من النزعة الكلية إلى تفكك الكل في الفكر المعاصر
منذ نشأة التفلسف ظل مفهوم “الكلية” بمثابة الأفق الضروري الذي تتجه نحوه أنظار العقل الباحث عن نظام ومعنى، ذلك أن التأمل الفلسفي لم يلبث أن اكتشف باكراً أن العالم لا ينكشف في هيئة أجزاء متفرقة ولا وقائع منعزلة، بل هو يبدو في عمقه كوحدة متشابكة الأطراف وكنسيج لا يمكن فصم عراه دون إفساد طبيعة ما هو كائن. فقد أرسى أفلاطون أسس هذه النزعة الكلية حين جعل المثل العليا ضامنة للانسجام والغائية، وتابع أرسطو على منواله حين صاغ الكل في علاقته الجوهرية بالأجزاء ثم جاء هيغل فبلغ بالروح المطلق ذروتها حيث لا شيء خارج العقل ولا شيء يفلت من جدلية الامتصاص والتجاوز. لكن هذا البناء الشاهق والذي شغل الفكر الغربي لقرون لم يسلم من النقض والنبش، إذ ما لبث الفكر المعاصر بجرأة منقطعة النظير أن عاد إلى نبش أسس هذه الكلية وأخذ يصوغ أدواته في تفكيكها من الداخل مظهراً أن كل خطاب كلي يحمل في صميمه ثغرات لا تسد وأن أي نظام جامع لا يخلو من ظل ما يُقصى أو ما يغيب. وإذن فالمسألة ليست مجرد قطيعة إبستمولوجية مع الماضي، بل هي إعادة ضبط لعلاقة العقل بالعالم وتحول جذري في فهم ما يمكن أن تكون عليه الوحدة والنظام في زمن صار فيه التشظي أقرب إلى حقيقتنا من اليقين الكلي. وهذا المقال الذي نستفتحه يرمي إلى مقاربة هذه القضية من منطلق نقدي ينصت إلى أصوات كل من هزأ بالكلية من كيركغور إلى نيتشه ومن هايدغر إلى دريدا ودولوز، وصولاً إلى تلك التحولات الأنطولوجية والسياسية التي تجعل من التفكك شرطاً للإبداع ومن الاختلاف مادة للتفكير لا عيباً فيه ولا طعنَ على وحدة مزعومة. ففي هذا المسعى الفلسفي الراهن تتجلى مساءلة الكلية كأحد أكثر المشاريع حداثة وجرأة ليس لأنها تنفي الحاجة إلى النظام بل لأنها تعيد تعريف النظام نفسه كنظام بلا مركز، كل بلا هيمنة واتحاد بلا استلاب.
ثمة لحظة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني حين تتبدل الرؤى من الإمساك بالجملة إلى التفتت في التفاصيل، وحين يُصبح الكل نفسه موضع ارتياب لا بصفته اكتمالاً متناهياً بل كوهم تولّده الرغبة في المعنى. ففي الأفق الفلسفي الذي هيمنت عليه النزعة الكلية منذ أفلاطون وهيغل وحتى بعض التيارات البنيوية، كان الكل يُعتبر شرطاً للمعرفة والوجود معاً، نظاماً متعالياً، كلّاً عضوياً، انسجاماً قبلياً بين الأجزاء. لكن الفكر المعاصر بجراحه وتصدعاته عاد ليسائل هذه الكلية لا من باب العبث أو الرفض الإبستمولوجي المحض بل من زاوية أن أي كل لا يُمسك إلا بقدر ما يفلت من قبضتنا وأن ما ندعوه “كلا” ليس سوى تجميع مؤقت، ترتيب هش يُعيد تشكيله الهامش والنقيض والأثر.
يمثل التحول من النزعة الكلية إلى تفكك الكل إحدى العلامات الأكثر دلالة على أزمة العقل المعاصر، تلك الأزمة التي لم تعد تريد أن ترى في الكل ملاذاً من الفوضى بل أصبحت تكتشف أن الفوضى بالذات هي ما يسبق الكل ويتبعه. لقد كان هيغل في ذروة فلسفته الموسوعية أكثر المفكرين جرأة في تأسيس الكل كحركة جدلية حيث “الحقيقي هو الكلي” والجزء لا معنى له خارج سياق الكل الذي ينفي الاختلافات ليحتويها في وحدة متسامية. لكن هذه الوحدة الهيغلية – بوصفها “روحاً مطلقاً” يُعيد امتصاص كل تعينات الوجود – لم تسلم من نقد لاذع بدءاً من كيركغور الذي رأى في هذا الكل هروباً من الوجود الفردي بمنطقه القفز والتجدد وصولاً إلى الفكر التفكيكي الذي أظهر أن الكل لا يحضر أبداً بشكل تام بل يظل مؤجلاً معلقاً بين حروف وسياقات لا تحصى.
إن إعادة مساءلة مفهوم الكلية اليوم ليست رفاهية نظرية بل ضرورة نابعة من انهيار السرديات الكبرى كما بيّن ليوطار، حيث فقد الكل قدرته على الإضفاء الشرعي على المعرفة والقيم. لم يعد ممكناً الحديث عن “الكل” في التاريخ، أو “الكل” في المجتمع، أو “الكل” في النص، دون أن يصطدم العقل بهوامش تتسرب وأصوات تكسر الوحدة وتجارب لا تندرج تحت أي نظام شامل. وإذا كانت البنيوية قد حاولت في لحظة ما استعادة الكل بوصفه بنية لا مرئية تحكم الظاهرات، فإنها سرعان ما اكتشفت داخل هذه البنية فجوات، ألعاب اختلاف وإمكانيات للتحول تقاوم أي استقرار نهائي. من هنا كان التحول من البنيوية إلى ما بعد البنيوية جوهرياً حيث حلَّ مفهوم “الاختلاف” عند دريدا محل مفهوم “الهوية”، وأصبح الكل مجرد أثر لغياب مركز ومجرد أفق بعيد لا يُدرك كاملاً أبداً.
لعل أكثر ما يميز هذه المساءلة المعاصرة هو تخلّيها عن الحنين إلى الكل المفقود. فالنزعة الكلية لم تكن مجرد موقف فلسفي ساذج بل كانت تعبيراً عن طمأنينة إبستمولوجية بأن العالم، رغم تشعبه يمكن حشره في نسق عقلي واحد، أو في قصة واحدة أو في بنية لغوية مغلقة. كانت “الكلية” درعاً ضد العبث وملاذاً آمناً من تشظي المعنى. لكن الفكر المعاصر وخاصة في تياراته التفككية لم يكتف بتفنيد هذه الأوهام، بل عمل على إعادة تشكيل علاقتنا بالكل نفسه وجعل من التفكك – وليس التجمع – أساساً للتفكير. هكذا نجد في جيل دولوز وفلسفته تيار الاختلاف والتكرار، حيث لا يكون الكل وحدة تجانسية بل “كلٌّ من دون كل”، أي تركيب مؤقت ومحلي للاختلافات الصرفة بحيث أن ما يُسمى كلّاً ليس سوى لحظة عابرة في سيلان لانهائي للتمايز.
هذه التحولات تكتسي أهمية خاصة إذا تذكرنا أن النزعة الكلية في أبعادها السياسية والاجتماعية، أنتجت أنماطاً من التفكير الشمولي سواء في صيغتها الفاشية أو الشيوعية أو الاستعمارية حيث يُضحى بالفرد والتعدد والخصوصية على مذبح “الصالح العام” أو “الروح الجماعية” أو “مسار التاريخ”. ولعل مواجهة هذه الإرث الكلي تمثل أيضاً بعداً أخلاقياً عميقاً في الفكر المعاصر الذي يرفض إخضاع المختلف لنظام واحد ويفضل التعامل مع العالم كشبكة من العلاقات الجزئية، الهشة، المتنافرة. لكن هذا لا يعني ببساطة تبني فوضوية ساذجة أو نفي أي إمكانية للكلية من الأساس. ما تسعى إليه إعادة المساءلة هو تجاوز ثنائية “الكل مقابل الأجزاء”، والانتقال إلى مستوى آخر من التفكير حيث الكل يُفهم كحدث مؤقت وكنسيج يصنعه التوتر بين التماسك والتفكك وكإيقاع لا هوية ثابتة له.
فكيف يمكن للفلسفة بعد هذه النقلة أن تتحدث عن الكل دون أن تقع في مطبات الإطلاق أو التشظي الكامل؟ الجواب يتجلى ربما في مفهوم “الكل المفكك”، وهو مفهوم ضبابي لكنه خصب، يشير إلى أننا لا نستطيع التخلص من الكل لكننا نستطيع إعادة التفكير فيه بوصفه دائماً غير تام، لا يحضر إلا في غيابه ولا يستقيم إلا عبر نقائضه. إن الرحلة من النزعة الكلية إلى تفكك الكل هي في جوهرها رحلة من اليقين إلى الحذر ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومن السرد الأحادي إلى تعدد الأصوات. فإذا كانت النزعة الكلية قد وهبت العقل إحساساً بالنظام فإن تفكك الكل يمنحه الجرأة على العيش دون شبكات أمان مطلقة على التفكير في الأجزاء كقيم في ذاتها لا كخطوات نحو الكمال.
لقد أشار فوكو بطريقته النقدية إلى أن ما نسميه “الكل” هو نتيجة لعمليات استبعاد، إقصاء وتهميش وأن أي كلية مشروعة هي كلية مؤقتة تخضع للنسبية التاريخية والقوى الخفية. وأضاف دريدا أن الكل ليس إلا أثر “فارمقون”، دواء وسم في آن، شفاء وهدم، حضور وغياب. أما لوتشينو فلوريدي، في عصر المعلوماتية فيذهب أبعد من ذلك ليقول إن الكل بات مستحيلاً في عصر الفيضانات الرقمية وأن ما نشهده هو بدائل عن الكلية تشبه “الجيوب الكلية” أنساقاً موضعية لا تدعي الشمول.
لكن السؤال الأعمق يظل هل نحن بإعادة مساءلة الكلية هذه نعبر مرحلة انتقالية نحو جنس جديد من التفكير؟ أم أن الفكر نفسه منذ نشأته يتأرجح بين شهوة الكلية وريبة التفكك؟ لعل أرسطو نفسه كان يعرف ذلك حين قال في الميتافيزيقا إن الكل هو ما يمتلك أجزاءً مرتبة لكنه لم يغفل عن أن إدراك هذه الأجزاء يسبق إدراك الكل في ترتيب المعرفة، وهذا وحده كافٍ لزعزعة أي كلية متعالية. وعندما يتقدم هيغل ليقول إن الحقيقي هو الكلي فإنه ينسى أن الكلي لكي يكون كلياً حقاً يجب أن يحتوي لا محالة على نقيضه أي الجزئي بوصفه نفي النفي. لكن هل يمكن للكل أن يحتوي لانهائية الاختلافات دون أن ينفجر؟ هذا ما بات الفكر المعاصر يختبره على طريقته.
إن أجمل ما في هذه المساءلة أنها لا تقدم إجابة جاهزة ولا ترسم خريطة قارة للعقل. إنها تضعنا بدلاً من ذلك أمام مسؤولية عدم الاكتمال، أمام شجاعة العيش في عالم لم يعد الكل فيه مضموناً لكن التفكك لم يصبح فوضى ساذجة. ربما يكون سر الفكر الحي هنا، في قدرته على المناورة بين هذين القطبين، الإقرار بأننا نحتاج إلى أفكار كلية كأطر مؤقتة للفهم والعمل وفي الوقت نفسه الحفاظ على الحساسية تجاه ما يفلت منها تجاه الشروخ والفواصل، تجاه الأصوات التي لا تتناغم في سيمفونية واحدة. وربما يكون ذلك هو الدرس الأكبر للفكر المعاصر، ألا يطلب من الكل أن يكون دماً واحداً بل أن يصغي إلى تعدديته الداخلية.
فالكل عند التأمل العميق ليس صرحاً جامداً بل لحظة توتر ونبضة بين الانسجام والانشطار. وإذا كانت الفلسفة القديمة قد تطلعت إلى الكل بوصفه حضناً مطمئناً فإن الفلسفة المعاصرة بجراحينها وعدساتها المكبرة تعلمنا أن نرى في الكل لغزاً، معضلة جميلة، حفرة لا قعر لها يغوي الهبوط فيها ثم يخيف بالضياع. إعادة مساءلة الكلية ليست نقمة على العقل بل هي علامة نضجه لأنه يعرف الآن أن من يدعي إمساك الكل كمن يظل يطارد قوس قزح، جميل لكنه يتفلت كلما اقتربت منه الأيدي.
في هذا المنعطف لا يطرح سؤال: “هل الكل موجود؟” أو “هل الكل ممكن؟” بل “كيف يمكننا أن نعيش ونتفكر من دون كلية مؤسسة مع الإيمان باستحالة التخلص من كل أثر للكل؟” لقد أظهر الفكر المعاصر أن النزعة الكلية ليست مجرد خطأ نظري بل هي ربما وسيلة دفاعية نفسية أكثر منها حقيقة وجودية. فكما يبني الفرد أوهام اليقين لتجنب الخوف من المجهول، تبني الحضارات نظريات الكلية لتجنب مواجهة عشوائية التاريخ. لكن حين تتفكك هذه النظريات – كما حدث في أوروبا بعد الحربين وفي المستعمرات بعد التحرر وفي العالم الرقمي بعد انفجار المعلومات – يبقى الإنسان عارياً أمام تناثر الأجزاء وأمام قطع لغز لا تريد أن تتجمع. وهنا تبرز حاجة جديدة، ليس إلى الكل المطمئن بل إلى منهجية للتعامل مع التفكك نفسه. ربما يكون التفكك في حقيقته ليس فوضى بل نظام آخر، نظام لا مركزي، شبكي، مؤقت. وهذا ما حاولت تفكيكية دريدا أن تفعله حين أظهرت أن “الكل” نصّ والنص لا يغلق أبداً. وكل محاولة لإغلاقه هي عنف رمزي. وكل محاولة لفتحه بالكامل هي انهيار في اللانهاية. في الوسط حيث لا كل يحكم ولا تفكك يفلت، يجد الفكر المعاصر موطنه الأصعب والأخصب.
يبقى أن نشير إلى أن هذا التحول لم يحدث في فراغ. لقد مهّدت له نقدات كانط للعقل الخالص حيث أظهر أن العقل إذا تجاوز حدوده يقع في الأوهام الميتافيزيقية بما فيها وهم الكل المطلق. كما مهّد له نيتشه الذي أعلن أن “لا حقائق بل تأويلات”، وأن أي كلية ليست سوى لعبة قوى وإرادة سلطة تريد تسمية نفسها حقيقة. ثم أتى فرويد مع اللاوعي ليهز فكرة الكلية النفسية وأظهر أن الذات نفسها ليست كلا بل هي مسرح صراعات لا نهائية بين مراكز متعددة. ومع لكان أصبح الكل رمزياً مستحيلاً لأن “الأنثى لا توجد” أي أن الكل لا يحضر كاملاً في اللغة أو الرغبة.
في كل هذه النقاط ما نراه هو تمرد ضد إغراء الاختزال. ليس الهدف تفكيك كل شيء لمجرد التفكيك بل هو إعادة الاعتبار لما أهملته الكلية ولما سُحق في معامل الجمع والطرح لما جُعل هامشياً. إن الفلسفة اليوم مدعوة لأن تكون شعراء للتفاصيل، مؤرخين للشروخ وعلماء للتشظي. وربما أن أجمل ما يمكن أن تقدمه هو أن تعلمنا أن نحب الكل المحتمل لا الكل المفروض، الكل الذي يلمح في الفراغ بين الكلمات في السكتة بين النغمات وفي اللحظة بين لحظتين. كلّ بلا كلية، نظام بلا مركز، انسجام بلا انغلاق.
ومساءلة الكلية تظل مفتوحة لا لأننا لم نصل بعد إلى جواب بل لأن السؤال نفسه هو الجواب، ذلك السؤال الذي يعيد ترتيب علاقتنا بالوجود ويجعل الفلسفة كما قال مارتن هايدغر “تفكراً بلا آخرية”. وفي هذا التفكر لا يسود الكل ولا يتفكك الكل تماماً بل يحدث ما هو أدق، يتنفس الكل ويأخذ شهيقاً من تركيب وزفيراً من انفراط ويكون الإنسان هو ذلك المكان الضيق الذي يحدث فيه هذا التداخل.
على أن إعادة مساءلة الكلية لا تعني قطيعة تامة مع النزعة الكلية بقدر ما تعني تحويلاً في منحي التساؤل الفلسفي ذاته إذ لم يعد الهم الأساسي هو بناء الكل أو اكتشافه بل تتبع آثاره في زوايا التفكك والإصغاء إلى ما يحدث حين تنهار وحدة المعنى وتتفتت الكيانات الكبرى تحت وطأة الاختلاف والتعدد والنسيان. فإذا كانت النزعة الكلية قد أسست لنفسها على مبدأ الهوية والمطابقة فإن اللحظة الراهنة تكشف لنا أن الهوية ليست سوى اختلاف مؤجل وأن ما نسميه الشيء ذاته لا يلبث أن يتبدى محكوماً بعلاقات تمايز لا تنتهي. من هنا نفهم لماذا كان ديريدا محقاً في إصراره على أن المعنى لا يحضر كاملاً في أي نص بل يظل معلقاً بين إمكانيات لا تُحصى وتأويلات لا تستقر وهو ما يبشر بنوع من الكلية الراحلة، كلية تلوح في الأفق ثم تتبخر كلما حاول العقل أن يضمها بين يديه.
غير أن ثمة فخا لا بد من تجنبه وهو الفخ الذي يظن أن تفكك الكل يعني انحلال الفكر في فوضى لا شكل لها أو تمجيداً للاجزاء كمعبودات صغيرة تحل محل الإله الأكبر. الحقيقة أن ما بعد النزعة الكلية ليس عصر أجزاء متناثرة بلا حلم بالوحدة بل هو عصر علاقات شبكية مرنة، عصر تجمعات مؤقتة لا تدعي الأبدية، عصر أنساق مفتوحة ترفض أن تختم بخاتم نهائي. إن دريدا نفسه حين تحدث عن التفكيك لم يقصد تدمير البنى بل تفكيكها من الداخل، أي إظهار أنها تحمل في صميمها بذور تفككها وأن أي كل ليس أكثر من أثر لا نهائي. كذلك دولوز وغوتاري في مشروعهما حول “الريزوم”، قدما نموذجاً بديلاً للكل الشجري الذي كان يهيمن على الفكر الغربي حيث كل نقطة تتصل بأي نقطة أخرى، لا بداية ولا نهاية، لا جذر ولا مركز، بل انتشار أفقي، تناسل متصالب وتشكل مستمر. هذه الصورة الريزومية هي التي تعكس على نحو أمين مصير الكلية في الفكر المعاصر، كل منتشر، لا كل متجمع، كل متعدد المراكز، لا كل أحادي المركز.
وفي الميدان السياسي والاجتماعي، تجلت آثار هذا التحول بظهور مفاهيم جديدة كـ “الجماعات المتعددة”، و”الهويات السائلة”، و”المجتمعات الشبكية”، التي يصفها زيغمونت باومان بأنها مجتمعات لا تعود تعرف صيغاً ثابتة للانتماء بل تتحول العلاقات فيها إلى لقاءات عابرة ومؤتلفات جزئية، أقاليم لا تشبه الأقاليم التقليدية. ولم يعد ممكناً التفكير في “الصالح العام” الكلي لأن العامة ذاتها باتت متنازعاً عليها وكل جماعة تقدم تصورها الخاص لما هو عام وهذا ليس خللاً بل هو جوهر اللعبة الديمقراطية في عصر التعددية الراديكالية. شانتال موف وإرنستو لاكلاو على سبيل المثال، قدما نظرية سياسية تقوم على رفض أي كلية شاملة وتقترح بدلاً منها مفهوم “الهيمنة” كعملية بناء مؤقت للكل من خلال تعادل مطالب متعددة ومتضاربة وهو بناء لا ينتهي أبداً ولا يصل إلى لحظة انغلاق. هنا يظهر الكل كأفق تنظيمي لكنه أفق متحرك يتحقق جزئياً ثم يختل ويعاد تشكيله ثم يُفكك. الحياة السياسية من هذا المنظور ليست سوى مسرح لهذا التردد الدائم بين تجميع الأجزاء وتفكك التجميع.
أما في مجال الفن فإن تحول مفهوم الكلية يبدو بأبهى صوره وأكثرها حسّية. لقد كان الفن الكلاسيكي يحلم بالعمل الفني ككل عضوي تنتظم فيه الأجزاء في انسجام تام حيث لا يمكن حذف شيء دون أن يختل المعنى الكلي. لكن الفن المعاصر منذ الحداثة وما بعدها اتجه نحو تكسير هذه الوحدة ونحو العمل المفتوح ونحو الأجزاء المتصادمة ونحو القطع والحطام والمعاني المتعددة. جيمس جويس في “يوليسيس”، فرانز كافكا في حكاياته المعلقة، صمويل بيكيت في مسرح الصمت هم فنانو الكلية المتشظية الذين يكتبون النص كأنه حقل ألغام، كل كلمة قد تنفجر في اتجاه وكل جملة قد تفقد سياقها. هذا الفن لا يقدم لنا كلا جاهزاً للاستهلاك بل يدعونا إلى أن نكون نحن من يعيد تركيب الكل، كل مرة بطريقة مختلفة، على مسؤوليتنا، دون ضمانات. هنا يتساوى الفنان والمتلقي في مواجهة التفكك وكلاهما منفي من جنة المعنى الواحد، كلاهما مضطر لأن يخلق من التشتت نظاماً مؤقتاً، من الفوضى شكلاً عابراً.
لكن مع كل هذا يظل السؤال المؤرق هل نستطيع حقاً أن نعيش من دون كل ما؟ ألا تعود الحاجة إلى الكلية بقوة في لحظات الأزمات، حين يسقط كل سند ويتحول العالم إلى أجزاء معادية؟ لقد رأينا كيف عادت الخطابات الشعبوية والقومية والدينية لتقديم كليات بديلة كليات بسيطة، سحرية أحياناً تعد بإعادة الانسجام وبإصلاح التشظي وبجمع الشتات. وهذا يدل على أن نقد الكلية مهما كان عميقاً وأصيلاً لا يمكن أن يلغي الحاجة الإنسانية إلى المعنى الشامل، إلى الإحساس بالانتماء إلى كل أكبر من الأجزاء المتناثرة. غير أن الفكر المعاصر في أسمى تجلياته لا يدعو إلى نبذ هذه الحاجة بل إلى إعادة توجيهها، إلى تنقيتها من السموم، إلى جعلها تتعايش مع الوعي باستحالة الإشباع التام. إنه يريد كلية “أقل علواً”، كلية “متواضعة”، كلية لا تكذب على نفسها وتعترف بأنها مجرد صورة، شبكة، إيقاع مؤقت بين الجمع والفرق، بين الشوق إلى الوحدة والخوف من استبدادها.
ولم تكن رحلة التفكير من النزعة الكلية إلى تفكك الكل مجرد تحول إبستمولوجي أو مدرسة فلسفية عابرة، بل كانت بمعنى أعمق إعادة اختراع للعلاقة بين العقل والعالم وبين الذات والآخر وبين المعنى واللامعنى. لقد أدرك الفكر المعاصر بعد عناء قرون من البحث عن كليات مطلقة – أفلاطونية، هيغلية، ماركسية، بنيوية أي أن كل لا يخلو من أثر استبعاد وأن أي نظام شامل يحمل في طياته شبح الإقصاء والعنف الرمزي. ولهذا كان تفكيك الكل بمثابة فعل تحرير ليس للأجزاء فحسب بل للكل نفسه من أسره السابق. فالكل عندما يعترف بأنه غير تام ينفتح على إمكانيات جديدة وعلى أصوات كانت مهمشة وعلى حياة كانت مقموعة باسم الانسجام المزعوم.
إن إعادة مساءلة الكلية اليوم تعني القبول بفكرة أن العالم لا يخضع لمنطق واحد، وأن الحقيقة متعددة الأوجه وأننا لا نستطيع الإمساك بالنظام مطلقاً دون أن يفلت من بين أصابعنا شيء ما. لكن هذا الإفلات ليس خسارة بل هو بالضبط ما يبقينا في حالة تفكير حي وما يمنع العقل من التحجر وما يدفعه إلى تجديد أدواته ووسائله. الفلسفة التي تنكر وجود الكل تصبح عبثية والفلسفة التي تعلن اكتشاف الكل تصبح دوغمائية. الطريق الثالث وهو الأصعب والأخصب هو أن نحافظ على الكل كمسألة لا كجواب وكسؤال لا كيقين، كأفق نتحرك نحوه مع إدراك أننا لن نبلغه أبداً كما نتمنى.
من المدهش أن نشهد في الوقت نفسه عودة خفية للكلية من أبواب خلفية في ثوب الأنظمة الذكية والخوارزميات الضخمة والبيانات الضخمة التي تعيد تجميع تفاصيل حياتنا اليومية في أنساق ضخمة نادراً ما نفهمها. فالعصر الرقمي وهو العصر الذي أشاد الكثيرون فيه بتفكك السلطات وانهيار التسلسلات الهرمية يبدو وكأنه يعيد إنتاج كلية جديدة، كلية تقنية، كلية خوارزمية، أكثر خفاءً وأكثر تسللاً من الكليات السابقة. هذه الكلية الجديدة لا تحتاج إلى فلسفة واضحة ولا إلى سردية كبرى بل تعمل من خلال جمع البيانات وتوقع السلوك وإعادة إنتاج الأنماط. هنا يطرح السؤال مرة أخرى هل نحن بعد أن تفككنا الكليات القديمة نصنع كليات جديدة أكثر خطورة لأنها لا تخضع للمساءلة ذاتها؟ ربما كانت مهمة الفلسفة المقبلة هي إعادة فتح هذه الكلية الرقمية وتفكيكها كما فككت الكليات الميتافيزيقية وإظهار أن حتى الخوارزمي ليس كلا حقيقياً بل شبكة من الافتراضات والتحيزات والاستثناءات.
تظل الحقيقة أن مساءلة الكلية في جوهرها مساءلة للإنسان عن رغبته في اليقين وعن خوفه من الفوضى وعن حاجته إلى المعنى كغطاء على هاوية العبث. ولهذا فهي ليست مسألة نظرية بحتة بل هي مسألة وجودية بامتياز. كيف نبني مشاريع حياتية وعلاقات ومجتمعات من دون السقوط في فخ الكلية المغلق وفي الوقت نفسه من دون الاستسلام لتفكك يجعل كل شيء نسبياً وعابراً وزائلاً؟ لعل الإجابة تكمن في مفهوم “الكل المؤقت”، الكل الذي نصممه بأنفسنا في كل لحظة والذي لا يفرض نفسه علينا من الخارج بل نعيد ابتكاره باستمرار من الداخل. كل هذا يشبه الجسر الذي نبني أثناء عبوره أو النغمة التي تظهر بين النغمات أو الذاكرة التي لا تستقر على صيغة واحدة. وهو في العمق ما أراده الفكر المعاصر حين انتقد الكليات القسرية، ليس كي يتركنا في برية الأجزاء بل كي يمنحنا حرية بناء كلياتنا الخاصة، كليات صغرى، محلية، مؤقتة، لكنها حقيقية بما يكفي لتعطي لحياتنا معنى ومرونة بما يكفي كي لا تصبح سجناً.
وتكون مساءلة الكلية في أروع تجلياتها بمثابة دعوة إلى نمط جديد من الحكمة، حكمة لا تستقر على يقين ولا ترتاح إلى تشكك بل تتحرك في المنطقة الرمادية بينهما وتمسك الخيط من طرفيه وتعرف متى تجمع ومتى تفرق ومتى تبني كلا ومتى تتركه يتفكك لتعيد بنائه من جديد. حكمة تنتمي إلى نسيج الحياة أكثر مما تنتمي إلى قلاع الميتافيزيقا، حكمة شجاعة بما يكفي لترى أن الكل المطلق وهم والتفكك المطلق موت وأن الحقيقة كما يقال في بعض الحكم القديمة تكمن في الوسط لكن ليس وسطاً جامداً بل وسطاً يرقص على حبل رفيع بين الاستقرار والانهيار، بين الكل واللا كل وبين الحلم بالوحدة والخوف من فقدان الذات في زحام الأجزاء.
فلتكن مساءلة الكلية إذن، بدايةً لا نهاية، فتحاً لا إغلاقاً، أسلوب عيش لا نظرية محضة، جسراً يمتد فوق هوة الأسئلة الأولى والأخيرة، نعبر عليه بين حين وآخر حاملين معنا بعض الأجزاء التي نحب معترفين بأننا لن نصل أبداً إلى الضفة الأخرى لا كاملين ولا متكاملين لكننا مع ذلك نسير.
***
د. حمزة مولخنيف







