخرى إلى مسافة تفصله عن موضوعه حتى لا تتحول المعرفة إلى موقف شخصي مباشر يفتقر إلى أي مسافة نقدية لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الاقتراب من العالم المدروس حتى يفهم معانيه الداخلية التي لا تظهر لمن يكتفي بالنظر من الخارج. فالمسافة الزائدة تنتج معرفة خارجية تختزل الإنسان في مؤشرات وأرقام مجردة من الحياة التي تمنحها معناها والاندماج الكامل مع الموضوع قد يُفقد الباحث قدرته النقدية ويحوّل معرفته إلى شهادة داخلية لا يمكن تعميمها أو مساءلتها. ولا يمكن تحقيق هذا التوازن الدقيق بقاعدة واحدة صالحة لكل العلوم الإنسانية على اختلافها، لأن طبيعة الموضوع نفسها هي التي تحدد بدرجة كبيرة الأدوات المناسبة له، فدراسة ظاهرة انتخابية واسعة قد تستفيد من الأساليب الإحصائية التي تكشف الاتجاهات العامة، بينما تحتاج دراسة تجربة اجتماعية محددة إلى المقابلة والملاحظة الدقيقة للتفاصيل، وقد يتطلب البحث التاريخي نقد الوثائق ومقارنة المصادر، في حين يحتاج تحليل الخطاب إلى تفكيك البنى اللغوية والدلالية التي يتشكل منها. ومن ثم فإن التعدد المنهجي ليس علامة على ضعف العلوم الإنسانية أو افتقارها إلى صرامة العلوم الطبيعية بل هو استجابة ضرورية لاختلاف موضوعاتها ومستوياتها التي لا يستوعبها منهج واحد مهما بلغت دقته.
وحتى الأرقام على الرغم مما يُنسب إليها عادة من موضوعية ظاهرة تفوق التفسيرات الكيفية لا تحمل دلالتها العلمية بمعزل عن طريقة إنتاجها؛ فاختيار المتغيرات وصياغة الأسئلة وتحديد العينة واختيار أدوات القياس ثم تفسير النتائج بعد ذلك، كلها عمليات تتدخل فيها قرارات الباحث تدخلاً حاسماً وإن بقي خفياً عن القارئ. ولذلك فإن الكمية لا تلغي حضور الذات وإنما تنقل تدخلها إلى مستويات أكثر خفاءً وأصعب على الرصد؛ وقد يكون الرقم دقيقاً من الناحية الحسابية، لكنه يظل عاجزاً عن تقديم معرفة سليمة إذا كان السؤال الذي أنتجه أو المفهوم الذي يقيسه مضللاً في أصله. وبالمثل فإن الدراسات الكيفية لا ينبغي اختزالها في الذاتية لمجرد اعتمادها على المقابلات أو الملاحظة أو التأويل؛ فالبحث الكيفي يمكن أن يبلغ درجة عالية من الصرامة حين يحدد خطواته بوضوح ويقارن الشهادات المختلفة ويراجع تأويلاته باستمرار ويبحث عمداً عن الحالات المخالفة التي قد تُفند فرضيته ويفصل بوضوح بين ما يقوله الفاعلون عن أنفسهم وبين تفسير الباحث لما يقولونه. والملاحظ أن الموضوعية لا ترتبط بنوع واحد من المناهج دون غيره بل بطريقة استعمال المنهج وقدرته على جعل عملية إنتاج المعرفة قابلة للفحص من الآخرين.
غير أن تعدد المناهج لا يعني أن كل تفسير يصبح صحيحاً لمجرد كونه ممكناً منطقياً أو متسقاً داخلياً؛ فالموضوعية تقتضي وجود معايير حقيقية للمفاضلة بين التفسيرات المتنافسة من دون أن يتحول ذلك إلى حكم مسبق يستبعد بعضها لمجرد مخالفته لموقف الباحث. والتفسير الأقوى هو الذي يستطيع أن يقدّم حججاً أكثر اتساقاً فيما بينها، وأن يستند إلى معطيات ملائمة فعلاً لا مختارة انتقائياً لتأييد نتيجة مقررة سلفاً وأن يفسّر أكبر قدر ممكن من الظاهرة من دون تناقض داخلي وأن يبقى مع ذلك كله قابلاً للمراجعة أمام أدلة جديدة قد تظهر لاحقاً. ولا تقوم الموضوعية على اليقين المطلق الذي لا يقبل الجدل وإنما على قوة التبرير وقابلية المعرفة للتصحيح المستمر. وإذا كانت الذات لا يمكن إقصاؤها والموضوع لا ينكشف إلا عبر مفاهيم ولغة وتأويل يحملها الباحث معه، فإن الموضوعية تصبح في نهاية المطاف عملية جماعية للنقد والتصحيح لا مِلكاً فردياً لأحد؛ فلا يكفي أن يكون الباحث نزيهاً أو حسن النية، لأن النية وحدها لا تكشف دائماً عن مواطن التحيز الكامنة فيه وإنما ما يمنح البحث قوته الفعلية هو إخضاعه لرقابة منهجية ولنقاش علمي علني، بحيث يستطيع باحثون آخرون فحص مصادره وحججه ونتائجه والكشف عن مواطن القوة والقصور فيها من موقع مستقل عن موقعه هو.
يتضح من مجمل هذه الأسطر أن إشكالية الموضوعية في العلوم الإنسانية لا يمكن حلها عن طريق الاختيار البسيط بين الحياد المطلق والتدخل الذاتي غير المقيد؛ فكل محاولة لإقصاء الذات إقصاءً نهائياً تصطدم بحقيقة أن الباحث نفسه جزء من العالم الإنساني الذي يسعى إلى فهمه وأن موضوعه لا يقدّم نفسه مستقلا عن اللغة والتاريخ والمعنى الذي يحيط به من كل جانب. والتسليم الكامل بحضور الذات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لنفي إمكان المعرفة الموضوعية أصلاً أو إلى مساواة كل تفسير بغيره بدعوى أن الحياد المطلق مستحيل على كل حال. وبين هذين الحدين يتحدد المجال الحقيقي للعلم الإنساني لا كنقطة وسط هشة بين موقفين متطرفين بل كبناء إيجابي له شروطه الخاصة.
إن الموضوعية الممكنة في العلوم الإنسانية ليست موضوعية تقوم على غياب الذات وإنما موضوعية تقوم على تأديب الذات بالمنهج وهو تأديب ذو وجهين متلازمين لا ينفصلان: وجه إجرائي يتمثل في جعل الافتراضات والمفاهيم والمصادر قابلة للفحص والنقد من قبل الآخرين، ووجه أخلاقي-ائتماني يتمثل في تحمّل الباحث مسؤولية الأثر الذي يُحدثه تأويله فيمن ائتمنوه ضمناً أو صراحة على النظر في شأنهم. فالباحث لا يستطيع أن يمحو تاريخه وثقافته ومفاهيمه السابقة، لكنه يستطيع أن يكشفها وأن يختبر أثرها في بحثه وأن يضعها تحت سلطة النقد بدل أن يتركها تعمل من وراء ظهره. ومعرفة الباحث بحدوده شرطا من شروط قوته العلمية لا علامة ضعف فيه؛ فكلما كان أكثر وعياً بشروط نظره كان أكثر قدرة على التمييز بين ما تكشفه الظاهرة فعلاً وما يضيفه إليها هو من تأويل خاص به.
والحياد المنهجي في ضوء هذا كله لا ينبغي أن يُفهم باعتباره برودة معرفية أو غياباً للاهتمام بالقضايا المدروسة وإنما باعتباره التزاماً بألا تتحول النتيجة إلى شيء مقرر سلفاً منذ البداية. فقد يبدأ الباحث بسؤال نشأ من اهتمام فكري أو اجتماعي أو تاريخي عميق، وقد تكون وراء اختياره للموضوع دوافع شخصية متعددة لا حرج فيها، لكن القيمة العلمية لبحثه تتحدد بقدرته على ترك الأدلة توجه مسار التحليل حتى حين تقوده إلى نتائج لا تنسجم مع توقعاته الأولى أو ميوله الشخصية. وعليه، فإن الفرق الحاسم ليس بين بحث تتدخل فيه الذات وبحث لا تتدخل فيه، لأن هذا التدخل لا يمكن إلغاؤه تماماً في أي حال وإنما بين تدخل واعٍ قابل للفحص والمناقشة العلنية وتدخل خفي يوجه البحث من دون أن يخضع للمساءلة لأن صاحبه لا يعترف أصلاً بوجوده. في الحالة الأولى يصبح حضور الذات جزءاً من المنهج نفسه بينما يتحول في الحالة الثانية إلى مصدر خفي للتحيز يصعب تصحيحه لأنه غير معلن.
فالسؤال الأكثر دقة، إذن، ليس هل يستطيع الباحث أن يكون محايداً بصورة مطلقة؟ فهذا سؤال يفترض إمكاناً لم يعد قابلاً للدفاع عنه بعد كل ما تقدم. وإنما السؤال الأدق هو كيف يستطيع الباحث أن يجعل شروط نظره وتدخلاته الذاتية قابلة للكشف والنقد والضبط المنهجي المستمر؟ وفي صياغة هذا السؤال تحديداً تكمن النقلة من وهم الموضوعية المطلقة إلى موضوعية أكثر نضجاً وواقعية لا تتخلى عن مطلب الحقيقة رغم كل شيء ولا تتجاهل تاريخية المعرفة وارتباطها بمن ينتجها ولا تنكر حضور الإنسان في عملية معرفته لذاته ولعالمه معاً. إنها موضوعية تُفهم في نهاية التحليل بوصفها أفقاً منهجياً مفتوحاً لا امتلاكاً نهائياً لحقيقة مكتملة يمتلكها باحث بعينه دون سواه؛ موضوعية تتقدم تدريجياً كلما ازدادت المفاهيم المستخدمة وضوحاً والمصادر قابلية للفحص من الآخرين والحجج تماسكاً فيما بينها والباحث نفسه وعياً بموقعه وحدوده الخاصة. وهي لهذا كله، لا تعني غياب الخطأ عن المعرفة الإنسانية بل تعني وجود آليات فعلية تسمح باكتشاف هذا الخطأ وتصحيحه باستمرار، وهو ما يجعل من الاعتراف بالحدود شرطاً لتقدم المعرفة لا إعلاناً عن عجزها، ومن مراجعة الذات لنفسها أحد أعمق أشكال ممارسة الموضوعية ذاتها لا تراجعاً عنها.
***
د. حمزة مولخنيف








