كان إبيقور مؤمنا بمذهب اللذة، حيث اعتقد ان المتعة هي أعلى الخير. وهو اعتقد أيضا ان المتعة هي ببساطة غياب المعاناة. بالنسبة له، الانسان يجب ان يكافح للحصول على راحة البال ataraxia. فلسفته سعت للتغلب على أربع مشاكل رئيسية تعكّر حياة معظم الناس. احدى هذه كانت الخوف من الموت. إبيقور اعتقد ان لا داعي للخوف من الموت، وسنرى في هذا المقال لماذا.
من هو إبيقور؟
وُلد ابيقور في جزيرة ساموس اليونانية عام 341 ق.م من أبوين نيوكليس و خيريستراتا. هو انتقل الى أثينا عام 323 ق.م وهو في عمر 18 عاما. في تلك السنة توفي الاسكندر الأكبر وهو الحدث الذي كانت له تداعيات كبيرة على حياة الاثنيين في ساموس. انتقل أبوه من الجزيرة الى مدينة كولوفون التي تقع في ديغيرميتريدي الحالية على الساحل التركي. ترك ابيقور أثينا والتحق بأبيه، حيث بقي في العشر سنوات اللاحقة يدرس الفلسفة. بعدها أمضى بعض الوقت يعيش في جزيرة ليسبوس اليونانية وفي المحيط الرئيسي للامبساكوس. في كلا المكانين، هو استمر بعمله الفلسفي وجمع الأتباع. وفي حوالي 307 ق.م كانت آخر خطواته الانتقال رجوعا الى أثينا،حيث أمضى بقية حياته. توفي ابيقور بعمر 70 عاما بسبب مضاعفات ناتجة عن حصى في المسالك البولية: موت شديد الأذى لكنه ملفت للانتباه طالما ادّعى ابيقور ان لا حاجة للخوف من الموت، او الألم وهو ما سنرى عنه الكثير بعد قليل.
وبينما هو في أثينا، أسس ابيقور مدرسته الشهيرة "الحديقة". الاسم مشتق من حقيقة ان المدرسة استخدمت الحديقة كمكان للاجتماعات. انها كانت بين اثنين من اشهر المدارس في أثينا، الرواق والأكاديمية. الرواق نُسب للحركة الفلسفية التي عُرفت بالرواقية. زينون وهو مؤسس الرواقية علّم هناك بدءا من سنة 300 ق.م. الاكاديمية كانت مدرسة افلاطون التي أسسها عام 387 ق.م حيث درس فيها ارسطو لمدة عقدين. كُتب على باب الاكاديمية اعلان يقول " لا تدع أي جاهل في الهندسة يدخل هنا".
اما على باب الحديقة كُتب "أيها الغريب، هنا من الحكمة ان تتريث، هنا خيرنا الأعلى هو المتعة".
حاليا، كلمة "ابيقوري" تسبق عادة كلمات أخرى مثل "مسرات" وتُستخدم لوصف التمتع باللذة الناتج عن التمتع الحسي بالطعام والشراب. لكن عندما تزور الحديقة، فان الطعام الذي ينتظرك لن يكون اكثر من الخبز والماء وربما قطعة من الجبن. عاش ابيقور وزملاؤه حياة بسيطة جدا. هو تناول الخمر فقط لأسباب طبية لعلاج آلامه، وحتى في هذه الحالة كان الخمر مخففا بالماء، فمن أين جاء الارتباط بين الايبيقورية والملذات الحسية؟
الالتباس ربما برز من ترافق سوء الفهم مع نميمة مغرضة. ابيقور فضح الاثنيين بافتتاحه مدرسته للنساء والعبيد. نحن نستطيع مقارنة هذا مع اكاديمية افلاطون، التي كانت مفتوحة نظريا لعامة الناس، لكن عمليا، قبول الطلاب كان مقيدا بالرجال من الطبقة العليا . ونظرا للمواقف الطبقية والجنسية في ذلك الوقت، بالإضافة الى النميمة المثيرة للغرائز، تكهّن الناس بما يجري مع النساء والعبيد خلف جدران الحديقة.
بالإضافة الى ذلك، الكثير من تاريخ العالم القديم جرى جمعه وترتيبه بعناية من جانب علماء ارتبطوا بالكنيسة. الفلسفة المهيمنة في زمن ابيقور كانت الافلاطونية، والايبيقورية تتحدى هذه الفلسفة. من المنظور المسيحي، فلسفة افلاطون هي اكثر قبولا بكثير من فلسفة ابيقور. هذا أيضا ما اقترحه نيتشه (1844-1900) حين أشار الى ان المسيحية هي مجرد افلاطونية للجماهير. يمكننا ملاحظة ان العلماء المسيحيين من غير المحتمل ان يقتربوا من الايبقورية دون تحيز ما. وعلى الرغم من الشائعات المغرضة حول ما يجري في الحديقة، اثنى النقاد بالاجماع على شخصية ابيقور. كرجل، يبدو محبوبا ورقيقا.
مذهب ابيقور في اللذة
المتعة هي رؤية فلسفية بان المتعة هي أعلى الخير الإنساني. انظر الشعار خارج الحديقة: "أعلى خير هو المتعة". ببساطة، الباحث عن المتعة يحكم على افضل سلوك على أساس مقدار المتعة التي يتوقع الحصول عليها. مع ذلك، وكما دائما في الفلسفة، الأشياء نادرا ما تكون بسيطة. الفكرة الايبيقورية في المتعة هي نوعا ما معقدة وربما غير متوقعة. في وقت مبكر، لاحظنا ان زائرا الى الحديقة قد يتوقع ان يُقدم له بعض الخبز والماء بدلا مما نتصوره اليوم كـ "وليمة ابيقورية". ابيقور يرى ان هذا الغذاء البسيط يوفر فرصة للمتعة. ليس من الصعب تصور انه، لو كان احد يتضور من الجوع و وجد قطعة خبز جاف وكوب من الماء ربما هي أعظم غذاء يتذوقه على الاطلاق. لكن ابيقور يذهب أبعد من هذا. هو سيدّعي انه بينما الوليمة الفاخرة هي بالتأكيد ستكون ممتعة، لكنها لن تكون اكثر متعة من الخبز والجبن. المتع تختلف لكن ليست احداها اكثر من الأخرى.
التوضيح المقدم من جانب ابيقور هو ان المتعة هي غياب المعاناة. لذا، في حالة المتعة من الطعام، يجب ان تُشتق من غياب الألم من الجوع. ونفس الشيء، المتعة من الاسترخاء الناتج عن تخفيف توتر العضلات، وهكذا. اذا كان ابيقور صائبا، فان المتعة من سندويش الجبن لن تكون اكبر او اقل من متعة الوليمة. بالنسبة للايبيقوريين، الهدف النهائي للكائن البشري هو الحصول على السكينة.
علاج ابيقور لليأس
الحصول على السكينة قد تبدو مهمة شاقة. ربما يظن معظم الناس ان البشر جميعا سيظلون دائما يواجهون ما يقلقهم لمجرد كونهم بشرا. ابيقور امتلك ما يراه هو الجواب. هو اطلق على هذا بالعلاج الرباعي the tetrapharmakos.
في اليونان القديمة، كان هناك دواء استُخدم لمعالجة علل الروح. احتوى على اربع مكونات: شمع، قار، راتينج، ودهن حيواني. لذا فان علاج ابيقور هو من اربع أنواع يمكنه المساعدة في تحقيق الراحة. الأشياء الأربعة هي المعتقدات الأربعة في الايبيقورية. وهذه هي:
1- لا تخف من الآلهة
2- لا تخف من الموت
3- ما هو جيد يسهل الحصول عليه
4 - ما هو سيء يسهل تحمّله
من السهل ملاحظة ان هذه هي ما تهم الانسان وتستحوذ على عقله. ابيقور يحاول إزالة الهموم المزعجة التي تمنع الفرد من الحصول على الراحة او السكينة.
1- لا تخف من الالهة:
آلهة اليونان كان يُنظر اليها ككائنات خارقة للطبيعة يمكنها ان تسبب الألم للإنسان. طبقا لهذا، بذل العديد من الناس قصارى جهدهم لإسترضاء الآلهة وتجنب ازعاجها. الخوف من ان كائنا اسطوريا قد ينزعج من قيام او عدم قيام المرء بشيء هو بالتأكيد امر مقلق وسيكون عقبة للحصول على الراحة.
حجة ابيقور بسيطة. هو يتفق بان الالهة كائنات اسطورية خارقة، لا يمكن تحطيمها . هي أيضا توجد في مستوى أرقى من الانسان وفي حالة غبطة. وبناء على ما سبق، من المشكوك فيه ان تهتم الالهة بنشاطات الكائنات الفانية. نحن نستطيع تصور الموقف من منظورنا، ننظر في فعاليات نملة. الحشرة الصغيرة تتحرك في محاولة لتقوم بشيء معروف فقط لها. ربما هي تبحث عن طعام تجلبه الى عشها او البحث عن موقع ملائم لعش جديد. المسألة هي اننا لا نهتم حقا – حياة الحشرات الفردية، اهتماماتها ومخاوفها هي تافهة بالنسبة لنا. نفس الشيء يصح على الالهة في علاقتها بالكائن البشري.
ابيقور يجادل ان الالهة لا يجب الخوف منها وانما يجب اتخاذها قدوة في السلوك. هو قال ان الناس يجب ان يحاولوا محاكاة سعادة الالهة ضمن حدود ظروف الانسان.
2- لا تخف من الموت
سنأتي الان لمعرفة السبب الذي دفع ابيقور لعدم الخوف من الموت. نحن لاحظنا ان ابيقور يعتقد ان اعظم خير للإنسان هو تحقيق راحة البال او السكينة وعدم الانزعاج بأي شيء. الخوف من الموت يجب ان يُعد واحدا من اكثر الأشياء المقلقة للناس. لكن ابيقور اعتقد ان هذا الخوف في الحقيقة ليس له معنى وان الموت ليس الشيء الذي يجب ان يخاف منه الفرد. هذا لأن الموت هو شيء لا نمارسه ابدا، وبعد الموت لن تكون هناك معاناة. نحن نتذكر غياب المعاناة بالنسبة لابيقور يعني "الخير". لنأخذ نظرة على هذه الأفكار
أولا: طالما كل الناس فانون، فان الموت هو شيء سيأتي لكل واحد منا. مع ذلك، خلافا للتجارب الأخرى التي يجب السير فيها بمقتضى الحياة، الموت ليس شيئا نمارسه حقا. عندما يأتي وقت الموت، نحن سوف نمر من حالة كوننا احياء الى حالة الموت. وبسبب اننا يجب ان نكون احياء لكي نحس بشيء ما، ونحن لسنا أحياء عندما نموت، فان اللحظة الحقيقية للموت سوف لن تُمارس. طبقا لذلك، تجربة الموت هي شيء لن يحدث لنا ابدا ولهذا لا داعي للخوف منها.
ثانيا: حالما نموت، نحن سوف لا نمارس أي شيء ابدا. هذا يعني اننا لا نشعر او نمارس معاناة. الميت لا يشعر بالجوع او التعب، جسمه لا يؤلم ولن يشعر بقلق حول المستقبل. اذا كان الخير هو غياب المعاناة، عندئذ فان الشيء السيء يجب ان يكون وجود المعاناة. طالما لا وجود للمعاناة بعد الموت، سوف لن يكون سيئا ولا يجب الخوف منه.
3- ما هو خير يسهل الحصول عليه
رأينا سلفا ما يعنيه ابيقور بالمعتقد الثالث. الطعام البسيط يسهل توفيره والحصول عليه بنفس مقدار متعة الوجبة الكبيرة. يرى ابيقور "ان الخير" هو اللذة، واللذة هي غياب الألم، لذلك، فان أي شيء يخفف الألم والمعاناة هو "خير". ولأن الفرد يحتاج فقط ابسط الأشياء التي سوف تؤدي المهمة - وابسط الأشياء يسهل اكتسابها – فان ما هو خير يسهل اكتسابه.
4 - ما هو فضيع يسهل تحمّله
بينما أفكار ابيقور حول الالهة والموت والخير تبدو معقولة للبعض، لكن ادّعائه بان ما هو فضيع يسهل تحمّله يصعب الاقتناع به. في الحقيقة، القليل من الفلاسفة اليوم سيوافق مع ابيقور على هذا. دعونا ننظر ما لدى ابيقور من قول.
ابيقور صنف الألم المادي الى نوعين: مزمن خفيف ومزمن ثقيل. هو ادّعى ان الألم الثقيل يسهل تحمّله لأنه لا يستمر طويلا. من جهة أخرى، الاوجاع المتكررة تستمر أطول لكنها اضعف من حيث شدتها ولذلك، هي أيضا يسهل تحمّلها. المسألة لا تكمن في ان الألم امر بغيض، بل في ان التفكير في الالام المستقبلية ينبغي الا يقلق المرء كثيرا لأنه لا يهم أي نوع سيأتي، كلاهما يسهل تحمّلهما.
هذه الرؤية للالم تبدو غير معقولة. مع ذلك، يجب الاعتراف ان ابيقور لم يكن الألم غريبا عليه. ذكرنا في بداية المقال انه توفي بعمر سبعين عاما من مضاعفات انسداد الجهاز البولي. الألم كان شديدا للغاية. في رسالة كتبها الى صديق، يتحدث ابيقور عن الألم الناتج عن عدم قدرته على التبول والمصحوب بزحار شديد الألم. مع ذلك، هو أيضا يقول ان تأملاته الفلسفية السابقة كان لها تأثير إيجابي خفف من جميع معاناته. المؤرخ ديوجين لارتيوس يذكر ان هذه الرسالة حسبما جاء في كتابه عن حياة وأفكار الفلاسفة البارزين كان هناك انقسام حول صحتها، لكن، اذا كانت صحيحة، عندئذ يكون تحمّل ابيقور للالام القاسية امر لافت حقا.
***
حاتم حميد محسن
........................
The collector, Oct 1, 2025








