عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: في المفهوم والمصطلح والخلط بين اللفظ والمعنى

"إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا نحن، فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم هم؟" مايكن كاريدرس الأنثربولوجيا الثقافية

يشيع في الكتابات الفكرية والأكاديمية استعمال كلمتي المفهوم والمصطلح كما لو أنهما مترادفان، حتى أصبح الخلط بينهما أمراً مألوفاً لا يكاد يلتفت إليه كثير من الباحثين. غير أن هذا الخلط ليس مجرد خطأ لغوي أو اصطلاحي، بل يعكس في العمق خللاً في طريقة التفكير نفسها. فحين نخلط بين المفهوم والمصطلح فإننا نخلط بين الفكر واللغة، وبين المعنى واللفظ، وبين ما ينتجه العقل وما تنقله الكلمات.

ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن المفهوم يسبق المصطلح وجوداً، بينما المصطلح يسبق المفهوم تداولاً. فالإنسان يدرك الأشياء أولاً، ثم يحاول التعبير عنها. غير أن هذه العلاقة البسيطة سرعان ما تصبح أكثر تعقيداً حين ندخل عالم المعرفة العلمية والفلسفية؛ إذ لا تعود الكلمات مجرد أسماء للأشياء، بل تتحول إلى أدوات لإنتاج المعرفة نفسها.

المفهوم هو بناء عقلي مجرد، أو صورة ذهنية منظمة، تتكون في العقل نتيجة التجربة والتأمل والمقارنة والتجريد. إنه ليس الشيء ذاته، ولا اسمه، وإنما المعنى الكامن وراء الاسم. أما المصطلح فهو الوعاء اللغوي الذي يحمل هذا المعنى، وهو الكلمة أو العبارة التي يتفق أهل الاختصاص على استخدامها للدلالة على مفهوم معين.

إذ إن العلاقة بين المفهوم والمصطلح تشبه العلاقة بين الروح والجسد؛ فالمفهوم يمنح المصطلح حياته ودلالته، بينما يمنح المصطلح المفهوم شكله القابل للتداول والتواصل. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر فقد كلاهما وظيفته؛ فالمفهوم بلا مصطلح يبقى فكرة حبيسة الذهن، والمصطلح بلا مفهوم يتحول إلى لفظ أجوف تتداوله الألسن دون أن يحمل معنى حقيقياً.

غير أن السؤال الفلسفي لا يتوقف عند العلاقة بين المفهوم والمصطلح، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ما طبيعة العلاقة بين الكلمة والشيء؟ هل الاسم هو المسمى؟ وهل الألفاظ تحمل المعاني في ذاتها أم أنها مجرد رموز تشير إليها؟ هنا ندخل إلى أحد أهم ميادين الفلسفة المعاصرة، وهو فلسفة اللغة، التي كشفت أن الكلمات لا تمتلك معانيها بصورة طبيعية، وإنما تستمدها من السياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تُستعمل فيها. فالكلمة ليست الشيء ذاته، وإنما علامة عليه. إنها، كما يقول موريس بلانشو، تحضر بوصفها إعلاناً عن غياب الشيء لا عن حضوره؛ فعندما ننطق بكلمة “بحر” لا يحضر البحر، بل تحضر صورته في وعينا، بما تحمله من ذكريات وتجارب وانفعالات تختلف من إنسان إلى آخر ومن هنا كان الخطأ المعرفي الأكبر هو المطابقة بين الكلمة والشيء، أو بين الدال والمدلول، وهو ما نبه إليه ألفرد كورزيبسكي حين صاغ عبارته الشهيرة: “الخريطة ليست الأرض”. فالكلمات ليست الواقع، وإنما أدوات لفهمه، وكلما ظن الإنسان أن اللفظ هو الحقيقة ذاتها، وقع أسيراً لما يمكن تسميته “عبودية الكلمات”

أن مثل هذة الإشكال من التجارب الثابتة مع الكلمات هي نوع من التحيز والتعصب الأعمى، عند الذين يبدو وكأن لديهم في ادمغتهم نقطة مكشوفة بحيث انها لو مست بكلمات لا يرغبون بحدث لديهم لتماس كهربائي أو شرت قد يحترق المصباح الكهربائي" المين سوتش"كله. ويعتقد الفريد" كورز يبسكي" مؤسس علم تطور المعنى العام": أن مثل هذا النوع من الاستجابات المكهربة: هي استجابة التسوية في الهوية،وهذا نمط من العقول يمكن وصفه بالعقول الأحادية البعد، التي لا تميز بين الرمز وما يرمز إليه، ولا بين الاسم والمسمى، فتتعامل مع الكلمات وكأنها حقائق مقدسة أو مدنسة في ذاتها. وما إن تسمع ألفاظاً مثل: الاشتراكية، أو العلمانية، أو الليبرالية، أو السلفية، حتى تستجيب لها انفعالياً قبل أن تسأل عن معناها أو سياقها. إنها لا تناقش المفاهيم، بل تحاكم الألفاظ، وتخلط بين الخريطة والأرض، وبين الرمز والواقع. ومن هنا يتولد التعصب، ويضيق أفق الحوار، وتتحول اللغة من جسر للتفاهم إلى أداة للاستقطاب والصراع ولعل الصحابي علي بن أبي طالب ، أدرك هذه الحقيقة مبكراً حين أوصى أبا موسى الأشعري في مناظرته للخوارج قائلاً: “لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمّال أوجه”. وهي إشارة بليغة إلى أن النصوص والكلمات لا تنطق بذاتها، وإنما يفسرها البشر وفق عقولهم وخبراتهم وأطرهم الثقافية.

إن كثيراً من الأزمات الفكرية في ثقافتنا العربية ترجع إلى التعامل مع المصطلحات وكأنها حقائق نهائية، بينما هي في الأصل مجرد علامات لغوية تشير إلى مفاهيم قابلة للنقد والمراجعة وإعادة البناء. ولهذا نختلف حول كلمات مثل: الحداثة، الهوية، الحرية، الديمقراطية، العقلانية، الأصالة، التراث، والعلمانية، لأننا كثيراً ما نناقش المصطلحات قبل أن نتفق على مفاهيمها.

فالخلاف في الغالب لا يكون حول اللفظ، وإنما حول المعنى الذي يحمله هذا اللفظ. وقد يستخدم باحثان المصطلح نفسه بينما يقصد كل منهما مفهوماً مختلفاً تماماً، فتتحول المناظرة إلى حوار بين عالمين لا يلتقيان. ولذلك فإن أول شروط التفكير العلمي هو تحرير المفاهيم قبل استعمال المصطلحات.

وهنا تظهر أهمية الفلسفة؛ فالفلسفة ليست علماً للمصطلحات، وإنما هي علم للمفاهيم. إنها لا تكتفي بتعريف الكلمات، بل تسأل عن المعاني الكامنة وراء الكلمات، وعن العلاقات التي تربط المفاهيم بعضها ببعض، وعن الشروط التاريخية والثقافية التي أنتجتها. ولهذا وصف جيل دولوز الفلسفة بأنها فن خلق المفاهيم، لأن المفهوم ليس معطى جاهزاً، بل بناء فكري يتطور باستمرار.

ومن هذا المنطلق يصبح التفكير الفلسفي انتقالاً من الكلمات إلى المعاني، ومن الألفاظ إلى البنى العقلية، ومن اللغة إلى الفكر. فليس المهم أن نحفظ المصطلحات، وإنما أن نفهم المفاهيم التي تشير إليها. ولهذا فإن كثرة المصطلحات لا تعني بالضرورة عمقاً فكرياً، كما أن بساطة اللغة لا تعني بالضرورة بساطة المفاهيم.

والفرق الجوهري بين الصورة والمفهوم أن الصورة تمثل شيئاً معيناً، بينما المفهوم يمثل فئة كاملة من الأشياء. الصورة تقول: هذا الإنسان، وهذه الشجرة، وهذا البحر. أما المفهوم فيقول: الإنسان، والشجرة، والبحر بوصفها معاني كلية تتجاوز الأفراد.

ومن هنا يمكن القول إن الحضارة الإنسانية هي تاريخ الانتقال التدريجي من سيادة الصور إلى سيادة المفاهيم. فالأسطورة تفكر بالصور، بينما الفلسفة تفكر بالمفاهيم. والخرافة تقدم صوراً مدهشة، بينما العلم يقدم مفاهيم قابلة للاختبار. وحتى الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على إنتاج الصور، فإنه لا يصبح ذكياً بالمعنى الحقيقي إلا حين يستطيع التعامل مع المفاهيم والعلاقات المجردة.

إن الأمم التي تفكر بالمفاهيم تمتلك القدرة على إنتاج العلوم والنظريات وصناعة المستقبل، أما الأمم التي تكتفي بتداول المصطلحات أو الانبهار بالصور، فإنها تظل تدور في دائرة الاستهلاك المعرفي، مهما بلغت ثروتها اللغوية أو كثافة خطابها الإعلامي.

ختاما، يمكن تلخيص العلاقة بين المفهوم والمصطلح في عبارة واحدة: المفهوم المجرد هو عقل المعرفة، والمصطلح هو لسانها؛ فإذا صلح العقل استقام اللسان، وإذا ضاع المفهوم أصبحت المصطلحات أقنعة تتخفى وراءها الأوهام. ومن هنا فإن أولى خطوات التجديد الفكري ليست اختراع ألفاظ جديدة، بل إعادة هندسة المفاهيم التي نفكر بها، لأن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تصوغه مفاهيمه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم