أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الاعتراف بوصفه شرطا أنطولوجيا
من هيغل إلى أكسل هونيث
هل يمكنني أن أعرف أني موجود بمعزل عن نظر الآخر إلي؟ هذا السؤال الذي يبدو بريئا يكشف عن هزة عنيفة في صميم اليقين الديكارتي. حين قال ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود"، أوقف الوجود عند لحظة التفكير الخالص، عند ذات مفردة تسبح في فراغ بلا علاقات. لكن ما لم ينتبه إليه صاحب التأملات الميتافيزيقية هو أن هذا الأنا حين يُجرد من كل أنت يتحول إلى شبح هش، إلى كيان يافع عارٍ تكتنفه وحشة ماكرة. الذات لا تولد ذاتا بل تصير ذاتا عبر الآخر عبر صراع مرير من أجل الاعتراف. هذه هي الجملة التي هزت عرش الفلسفة الحديثة حين أطلقها هيغل بوقاحة عبقري.
إن الوعي بالذات كما يوضح هيغل في ظاهريات الروح ليس فعلاً تأمليا خالصا بل هو رغبة، رغبة في أن يراه الآخر، رغبة في أن يُثبت وجوده أمام أحد آخر. لا يمكنني أن أشعر بأني حي حقيقة حية تتنفس وتريد وترفض إلا إذا وقف أمامي كائن آخر يقول لي "أراك". لكن هذه الرغبة تأخذ منعرجا دراماتيكيا في ما عُرف بجدلية السيد والعبد. السيد يظن نفسه حرا لأنه يسيطر غير أنه في الحقيقة عبد لخوفه من أن يفقد العبد لأن العبد هو مرآته الوحيدة. والعبد يظن نفسه مهزوما لأنه يطيع، لكنه في الحقيقة سينتصر يوم أن يكتشف أن عمله على الأشياء يعيد تشكيل وعيه، يوم يدرك أن الاعتراف لا يُطلب بل يُصنع. يقول هيغل بعبارته القاطعة: "كل وعي يرغب في وعي آخر". هذه الجملة القصيرة تبتلع كل يقين ساذج حول الاستقلال الفردي.
ما يعنيه هذا الكلام الفلسفي الثقيل أن الذات لا تسبق الاعتراف بل تنشأ في لحظة المواجهة مع الآخر. الفينومينولوجيون فهموا هذا جيدا، ميرلو بونتي قال إن الجسد ليس شيئا في العالم بل وسيلة امتلاك العالم، لكنه لم يقل كفايته، حقيقة الأمر أن الجسد لا يمتلك العالم إلا بقدر ما يمتلكه آخر. نظرات الآخرين ترسم حدود جسدي وتمنحه كثافة أو تسلبه إياها، تجعله حيا أو جثة تمشي. وسارتر في "الوجود والعدم" رسم مشهدا أكثر حدة، تخيل أنك تجسس على أحدهم من ثقب مفتاح فجأة تسمع خطوات تقترب، تشعر بنظرة تراقبك من الخلف. في تلك اللحظة كما يقول سارتر، "أنا أنهار، أُختطف من نفسي، يصبح جسدي موضوعا لنظرة الآخر". هذه النظرة لعنة ونعمة معا، لعنة لأنها تحولني إلى شيء مجمد، ونعمة لأنها لو غابت لتلاشيت.
هذا المأزق الأنطولوجي وجد امتداده في نظرية أكسل هونيث المعاصر، في كتابه "الصراع من أجل الاعتراف" (1992)، يبني هونيث تصورا ثلاثي الأبعاد للاعتراف، يقابله ثلاثة أشكال من الإهانة، البعد الأول: الحب. ليس الحب مجرد عاطفة رومانسية بل هو الشكل الأولي للاعتراف الذي يتلقاه الإنسان في علاقاته الأولى. من خلال الحب يتعلم الشخص أن جسده يخصه وأن كيانه المادي له قيمة. الحرمان من هذا النمط أي الإهمال العاطفي أو العنف الجسدي ينتج إهانة سماها هونيث "الاغتصاب الجسدي" وهي أعمق الإهانات لأنها تصل إلى أساس الثقة الوجودية. البعد الثاني: الاعتراف القانوني. كل إنسان يريد أن يعترف به المجتمع كشخص له حقوق ككيان قانوني يستحق الاحترام المتساوي. الحرمان من هذا الاعتراف ينتج إهانة "حرمان الكرامة". الشخص المسلوب الحقوق ليس فقط فقيرا أو مقهورا بل مهان في وجوده كإنسان. البعد الثالث: الاعتراف بالتضامن. الإنسان لا يريد فقط أن يحبه أحد وأن تحترمه المؤسسات بل يريد أن يعترف به كفرد فريد له إسهاماته المميزة. الحرمان منه ينتج "الإهانة الاجتماعية" حيث يشعر الإنسان أنه عديم القيمة ومجرد رقم قابل للاستبدال.
هذه البنية الثلاثية أثارت نقاشا حادا مع نانسي فريزر التي قالت إن الطبقة العاملة الفقيرة لا تعاني فقط من سوء التقدير بل من سوء التوزيع. جوع البطون أشد فداحة من جوع الكرامة، رد هونيث أن كل سوء توزيع هو في أعماقه سوء اعتراف، العامل لا يحتج لأنه لا يجد ما يأكل فقط، بل لأنه يشعر بأن المجتمع ينظر إليه بازدراء بأن إسهامه في الإنتاج لا يحظى بالتقدير. هذا النقاش ظل معلقا يشبه النقاش القديم بين الماديين والمثاليين، بين من يرى الجسد أساسا ومن يرى الروح أساسا.
غير أن هونيث ظل أسير الميتافيزيقا الألمانية في نقطة حاسمة، ثلاثيته (الحب، القانون، التضامن) مستمدة مباشرة من ثلاثية هيغل (الأسرة، المجتمع المدني، الدولة). لكن السؤال الفلسفي يبقى هل هذه الأنماط الثلاثة كافية حقا لوصف كل أشكال الاعتراف؟ ألا يوجد نمط رابع؟ ماذا عن الاعتراف بالعدو؟ ماذا عن الاعتراف الذي يأتي من الكراهية لا من الحب؟ هيغل نفسه أشار إلى هذا حين تحدث عن "صراع الاعتراف" كحرب وجودية، لكن هونيث ابتعد عن هذا الجانب المظلم وأصر على أن الاعتراف الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون إيجابيا رغم أن الحياة الاجتماعية مليئة بأشكال الاعتراف السامة.
ربما كان بول ريكور في آخر أعماله "مسار الاعتراف" أكثر عمقا. قال إن الاعتراف له ثلاثة معانٍ مترابطة: الاعتراف بمعنى التعرف على شيء أو شخص (هذا أنت)، والاعتراف بمعنى الامتنان والشكر (أنا مدين لك بأني موجود)، والاعتراف بمعنى الاعتراف بالخطأ (أنا المخطئ، أنا الضعيف). هذه المعاني الثلاثة تشكل معا بنية الاعتراف الكامل. في هذه الثلاثية الجديدة يتحول الاعتراف من علاقة قوة أو صراع إلى علاقة عطاء ومحبة وتواضع. هذا هو الجوهر الفلسفي الذي أغفله هيغل في ظاهرياته.
لكن هل يمكن لإنسان أن يبقى إنسانا إذا حُرم من الاعتراف؟ الطفل الذي لم يعرف الحب هل يقدر على بناء ذات حقيقية؟ المحكوم بالإعدام الذي سُلبت حقوقه تماما أليست عيناه حين تمر به الشرطة دون أن تطلب بطاقته تلك العيون التي تعترف بأنه ليس مهددا؟ لحظة أن تتحول هذه النظرة إلى شك إلى تهمة مبطنة فإن جزءا من وجوده ينهار. مهمّش في مجتمع يقدس الثراء، امرأة تُختزل جسديا رغم عقلها، عامل يُسرق إنتاجه دون أن يُنظر إليه كإنسان، كل هؤلاء يعرفون بالضبط ما يعنيه أن تُحرم من الاعتراف، أن تكون غير مرئي بالرغم من ضخامة حضورك.
ربما المنعطف الأهم هو أن هيغل نفسه لم يبت في هذه القضية بشكل كاف. في فلسفة الحق تحدث عن الاعتراف في إطار الدولة الأخلاقية حيث تتصالح الذات مع الجماعة، لكن هل هذا التصالح حقيقي؟ أم أنه مجرد وهم برجوازي تلاعب بالمفاهيم يخفي إكراهات أعمق؟ ألكسندر كوجيف في محاضراته الشهيرة ذهب إلى تفسير أكثر تشاؤما نهاية التاريخ، تلك اللحظة التي يتحقق فيها الاعتراف الكامل هي لحظة سكون لحظة يموت فيها الإنسان كرغبة وكفعل. الاعتراف الكامل يعني نهاية الصراع ونهاية الصراع يعني نهاية الإنسانية ذاتها لأن الإنسان كما يقول كوجيف "هو رغبة في الاعتراف"، إذا تحققت هذه الرغبة تماما يتوقف الإنسان عن كونه إنسانا.
هذا يقودنا إلى إشكالية مركزية، هل توجد ذات قبل الاعتراف أم أن الاعتراف هو من يصنع الذات؟ هيغل أجاب بشكل حاسم، لا توجد ذات قبل الاعتراف، الذات تولد في لحظة المواجهة مع الآخر وليس قبلها. الإنسان ليس لديه طبيعة ثابتة بل لديه تاريخ وتاريخه هو سلسلة من الصراعات من أجل الاعتراف. هذا الطرح سيكون له أثر عميق في الماركسية والوجودية ومدرسة فرانكفورت. ماركس نفسه رغم أنه انتقد هيغل بشدة اعترف في مخطوطاته الأولى أنه مدين له بهذه الرؤية الجدلية للذات.
لعل الحل إن كان هناك حل ليس في المزيد من الاعتراف بل في التحرر منه، كيركغور قال إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى اعتراف أحد. الإيمان هو أن تصبح ذاتا أمام الله في صمت مطلق بدون شهود بدون نظرات الآخرين. لكن الحقيقة المحزنة أن معظمنا ليسوا قديسين ولا أنبياء، نحن بشر عاديون نعيش في غابة من النظرات ونتأرجح بين الرغبة في أن نرى والرعب من أن نُرى بين الحاجة إلى الاعتراف والخوف من سجنه.
ما يخلص إليه التأمل أن مسألة الاعتراف ليست إشكالية عارضة بل هي بنية ثابتة في صميم الوعي الإنساني. كل صباح حين يعيد الوعي تشكيل نفسه لا بد له من العودة إلى سؤال التأسيس ذاته أي نظرة هي التي تمنح الكينونة كينونتها كل يوم؟ إنها نظرة تنوعت أشكالها لكنها لم تخلُ من صراع دائم بين التقدير والإذلال، بين الإدماج والإقصاء. الإنسان الذي يُحرم من هذه النظرات التي لا يعترف بها أحد هو إنسان يعيش موتا بطيئا للروح. جسده يتحرك ولسانه ينطق ولكن وجوده يتسرب منه كالرمال من بين الأصابع. وهذه لا مبالغة في القول هي الكارثة الأنطولوجية الحقيقية التي تضعها نظرية الاعتراف أمام أعيننا.
نظريات الاعتراف من هيغل إلى هونيث بكل تعقيدها وعمقها لم تقدم لنا سوى مرايا إضافية سوى عدسات نرى بها أنفسنا من خلالها. لكن الحقيقة الأعمق، الحقيقة التي لا تستطيع أي فلسفة أن تمنحنا إياها هي أن نظرة الآخر مهما بلغت من النقاء لن تملأ الفراغ الذي في داخلنا لأن ذلك الفراغ ليس عيبا فينا بل هو كينونتنا ذاتها. الفيلسوف ليس من يعطي إجابات بل من يعلم السؤال بطريقة أعمق يعلم الوجود كسؤال لا كجواب. إن كان هيغل قد علّمنا شيئا فهو أن الوعي لا يستقر أبدا وأنه رحلة لا تنتهي وأنه صراع دائم بين رغبتين متعارضتين، الرغبة في أن يكون محددا معترفا به والرغبة في أن يكون مطلقا حرا فوق كل تحديد. هاتان الرغبتان لا تلتقيان أبدا لكنهما تظلان تحركان الحياة. إلى الاعتراف الكامل الذي لا نقص فيه لا نصل أبدا، وهذا الفشل الأبدي هو سر كوننا بشرا ولسنا آلهة.
***
د. حمزة مولخنيف







