عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (3)

(مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

ـ نظرية المعرفة بين التراكم والتوليد:

شاسعٌ هو الفرق وكبيرٌ جداً بين التراكم المعرفي والتوليد المعرفي، هل هو فرق في الدرجة أم فرق في النوع؟ واذا كان هو فرق في الدرجة كما هو ظاهر؛ فلماذا ترتب عليه إيثار الثاني على الأول بداهةً وتأخير درجة الأول عن الثاني، مع أن نوع المعارف، وإنْ كانت مختلفة، إلا أن موضوعها يكاد يكون واحداً؟

وهذا الفرق نفسه يجعلنا نُقيم منهجيّة القراءة على القراءة، لا على أساس التراكم بل على أساس التوليد، لأن هذه المنهجيّة نفسها لا تقوم لها قائمة بغير إضافة نوعيّة من جنسها، وبالتالي تصبح المعرفة الجديدة هي بالأساس توليد معرفة عن معرفة سابقة نتيجة لعنصر التأمل الفاعل فيها، لا تراكم معرفة بجوار أخرى، أو تجاور معرفة مع أخرى، بمثل ما تتجاور العناصر المتفرقة بعضها مع البعض الآخر بغير فاعليّة عقليّة بينهما، أو إضافة معرفة على معرفة أخرى دون أن يُحدث بينهما مثل هذا التفاعل العقلي البناء.

على ذلك؛ فإنّ التراكم لا يدل على النحو الذي نذهب إليه بمقدار ما يدل عليه التوليد. والتراكم لا يوظّف مفهوم منهجيّة القراءة على القراءة، على نحو ما تقدّم ذكره في السابق، بالقدر الذي يوظّفه التوليد؛ فالقراءة على القراءة منهج لا يثمر نتاج التفاعل بين معرفتين تصدر عنهما معرفة ثالثة وكفى بمثل ما جرى به في السابق تعريف الغزالي للفكر، ولكن قد يتولّد عن القراءتين ـ نتيجة للتفاعل العقلي بينهما ـ قراءة ثالثة، ورابعة، وخامسة إلى غير انتهاء، ثم إنّ هذه القراءات المتولدة إنما هي في الأصل معارف مُتجدّدة.

ولربما جاء الفرق الفارق لا يكمن بين التصورين - التراكم من جهة، والتوليد من جهة ثانية - في أن أحدهما يرفض التراكم والآخر يقبله، لا بل في طبيعة ما يحدث للمعرفة حين تتصل بمعرفة سابقة.

التصور التقليدي للتراكم المعرفي ينظر إلى المعرفة بوصفها مادةً تُضاف إلى مادة؛ فكل قراءة جديدة تزيد الرصيد المعرفي للقارئ، وكل كتاب يُضيف إلى ما سبقه، وكل معلومة تجد مكاناً في الذاكرة إلى جوار معلومات أخرى.

المعرفة، في هذا التصوّر، تنمو بالامتداد؛ أي إن الجديد ينضم إلى القديم، فيتسع المخزون. أمّا التصور التوليدي الذي نصطنعه، فإنّه يرى أن المعرفة لا تبلغ أخصب إمكاناتها حين تُضاف إلى معرفة أخرى، بل حين تُعيد تشكيل القدرة التي تنتج بذاتها المعرفة.

هنا تكمن المهمّة الأصعب، وهي أيضاً الأكثر أصالة فيما نتصوّر؛ إذ ليس الأهم هو البرهنة على أن القراءة تُنتج المعرفة، بل البرهنة على أن المعرفة في ذاتها بنية مولِّدة، وليست مخزوناً تراكميّاً حتى إذا ثبت أمامنا هذا الأصل، أصبحت منهجيّة "القراءة على القراءة" نتيجةً طبيعية له، لا مجرد اقتراح منهجي وكفى. وهذا، في تقديري، هو أساس فكرة التوليد المعرفي أو المعرفة المُولدة التي نحن بصددها.

هنالك يحدث الانتقال الجوهري من حيث إن التراكم يضيف معرفة إلى ما نعرف؛ أمّا التوليد فيحوّل ما نعرفه إلى قدرة على أن نعرف ما لم يكن في إمكاننا أن نعرفه من قبل.

فالمعرفة السابقة، في التصور التراكمي، تُشبه رصيداً محفوظاً. أمّا في التصور التوليدي فهي ليست رصيداً فحسب، بل قوة فاعلة تدخل في علاقات جديدة، فتتغير هي نفسها، ويظهر من تفاعلها ما لم يكن موجوداً في السابق مع أي معرفة منفردة.

من ذلك ترى؛ أن المعرفة المولدة ليست تشي بالتراكم، بل قدرة تشي بالتوليد. فإذا كانت المعرفة قدرة، فإنّ خاصية القدرة أنها تُنتج أفعالاً وآثاراً جديدة. أمّا إذا كانت مجرد مضمون، فإنّ أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تُحفظ أو تُنقل، الأمر الذي يصبح معه التوليد نتيجة لازمة لطبيعة المعرفة، لا حادثة عارضة تقع لبعض القراء دون بعض.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة؟ بل يصبح السؤال: كيف يمكن للقراءة ألا تنتج معرفة، إذا كانت المعرفة نفسها قوةً فاعلة لا مخزوناً ساكناً ؟ بمعنى هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة ساكنة؟ وكيف يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة؟ أي نعم! يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة ومجترة، واجترار المعارف دليل سكونها، لأنه إذا جاز للمرء أن يتوقف عن القراءة، جاز للعقل أن يتوقف عن إنتاج المعرفة.

من أجل ذلك؛ فإنّ المعرفة الجديدة، في التصور التوليدي، لا تكون مجرد "لبنة" تضاف إلى البناء القديم، بل قد تكون إعادة اكتشاف للبناء كله من زاوية لم تكن قبلها ممكنة.

خذ مثلاً: أنت لا تقرأ كتاباً ثانياً بعد كتاب أول بعقل القارئ نفسه. فالكتاب الأول قد غيّر فيك شيئاً؛ منحك مفهوماً، أو أضاء لك علاقة، أو كشف لك سؤالاً، أو أنشأ فيك قدرة على رؤية لم تكن لديك من قبل. وحين تقرأ الكتاب الثاني بهذه القدرة الجديدة، فإنّك لا تستقبل الكتاب الثاني كما كان سيستقبله قارئ لم يقرأ الكتاب الأول.

ولا يكون - من ثمّ ـ حاصل القراءة الثانية مجرد معرفة الكتاب الثاني، بل المعرفة التي تنشأ من التقاء الكتاب الثاني بالبنية الجديدة التي صنعتها القراءة الأولى في عقلك.

وتلك هي المعرفة الثالثة: ايجاد تفاعل وعلاقات غير مسبوقة.

إنها ليست المعرفة الأولى، وليست المعرفة الثانية، وليست جمعاً بينهما؛ بل هي ما لم يكن ممكناً أن يظهر إلا بسبب اجتماعهما في عقل حيّ فعال. وهنا يمكن أن نصوغ الفارق فلسفيّاً هكذا:

التراكم المعرفي يحفظ تاريخ ما عرفناه. أمّا التوليد المعرفي، فيصنع إمكان ما لم نكن قادرين على معرفته. أو بعبارة أكثر كثافة: التراكم يزيد محتوى العقل؛ أمّا التوليد؛ فيزيد قدرة العقل على إنتاج المحتوى.

غير أننا نرى من هذه الجهة أن هذه الصياغة، على قوتها، لا تزال تحتاج إلى مراجعة نحو خطوة أعمق؛ فالتصور التراكمي يفترض ضمناً أن المعرفة شيء يُمتلك، بينما التصور التوليدي يرى أن المعرفة شيء يُستثمر ويُمارس ويُعاد إنتاجه وفق قدرة من يمارسه، وعلى شرط هذه القدرة، لا على شرط غيرها؛ إذْ ذاك، تأتي الصلة التي اصطنعناها فيما سبقت إليه الإشارة بين فائض القيمة وفائض المعرفة، لا على سبيل التشبيه السطحي البّرانيّ، بل على مستوى البنية الفلسفيّة العميقة.

ليست قيمة المعرفة في أنها أضافت إلى ما لديك مقداراً جديداً من المعلومات، وإنما في أنها أعادت تشغيل ما لديك من جديد، وأنتجت منه إمكاناً معرفيّاً جديداً.

فالمعرفة لا تكون "فائضة"؛ لأنها زادت كميّة ما نملك، بل لأنها تجاوزت ذاتها الى حيث معرفة أخرى تناظرها.

ــ مكمن الفرق الفارق:

المعرفة التراكمية تنمو بإضافة الجديد إلى القديم؛ أمّا المعرفة التوليديّة؛ فتنمو بتحويل القديم إلى شرط لإمكان جديد ولإضافة جديدة.

في التراكم، يظل القديم والجديد محتفظين بحدودهما. القديم قديم، والجديد جديد، وما بينهما علاقة جوار أو تراص أو اتصال.

أمّا في التوليد، فإنّ المعرفة الجديدة تغيّر معنى المعرفة السابقة نفسها. فالكتاب الذي قرأته منذ سنوات قد يصبح كتاباً آخر تماماً حين تعود إليه بعد أن اكتسبت مفاهيم جديدة.

لم يتغير الكتاب، لكن تغيرت قدرتك على إنتاج معناه. وهذا أمر بالغ الأهميّة، لأن التوليد لا ينتج معرفة جديدة من المعارف السابقة فحسب؛ بل يعيد إنتاج المعارف السابقة ذاتها في ضوء المعرفة الجديدة.

ومن هنا؛ فإنّ المعرفة الثالثة كما استخلصناها من معنى الفكر عند الغزالي، ليست مجرد نتيجة تأتي بعد معرفتين، بل هي لحظة يتحوّل فيها القارئ نفسه إلى وسيط توليدي.

وربما يكون التعبير الأدق عن منهجيّة القراءة على القراءة: أنها ليست قراءةً ثانية لما قرأناه، بل قراءةٌ جديدة للقدرة التي خلقتها القراءة الأولى فينا كما تبيّن لنا فيما تقدّم.

لكأنما هذه المعرفة الثالثة تنمي دوماً القدرة على التوليد، وعلى الاستطاعة على التجديد، وهو ما يحدث بالضبط. ولعل هذا هو الفرق الفارق أيضاً بين قارئ يُراكم الكتب، وقارئ تتوالد في داخله المعرفة. الأول يخرج من الكتاب وقد امتلك شيئاً.

أمّا الثاني؛ فيخرج منه وقد أصبح شخصاً معرفيّاً آخر من حيث زيادة قدرته على التوليد، ومن حيث اتصال استطاعته بتحقق المعارف في نفسه وزيادتها على التوكيد.

ولهذا أرى أن التصور التوليدي الذي نصطنعه ينقل نظرية المعرفة من سؤال: كم تعرف؟ إلى سؤال أكثر عمقاً وأكثر إثارة للبحث والتنقيب وهو: ماذا أصبح في إمكانك أن تعرف؛ لأنك عرفت ما عرفت؟ وهنا تحديداً تتجاوز المعرفة نفسها.

قد يُقال إننا نقيم مُقابلة حادة بين التراكم والتوليد، لكأنما العلاقة بينهما علاقة تضاد. غير أن نظريّة المعرفة نفسها قد تسمح برؤية أكثر تركيباً؛ إذ ليس التراكم نقيضاً للتوليد، بل قد يكون شرطه الأول؛ فالمعرفة لا تولد من الفراغ، وإنما تحتاج إلى مادة أوليّة تعمل فيها الفاعليّة العقليّة. والتراكم بهذا الاعتبار ليس غاية، لكنه شرط لازم للتوليد. إنّ الخلل ليس في التراكم نفسه، وإنما في الاكتفاء به والتغافل عن التوليد.

فالتراكم المعرفي هو ذاكرة المعرفة. أمّا التوليد المعرفي فهو خصوبة المعرفة وغناها بذاتها بالترقية والتفرد عن سواها.

التراكم يحفظ ما أنتجته المعرفة. أمّا التوليد فيسأل: ما الذي تستطيع هذه المعرفة أن تنتجه؟

وبعبارة أخرى؛ نراها ربما تكون أوجز وأقوى: التراكم المعرفي يجعل المعرفة ماضياً يُضاف إلى الماضي. أما التوليد المعرفي؛ فيجعل المعرفة قوةً تستخرج من الماضي إمكانات المستقبل.

ولذلك؛ فإنّ ما نصطنعه إزاء المعرفة المولدة، أو ما نضيفه في مشروع القراءة على القراءة ليس نظريّة في كثرة القراءة، بل تصوراً مختلفاً لطبيعة المعرفة نفسها:

المعرفة الحقيقيّة ليست ما يملأ العقل، بل ما يغيّر قدرة العقل على الامتلاء. وليست ما يضيفه القارئ إلى نفسه؛ بل ما يجعل نفسه قادرةً على أن تُنتج ما لم يكن موجوداً قبل فعل القراءة. المعرفة الحقيقية تتجاوز نفسها لتصل بصاحبها إلى مناطق متسامية من العرفان.

ومادامت المعرفة قدرة فهي بلا شك تسند مددها العلوي المبارك من مصدر القدرة ذاته، ولسوف نولي هذا النوع من المعرفة عنايتنا في الحلقة المقبلة.

وفي تقديري، تكون المعرفة الثالثة، من هذه الجهة؛ هي اللحظة التي تتجاوز فيها المعرفةُ مجردَ التراكم، وتبدأ في ممارسة فعلها التوليدي: أن تنتج من التقاء المعارف معنىً لا يسكن في أيٍّ منها منفرداً، وأن تجعل القارئ لا حافظاً لما عرف، بل مولِّداً لما لم يكن قد عرف مع التجديد. وهذا هو سر الإبداع.

ـ مستويات تأصيل المعرفة المُولّدة:

على أن المشكلة ليست في صياغة مصطلح "التوليد المعرفي" وكفى، بل في إقامة البرهان على أن القراءة نفسها فعلٌ مولِّد للمعرفة، لا مجرد وسيلة لاكتسابها؛ فإذا أمكن تأصيل هذه الدعوى، خرجت الفكرة من كونها تأملاً فلسفيّاً إلى كونها نظريّة أبستمولوجية. وأحسب أن التأصيل يمكن أن يتم عبر سبعة مستويات مترابطة.

(١) التأصيل الأنطولوجي (الوجودي):

ينطلق من أن المعرفة ليست شيئاً جامداً، وإنّما هي بنية حيّة كبنية الكائن الحي نفسه؛ فالكائن الحي لا ينمو بإضافة أعضاء إلى جواره، وإنما بإعادة إنتاج ذاته من داخله. وكذلك المعرفة؛ فهي لا تكبر لأنها ازدادت معلومات، بل لأنها ازدادت قدرة على إنتاج معانٍ جديدة. هنا يصبح "التوليد" خاصيّة وجوديّة للمعرفة نفسها، لا مجرد فعل يقوم به القارئ.

(٢) التأصيل الأبستمولوجي:

يتبيّن منه أن المعرفة ليست وحدات مستقلة، بل شبكة من العلاقات. والقيمة المعرفيّة لا تكمن في المعلومات منفردة، وإنما في العلاقات التي يقيمها العقل فيما بينها. ومن ثمّ فإنّ القراءة ليست انتقالاً من الجهل إلى العلم، بل إعادة بناء للعلاقات بين المعارف. والمعرفة الجديدة لا تُستورد من الخارج، وإنما تُولد من إعادة تنظيم الداخل.

وهذه، في رأيي، هي العبارة التي يمكن أن تصبح محوراً لنظريّة جديدة في المعرفة:

المعرفة لا تنمو بإضافة معلومات جديدة، وإنما بإعادة تشكيل العلاقات بين المعلومات حتى تنتج بنية معرفيّة لم تكن موجودة من قبل.

(٣) التأصيل المنهجي:

وفيه ينبغي أن تتحوّل "القراءة على القراءة" من شعار إلى منهج له خطوات واضحة. كأن تكون مثلاً: قراءة أولى للفهم، وقراءة ثانية للكشف عن البنية الداخلية، وقراءة ثالثة للمقارنة، وقراءة رابعة لاستخراج الفروض الجديدة، وقراءة خامسة لإنتاج نظريّة أو مفهوم جديد.

عندئذ تصبح القراءة عمليّة إنتاج، لا استهلاك.

(٤) التأصيل التاريخي:

وفيه نتثبّت من أن جميع الطفرات الفكريّة الكبرى كانت ثمرة قراءة على قراءة. فـمثلاً إسحاق نيوتن لم يبدأ من الصفر، بل قرأ أعمال من سبقوه، ثم أعاد تركيبها في نسق جديد. وكذلك فعل ألبرت أينشتاين، إذ لم يجمع معلومات أكثر من نيوتن، وإنما قرأ نيوتن قراءة جديدة.

وأعلام الفلسفة ممّن تحدّثوا مباشرةً في أبستمولوجيا المعرفة العلميّة أمثال: كارل بوبر، وتوماس كون، وغاستون باشلار، وجان بياجيه، مع بيان موضع الاتفاق والافتراق فيما بينهم، كانوا قدّموا قراءات جديدة تثري المعرفة العلميّة، الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة بعداً فلسفيّاً لا يقتصر على عرضها الداخلي.

ومحمد بن إدريس الشافعي لم يزد النصوص الشرعية أو يراكمها، بل أعاد قراءة علاقة النصوص بعضها ببعض، فأنشأ علم أصول الفقه. وكذلك فعل أبو حامد الغزالي في نقده لفلسفة العلوم الإسلاميّة.

وعبد الرحمن بن خلدون لم يكتشف وقائع جديدة، بل قرأ الوقائع التاريخيّة بمنهج جديد، فأنشأ علماً في العمران جديداً. فهذه الأمثلة تثبت أن القراءة المنتجة هي التي تصنع العلوم.

(٥) التأصيل الذوقي الإسلامي:

وأغلب الظن فيه أنه يمنح المعرفة بعداً روحيّاً هو أسمى وأبقى ما يكون؛ فالقرآن نفسه لا يقدّم القراءة على أنها حفظ للنّص، وإنما باعتبارها باباً للتدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والتدبر ليس تكرار ألفاظ القراءة، بل توليد دلالات جديدة من النص الواحد على قسطاس السّعة والحضور؛ بل إن القرآن يقرر أن آياته لا تنفد:

﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾

وهذا في ذاته يؤسس لفكرة أن النص العظيم يمتلك قابلية لا نهائية للتوليد.

(٦) التأصيل الفلسفي:

ويتضمّن طرح القضية من حيث بيان فروقها الجوهريّة، وهي أن هناك فرقاً بين المعرفة بوصفها موضوعاً، والمعرفة بوصفها فعلاً؛ فالذي يركز على الموضوع ينتهي إلى التراكم. أمّا الذي يركز على الفعل المعرفي نفسه، فلا بد أن ينتهي إلى التوليد. وهذا في تقديري هو التحول الحقيقي في نظريّة المعرفة.

(٧) التأصيل الاصطلاحي:

حين تمتلك النظريّة جهازاً اصطلاحياً خاصّاً بها، تكتسب استقلالها، لأن كثيراً من النظريات الفلسفية لا تتميز بأفكارها وحدها، بل أيضاً بلغتها المفهوميّة. وعليه فلا يحتفى بتعريف "التوليد المعرفي"، ويكتفى بذلك، بل ينبغي إنشاء معجماً كاملاً للنظريّة مثل: (القراءة التراكميّة، القراءة التوليديّة، الفاعلية المعرفية، فائض المعرفة، الكثافة المعرفية، الاستثمار المعرفي، الرأسمال المعرفي والرمزي، القيمة التوليدية للنص، الطاقة التأويليّة، سلسلة الأفكار التوليديّة، خصوبة النّص، خصوبة العقل).

على أنه من المحقق عندنا أن القراءة على القراءة هي الآلية المنهجيّة التي يتحقق بها فعل إنتاج المعرفة حتى إذا تبين لنا ذلك بوضوح نكون قد نقلنا النقاش من مستوى منهج في القراءة إلى مستوى نظريّة في طبيعة المعرفة نفسها؛ الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة التوليديّة ثقلها الفلسفي الحقيقي كلما تجاوزت نظريّة المعرفة التقليديّة.

- نقدٌ وتقييم:

بقليل من التأمل فيما سبق أن طرحناه ممّا تقدم عنه الحديث، يلحظ القارئ أن ما طرحناه لم يكن ليطرح لمجرد تمييز اصطلاحي بين مفهومين هما التراكم والتوليد، وإنما يحاول الطرح أن يؤسس لتحول أبستمولوجي في فهم ماهية المعرفة نفسها؛ فهو ينتقل بالمعرفة من كونها "رصيداً" إلى كونها "قوة مولِّدة"، من التقليد إلى التوليد. ومن هنا فإنّ قراءة الطرح نفسه لا ينبغي أن تكون قراءة لغوية أو شرحاً لألفاظه، وإنما قراءة فلسفية تكشف ما ينطوي عليه من افتراضات نظريّة، وما يفتحه من آفاق، وما يعتريه في الوقت نفسه من مواطن تحتاج إلى مزيد من التأصيل.

فمن المعرفة بوصفها تراكماً إلى المعرفة بوصفها توليداً تجدر الإشارة إلى الأساس الفلسفي لنظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد بحيث تكون قراءتنا لهذا الأساس قراءة نقديّة، إذ ليس من المبالغة القول إن طرحنا من وجهة نظر فلسفية يحاول أن يزحزح إحدى المسلمات الراسخة في نظرية المعرفة التقليديّة؛ فقد جرت العادة على النظر إلى المعرفة في التصور التقليدي باعتبارها حصيلةً تراكمية، ينمو فيها العقل بزيادة المعلومات والخبرات حتى يبلغ درجة من النضج. أمّا طرحنا نحن، فإنه يعترض على هذا التصور من جذوره، ويقترح بديلاً أكثر عمقاً، يرى أن المعرفة لا تتقدّم بمجرد الإضافة الكميّة، وإنما تتقدّم بقدرتها على أن تُنتج معرفة أخرى من داخلها، وإذ ذاك ينتقل مفهوم المعرفة من منطق "الكم" إلى منطق "الخلق"، ومن حساب المخزون إلى دينامية الإنتاج.

إنّ الفكرة المركزيّة فيما تقدّم مما طرحناه، تقوم على أن الفرق بين التراكم والتوليد ليس فرقاً في الدرجة، بل هو فرق في الطبيعة؛ فالتراكم يضيف، أمّا التوليد فيخلق؛ والتراكم يزيد الموجود، أما التوليد فيوجد ما لم يكن موجوداً. وهذه النقلة تمثل في حقيقتها انتقالاً من أبستمولوجيا الحفظ إلى أبستمولوجيا الإبداع، ومن تصور سكوني للمعرفة - بتعبير برجسون - إلى تصور حركي يجعلها كائناً نامياً يتكاثر من داخله.

ويحسب للطرح الذي توخيناه أنه يلفت النظر إلى قضية كثيراً ما غابت عن مناهج التعليم والبحث، وهي أن كثرة القراءة ليست دليلاً على كثرة التفكر. فقد يمتلك الإنسان مكتبة هائلة ولا ينتج فكرة واحدة؛ لأن ما يملكه ليس إلا تراكم معلومات. بينما قد يقرأ إنسان آخر كتباً قليلة، لكنه يحولها إلى رؤى جديدة بفعل التأمل العقلي، فتكون قراءته (مولدة) لا (مجمّعة).

من ذلك ترى؛ أن طرحنا ينجح في إعادة الاعتبار إلى عنصر التأمل بوصفه القوة التي تمنح المعرفة خصوبتها وتذكي عنصر التأمل والتفكير فيها.

ومن أبرز مكامن القوة في هذا الطرح أنه يجعل العلاقة بين المعارف علاقةً عضويّة لا ميكانيكية؛ فهو يرفض أن تكون الأفكار متراصة متجاورة كما تتجاور الحجارة في البناء وتتراص، ويريدها أن تتفاعل كما تتفاعل العناصر الحيّة في الكائن العضوي. وهذه استعارة فلسفية دقيقة؛ لأن القيمة المعرفيّة لا تنشأ من اجتماع الأفكار، وإنما من قوة الفاعلية العقلية فيها: من الحوار الذي يقوم فيما بينها داخل عقل حي فعال.

يتميز طرحنا بمحاولة تجاوز الفكرة التقليدية القائلة إن اجتماع معرفتين ينتج عنهما معرفة ثالثة كما رأيناها فيما تقدّم من تعريف الغزالي للفكر؛ ليقرر أن عملية التوليد لا تعرف نهاية؛ فكل معرفة جديدة تصبح بدورها منطلقاً لتوليد معارف أخرى، وبذلك تصبح المعرفة سلسلة لا تنقطع من عمليات الإنتاج الذاتي. وفي الحق أن هذه الفكرة تمنح نظرية المعرفة بعداً ديناميكياً يجعلها أقرب إلى تصور الكائن الحي الذي ينمو باستمرار، لا إلى تصور الوعاء الذي يمتلئ شيئاً فشيئاً كما هو الحال في التصور التراكمي التقليدي.

ومع ذلك، فإنّ هنالك اعتراضات قامت على طرحنا تثير عدداً من الأسئلة الفلسفيّة التي تحتاج فيما ترى إلى معالجة إضافية أكثر إحكاماً.

فأول هذه الأسئلة يتعلق بمفهوم "التوليد" نفسه. فالطرح يستخدمه بوصفه المفهوم المحوري، لكنه لا يقدم تعريفاً فلسفياً جامعاً له، ولا يبين حدوده الفاصلة بينه وبين مفاهيم قريبة مثل الإبداع، والاستنباط، والاستقراء، والاكتشاف، والتأويل، والتركيب. ولو أراد هذا المفهوم أن يتحول إلى نظرية معرفيّة مكتملة، فلا بد أن يكتسب تعريفاً اصطلاحياً دقيقاً يمنع التداخل بينه وبين غيره من هذه المفاهيم.

وهذا السؤال مردود عليه، لكننا هنا قبل الرد سنأتي على جميع الاعتراضات ثم نقوم بالرد عليها تفصيلاً في الحلقة القادمة تحت عنوان كيف تتولد المعرفة عن المعرفة إنْ شاء اللّه.

وثانيها: الطرح يجعل "التأمل الفاعل" هو العنصر المنتج للمعرفة، لكنه لا يحلل طبيعة هذا التأمل. هل هو فعل منطقي؟ أم حدس عقلي؟ أم ممارسة تأويلية؟ أم تركيب جدلي؟ إنّ تحديد الآلية الداخلية للتوليد سيمنح النظريّة صلابة فلسفية أكبر، ويحولها من فكرة ملهمة إلى منهج معرفي قابل للتطبيق.

وثالثها: أن طرحنا يكتفي بالتحليل النظري دون أن يسوق شاهداً معرفياً يبرهن على دعواه. وكان يمكن أن يستشهد بتكوين نظرية الجاذبية عند نيوتن، أو بنشأة النسبية عند أينشتاين، أو بتطور أصول الفقه عند الإمام الشافعي، أو ببناء فلسفة ابن خلدون في العمران؛ ليتضح أن الإنجاز العلمي أو الفلسفي لم يكن نتيجة تراكم المعلومات وحده، بل نتيجة إعادة تركيبها في نسق جديد.

على إننا إذا نظرنا إلى هذا الطرح من زاوية فلسفة العلم، وجدناه ينقل معيار التقدم العلمي من تراكم النتائج إلى القدرة على إنتاج (وتوليد) أطر تفسيريّة جديدة. وإذا نظرنا إليه من زاوية فلسفة التربية، فإنه يدعو ضمناً إلى الانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على إنتاج المعرفة. أما إذا قرأناه في ضوء التصوف المعرفي، فإن التأمل الذي يتحدث عنه الكاتب يقترب من مفهوم التفاعل الباطني بين المعاني حتى تتولد من القلب معارف لم تكن حاضرة في بدايات القراءة.

وفي تقديري؛ أن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في صياغة التمييز بين التراكم والتوليد، وإنما في كونه يفتح أفقاً جديداً لإعادة بناء نظريّة المعرفة من الداخل؛ فهو لا يسأل: كيف نزداد معرفة؟ بل يسأل سؤالاً أعمق: كيف تصبح المعرفة نفسها قادرة على إنتاج معرفة أخرى؟ وهذا سؤال يتجاوز حدود المناهج التعليمية إلى صميم الأبستمولوجيا.

ولهذا، فإن الطرح يمثل مشروعاً فلسفياً واعداً أكثر ممّا يمثل نظرية مكتملة. فهو يمتلك الفكرة المؤسسة، ويملك الجرأة على مراجعة التصور التقليدي للمعرفة، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التأصيل المفاهيمي، وربطه بتاريخ الفكر، وصياغة حدوده الاصطلاحيّة، وإقامة شواهد تطبيقية تثبت أن التوليد ليس مجرد استعارة بل قانون يحكم تطور المعرفة الإنسانية. فإذا تحقق ذلك، أمكن لهذا التصور أن يكون إسهاماً حقيقياً في تجديد فلسفة المعرفة المعاصرة، لا مجرد اقتراح لغوي أو تمييز مفهومي عابر. كان هذا هو النقد تقيماً لفكرة المعرفة المولَّدة في إطار منهجيّة القراءة على القراءة، وعلى ضوئه نستكمل كيفية توليد المعرفة عن المعرفة في الحلقة القادمة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

في المثقف اليوم