من الانبثاق إلى البانسايكزم
حين يصل النقاش حول الوعي إلى حدوده القصوى، لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية عمل الدماغ أو على طبيعة الفجوة بين التفسير الموضوعي والخبرة الذاتية، بل يتحول إلى سؤال أنطولوجي مباشر: ما موقع الوعي في نسيج الواقع نفسه؟ هل هو خاصية ناشئة تظهر عندما تبلغ المادة درجة معينة من التعقيد والتنظيم؟ أم أنه ليس طارئًا متأخرًا على الكون، بل بُعد أصيل من أبعاده، وإن كان يظهر في الكائنات الحية والعاقلة بصور أعلى وأكثر تركيبًا؟ هنا يدخل النقاش منطقة أشد عمقًا من مجرد فلسفة العقل بالمعنى الضيق، لأننا لا نعود نسأل فقط عن الوعي، بل عن طبيعة العالم الذي يسمح بوجوده.
إن الرهان على الانبثاق كان طويلًا أحد أكثر المواقف جاذبية. فهذه الفكرة تبدو، للوهلة الأولى، معقولة جدًا: ليست كل خصائص العالم موجودة على المستوى الأولي بالطريقة نفسها، بل إن بعض الخصائص تظهر حين تنتظم العناصر البسيطة في بنى أكثر تعقيدًا. السيولة مثلًا لا نجدها في جزيء الماء الواحد، بل تظهر على مستوى الجمع والتنظيم. والحياة نفسها، في بعض الصيغ، تُفهم بوصفها نمطًا من التنظيم لا يمكن اختزاله بسهولة إلى خصائص الجزيئات المفردة. ومن هنا قال كثيرون: لِمَ لا يكون الوعي كذلك؟ لِمَ لا يكون خاصية تنبثق عندما يبلغ الدماغ درجة معينة من التكامل، والتعقيد، والتفاضل الديناميكي، والتشابك الوظيفي؟
هذا التصور يمتلك قوة معينة، لأنه يسمح بالحفاظ على صورة طبيعية للعالم دون السقوط في اختزال مفرط. فالوعي، وفق هذا المنظور، ليس شبحًا مفارقًا للمادة، لكنه أيضًا ليس قابلاً للردّ البسيط إلى مجموع خواص أجزائه. إنه يظهر عندما تنتظم المادة بطريقة مخصوصة. وهنا يتكئ بعض المنظرين على تشبيهات من الفيزياء أو نظرية الأنظمة المعقدة أو البيولوجيا، ليقولوا إن الوعي ليس معجزة، بل حالة عليا من التنظيم. لكن السؤال الذي يظل يطارد هذا الموقف هو: أي نوع من الانبثاق نقصد؟
إذا كان المقصود مجرد انبثاق ضعيف، أي أن الوعي يمكن تفسيره بالكامل في النهاية من خلال قوانين الأجزاء والعلاقات بينها، وإن لم يكن ذلك واضحًا عمليًا لنا الآن، فإن المشكلة الصعبة تعود من جديد. لأن السؤال لن يكون: هل ثمة مستوى أعلى من التنظيم؟ بل: لماذا يكون لهذا المستوى خبرة؟ كيف يتحول التعقيد إلى إحساس؟ إذا كان الوعي منبثقًا بالمعنى الضعيف فقط، فقد يبدو أن كلمة “انبثاق” لا تضيف كثيرًا، بل تؤجل الصعوبة تحت اسم أكثر أناقة. كأننا نقول: نعم، الخبرة تظهر عندما تنتظم المادة، لكننا لم نشرح بعد لماذا يكون التنظيم خبرة، لا مجرد فعالية معقدة.
أما إذا كان المقصود انبثاقًا قويًا، أي أن الوعي يمثل نمطًا من الخصائص الجديدة التي لا يمكن اشتقاقها بالكامل من الخصائص الفيزيائية الأدنى حتى من حيث المبدأ، فإننا نكون قد تجاوزنا المادية الاختزالية بوضوح. هنا لا يعود الوعي مجرد نتيجة متوقعة لتعقيد البنية، بل يصبح إضافة أنطولوجية حقيقية إلى العالم. لكنه عندئذ يواجه مشكلة أخرى: كيف نفهم هذه القفزة؟ وكيف نفسر ظهور خاصية ذاتية من قلب عالم يوصف، في مستواه الأساسي، بلغة غير ذاتية؟ هل نحن هنا نفسر، أم فقط نمنح الجهل اسمًا ميتافيزيقيًا أكثر رهافة؟
لهذا السبب وجد بعض الفلاسفة أن الانبثاق، رغم جاذبيته، يبقى موقفًا غير مستقر. فهو يحاول الحفاظ على الطبيعة مع الاعتراف بفرادة الوعي، لكنه قد ينتهي إما إلى اختزال مقنع بالكلمات، أو إلى لااختزالية لا تملك تفسيرًا واضحًا لطريقة الصعود من الفيزيائي إلى الشعوري. وهنا يبدأ الطريق الآخر بالظهور: إذا كان من الصعب أن نفسر كيف يخرج الوعي من عالم غير واعٍ تمامًا، فربما يكون الافتراض الأساسي نفسه خاطئًا. ربما لا يكون العالم في أساسه خاليًا تمامًا من البعد الذاتي، بل ربما تكون أوليات الوعي أو ما يشبهه كامنة في صميم الواقع منذ البداية. وهنا ندخل إلى أفق البانسايكزم.
البانسايكزم، أو القول بشمولية البعد النفسي أو الشعوري في الكون، لا يعني بالضرورة أن كل شيء يفكر كما نفكر نحن، ولا أن الحجر يعاني أو الشجرة تتأمل أو الإلكترون يكتب الشعر. هذه صورة كاريكاتورية شائعة. المقصود، في صيغته الفلسفية الدقيقة، هو أن العناصر الأساسية للواقع قد تحمل شكلًا بدئيًا جدًا من “الداخلية” أو “الوجه الذاتي”، وأن الوعي البشري ليس خلقًا من العدم، بل تركيبًا عاليًا لشيء موجود في أصل الطبيعة بدرجات أولية للغاية. بحيث لا يكون الوعي حادثًا شاذًا في كون صامت تمامًا، بل تعبيرًا مكثفًا عن بعد أصيل في العالم.
تكمن جاذبية هذا الموقف في أنه يتجنب ما يسميه البعض “قفزة المعجزة”. فإذا كان العالم مكوَّنًا فقط من وقائع فيزيائية بلا أي بعد ذاتي، فمن الصعب فهم كيف تظهر الخبرة فجأة عند مستوى معين من التعقيد. أما إذا كان للواقع منذ البدء وجه داخلي، وإن كان بالغ البدائية، فإن الوعي المركب يصبح أقل غرابة من حيث المبدأ. نحن لا ننتقل من صفر مطلق إلى شعور كامل، بل من درجات دنيا من “الداخلية” إلى درجات عليا من التنظيم الشعوري. بذلك يبدو البانسايكزم كأنه يردم الفجوة التي عجز الاختزال عن ردمها.
لكن هذا الموقف، رغم أناقته الظاهرة، لا يمر بلا أثمان. أول هذه الأثمان هو مشكلة التركيب: إذا كانت الوحدات الأساسية تملك نوعًا بدئيًا من الذاتية، فكيف تتحد هذه الذوات الدنيا لتكوّن خبرة واحدة موحدة مثل خبرة الإنسان؟ كيف تتجمع “الداخلات” الصغرى في داخل واحد متماسك؟ كيف يصبح عدد لا يحصى من الميكرو-خبرات، إن صح التعبير، تجربة كلية واحدة؟ هذه ليست مسألة ثانوية، بل هي قلب الاعتراض على البانسايكزم. فإذا كان هذا الموقف يحل مشكلة نشأة الوعي من اللاوعي، فهو يورث نفسه مشكلة أخرى: نشأة الوحدة من التعدد.
ثم إن البانسايكزم يواجه مأزقًا إضافيًا: هل نحن بالفعل نفسر، أم فقط نعيد توزيع اللغز على الكون كله؟ قد يقول المعترض إن هذا الموقف لا يفسر لماذا يوجد وعي، بل يفترضه منذ البداية على مستوى أساسي. صحيح أنه يخفف من صدمة الظهور، لكنه قد يفعل ذلك بثمن تضخيم الأنطولوجيا وتعميم الغموض. بدل أن يكون لدينا لغز واحد هو الوعي الإنساني، يصبح لدينا كون كله مشوب بدرجات من البعد الذاتي، دون أن نعرف تمامًا ما المقصود بهذا “البعد” في مستواه الأدنى.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن البانسايكزم عاد بقوة في الفلسفة المعاصرة، لا بوصفه نزوة ميتافيزيقية، بل بوصفه محاولة جادة للخروج من مأزق الثنائية والاختزال معًا. فهو لا يجعل الوعي جوهرًا مفارقًا منفصلًا عن العالم كما في بعض الثنائيات التقليدية، ولا يذوّبه داخل المادة بطريقة تفقده فرادته كما في بعض الاختزاليات. إنه يحاول بناء أنطولوجيا أوسع، يكون فيها الوعي والمادة وجهين أو مستويين من واقع واحد أعمق. ولهذا اقتربت بعض صيغ البانسايكزم من الأحادية الحيادية، أي الفكرة القائلة إن ما نسميه “ذهنيًا” و”فيزيائيًا” ليسا جوهرين مستقلين، بل تجليين لنسيج أساسي محايد أسبق منهما معًا.
هنا يتغير شكل السؤال جذريًا. لم نعد نسأل فقط: هل الوعي منبثق أم أصيل؟ بل: هل التقسيم نفسه بين “مادة” و”وعي” تقسيم نهائي؟ أم أنه تقسيم ناتج عن مستوى معين من الوصف؟ ربما ما نعدّه نحن مادة من الخارج ووعيًا من الداخل ليس إلا وجهين لنفس البنية الأساسية. وهذا المسار، وإن بدا شديد التجريد، يحمل أهمية كبرى لأنه يحرر التفكير من البديل الساذج بين مادية صلبة وثنائية. إنه يفتح المجال لأنطولوجيا أكثر مرونة، لا ترى في الوعي زائرًا متأخرًا على الكون، ولا ترى في الكون آلة عمياء أفرزت بالصدفة كيانًا يشعر.
لكن حتى لو قبلنا بهذا الأفق الأوسع، تبقى هناك نقطة حاسمة: لماذا يبدو الوعي فينا مكثفًا، موحدًا، انعكاسيًا، وزمنيًا على نحو لا نراه في بقية الطبيعة؟ هنا يعود أنصار الانبثاق ليقولوا إن أصالة الوعي في الطبيعة لا تكفي وحدها، لأن ما يهم هو الدرجة والتركيب والتنظيم. ربما توجد أوليات بدئية، لكن الوعي كما نعرفه لا يظهر إلا حين تبلغ البنية مستوى معقدًا من التكامل. وهنا قد لا يكون الانبثاق والبنسايكزم خصمين مطلقين، بل يمكن أن يُفهم الأول بوصفه تفسيرًا لمستويات التنظيم العليا، والثاني بوصفه أطروحة عن الأساس الأنطولوجي الأعمق. أي إن العالم قد يحمل بعدًا أوليًا من”الداخلية”، لكن الوعي الشخصي الكامل يظل منبثقًا من تنظيم مخصوص لهذه الأوليات. في هذا المنظور، لا يكون الاختيار بين الانبثاق والبنسايكزم اختيارًا حديًا بالكامل، بل ربما يكون النقاش بينهما حول أي مستوى من التحليل نمنحه الأولوية.
غير أن ما يجعل هذا النقاش أكثر من مجرد جدل ميتافيزيقي هو أنه يرتبط مباشرة بمشكلة الوعي المعاصرة. فإذا قلنا إن الوعي خاصية ناشئة فقط، فنحن مطالبون بأن نشرح كيف تنبثق الخبرة من البنية. وإذا قلنا إنه بُعد أصيل في الكون، فنحن مطالبون بأن نشرح كيف تتشكل منه الوحدة الذاتية العليا. في كلا الحالين، لا يختفي اللغز، لكنه يتغير موضعه. مع الانبثاق، يتمركز اللغز في الظهور. ومع البانسايكزم، يتمركز في التركيب. وهذا يكشف أن المشكلة الصعبة للوعي ليست فقط سؤالًا عن الدماغ، بل عن ما إذا كان الواقع نفسه يحتاج إلى إعادة رسم.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن النقاش بين الانبثاق والبنسايكزم يعبر عن قلق أعمق داخل الفلسفة المعاصرة: هل نحن مستعدون لأن نراجع الصورة الحديثة للعالم بوصفه عالمًا مكوّنًا من وقائع قابلة للوصف الخارجي فقط؟ أم أننا ما زلنا نبحث عن طرق للالتفاف على هذا الميراث دون التخلي عنه كليًا؟ الانبثاق يحاول أن يحافظ على البنية الحديثة للعالم مع توسيعها قليلًا. أما البانسايكزم فيميل إلى زحزحتها من الأساس، إذ يقول ضمنًا إن العالم لم يكن يومًا صامتًا بالكامل كما توهمنا.
لا يبدو أن أحد الموقفين يحسم المسألة بصورة نهائية. الانبثاق يحتفظ بقوة الحدس العلمي والطبيعي، لكنه يواجه سؤال: لماذا يكون التعقيد خبرة؟ والبنسايكزم يحتفظ بجدية الخبرة ويجعلها أصيلة، لكنه يواجه سؤال: كيف تتحد الذوات الدنيا في وعي واحد؟ ومع ذلك فإن قيمة هذا الجدل لا تكمن فقط في الوصول إلى جواب نهائي، بل في أنه يوضح لنا أن الوعي ليس تفصيلًا ملحقًا بصورة العالم، بل هو من تلك الظواهر التي ترغمنا على إعادة النظر في الصورة كلها. فإما أن يكون العالم قادرًا، في أعماقه، على أن يلد حضورًا منظمًا من ذاته، وإما أن يكون الحضور نفسه جزءًا من نسيجه منذ البدء. وفي كلتا الحالتين، لا يعود الإنسان حادثة جانبية بسيطة، بل موضعًا ينكشف فيه أن الكون، في بعض مستوياته على الأقل، لا يكتفي بأن يوجد، بل يملك وجهًا يمكن أن يشعر بوجوده.
***
عبد الله الهميلي








