أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: العقل والأخلاق في الفكر المغربي المعاصر
من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول
يستوقف الناظر في مسار الفكر المغربي المعاصر ذلك التوتر الخفي بين مطلب العقل بوصفه أداة للفهم والتنظيم وبين مطلب الأخلاق بوصفها أفقا للمعنى والالتزام. توتر لا يُختزل في جدل نظري صرف بل يمتد في عمق التجربة التاريخية والثقافية للمغرب الحديث، حيث تداخلت رهانات التحرر السياسي مع أسئلة الهوية وتشابكت مشاريع التحديث مع استعادة المرجعيات الروحية والفقهية. ويعد السؤال عن العقل سؤالا عن وظيفته وحدوده وعن مشروعيته داخل نسيج ثقافي لم ينفصل قط عن الوازع الأخلاقي كما يغدو السؤال عن الأخلاق بحثا في شروط إمكانها داخل عالم تتسارع فيه آليات العقلنة التقنية وتتضخم فيه سلطة الوسائط.
ذلك أن العقل كما تبلور في كثير من تمثلات الحداثة، اقترن بقدرة الإنسان على السيطرة والتحكم وانصرف إلى تدبير الوسائل وتحقيق النجاعة فغدا ما اصطلح عليه بالعقل الأداتي الذي يقيس الأشياء بمردودها ويزن الأفعال بنتائجها. غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة داخل السياق المغربي حيث ظلت الذاكرة الفقهية والصوفية تستبطن تصورا للعقل يتجاوز الحساب إلى الاعتبار ويعانق الحكمة بوصفها إدراكا للغايات قبل الوسائل. وهنا تنشأ المفارقة، عقل يندفع في اتجاه التشييء والتقنين وأخلاق تستبطن معنى المسؤولية والتزكية.
وقد عبّر غير واحد من المفكرين المغاربة عن هذا القلق المعرفي والأخلاقي حين نبهوا إلى أن اختزال العقل في وظيفته الأداتية يؤدي إلى فراغ معياري خطير، إذ يغدو الفعل الإنساني قابلا للتبرير متى تحقق له النجاح أو النفع ولو على حساب القيم المؤسسة للعيش المشترك. هذا التحذير يجد صداه في التراث الإسلامي ذاته حيث اقترن العقل بالحكمة والحكمة بالإصابة في القول والعمل، حتى قيل إن “العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان” في دلالة على تلازم المعرفة والالتزام وعلى أن إدراك الحقائق لا ينفصل عن تهذيب السلوك.
ضمن هذا الأفق يتبدى أن الإشكال المطروح في الفكر المغربي المعاصر لا يتعلق بمجرد المفاضلة بين العقل والأخلاق بل يرتبط بإعادة بناء العلاقة بينهما على نحو يحرر العقل من نزوعه الاختزالي ويحرر الأخلاق من انغلاقها الوعظي. فالعقل حين ينفصل عن القيم يتحول إلى قوة عمياء والأخلاق حين تنفصل عن العقل تنزلق إلى مجرد تقاليد فاقدة للفاعلية. لذلك كان البحث منصبا على تأسيس نمط من العقلانية يدمج البعد القيمي في صميم الفعل المعرفي ويجعل من المسؤولية مبدأ موجها لكل ممارسة عقلية.
إن هذا التحول من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول لا يفهم إلا في ضوء السياق الذي تشكل فيه الفكر المغربي الحديث، حيث واجهت النخب المثقفة تحديات مزدوجة، تحدي الاستعمار الذي فرض نمطا من العقلانية التقنية المرتبطة بالهيمنة وتحدي التقليد الذي سعى إلى تثبيت أنماط جاهزة من الفهم والسلوك. وبين هذين الحدين نشأ وعي نقدي حاول أن يستعيد للعقل وظيفته التحريرية دون أن يفقد صلته بالأخلاق وأن يؤسس للأخلاق على قاعدة عقلانية دون أن يسقط في النزعة النفعية.
هذا الوعي لم يتشكل دفعة واحدة بل تدرج عبر مسارات متعددة تداخل فيها الفلسفي بالكلامي والفقهي بالصوفي والسياسي بالثقافي. وفي كل هذه المسارات ظل السؤال الأخلاقي حاضرا بوصفه معيارا للحكم على مشروعية الأفكار والممارسات. فالعقل الذي لا يفضي إلى العدل ولا يسهم في ترسيخ الكرامة الإنسانية ولا يعزز قيم التضامن يظل عقلا ناقصا مهما بلغ من الدقة والصرامة. لذلك نجد أن كثيرا من المفكرين المغاربة أعادوا قراءة التراث لا بحثا عن أجوبة جاهزة بل سعيا إلى استخراج إمكاناته الأخلاقية الكامنة وإلى بناء تصور جديد للعقل يستلهم تلك الإمكانات دون أن ينغلق داخلها.
ويعد مفهوم المسؤولية مركزيا في هذا السياق إذ يمثل الجسر الذي يصل بين المعرفة والعمل وبين الفهم والالتزام. فالعقل المسؤول لا يكتفي بإنتاج الأفكار بل ينظر في آثارها ومآلاتها ويستحضر تبعاتها على الإنسان والمجتمع. وهو بهذا المعنى عقل منفتح على الآخر واعٍ بحدوده مدرك لكونه جزءا من شبكة من العلاقات التي تفرض عليه قدرا من التواضع والاحتياط. هذا الوعي بالحدود لا يعني الانكفاء بل يفتح أفقا جديدا للفعل العقلاني حيث تتكامل الحرية مع الواجب وتتداخل المعرفة مع القيم.
وتتضح أهمية تناول العلاقة بين العقل والأخلاق في الفكر المغربي المعاصر لا باعتبارها مسألة نظرية معزولة بل بوصفها مدخلا لفهم التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع ولتقييم المشاريع الفكرية التي سعت إلى توجيه تلك التحولات. فكل حديث عن التحديث أو الإصلاح يظل ناقصا ما لم يندرج ضمن تصور متكامل للعقل بوصفه قوة مسؤولة قادرة على الجمع بين الصرامة المعرفية والالتزام الأخلاقي. وهذا ما يمنح هذا الموضوع راهنيته وعمقه ويجعله جديرا بالبحث والتأمل.
يستدعي النظر في مسألة العقل داخل الفكر المغربي المعاصر استحضار ذلك التحول الدلالي العميق الذي مسّ مفهومه ووظيفته إذ لم يعد العقل مجرد ملكة إدراكية محايدة تتلقى المعطيات وتنسقها وفق قواعد منطقية بل أضحى بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة وتتقاطع داخلها رهانات الفهم مع مقتضيات الفعل. هذا التحول يضعنا أمام نمطين متمايزين من العقلانية: عقل يتجه نحو الأداتية في صيغتها التقنية الحديثة وعقل يسعى إلى استعادة بعده القيمي عبر ما يمكن تسميته بالعقل المسؤول. وبين هذين النمطين يتشكل المجال النظري الذي اشتغلت فيه أبرز الأطروحات المغربية حيث جرى تفكيك آليات العقل الأداتي والكشف عن محدوديته في مقابل البحث عن أفق يؤسس لفاعلية عقلية مندمجة في نسيج أخلاقي حي.
إن العقل الأداتي كما تبلور في التجربة الحداثية الغربية ارتبط بقدرة الإنسان على تحويل العالم إلى موضوع للسيطرة والتدبير. المعرفة في هذا السياق تتحدد بقدر ما تمنحه من إمكانات التحكم والقيمة تقاس بمدى النجاعة والفعالية. وقد نبه فلاسفة النقد الاجتماعي إلى أن هذا النمط من العقلانية ينزع إلى اختزال الإنسان ذاته إلى وسيلة بحيث تغدو العلاقات الإنسانية خاضعة لمنطق المنفعة والحساب. هذا المنظور حين انتقل إلى السياق العربي والمغربي لم يأت بوصفه مفهوما مجردا بل دخل ضمن مشروع تاريخي ارتبط بالتحديث وبمحاولات اللحاق بركب الحضارة التقنية. غير أن استقباله لم يكن بريئا إذ سرعان ما برزت أسئلة تتعلق بمدى ملاءمته لخصوصية البنية الثقافية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الفقه والتصوف والكلام.
إن أولى ملامح النقد الذي وُجّه إلى العقل الأداتي داخل الفكر المغربي تمثلت في التنبيه إلى طابعه الاختزالي إذ ينزع إلى إقصاء الأبعاد غير القابلة للقياس وفي مقدمتها القيم والمعاني. وقد وجد هذا النقد جذوره في التراث الإسلامي نفسه حيث ارتبط العقل بالحكمة، والحكمة لم تكن مجرد إصابة في الحكم بل كانت انضباطا بمقتضى الحق واستحضارا لمآلات الأفعال. يقول الشاطبي إن “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا”، وهي عبارة تختزن تصورا عميقا للعقل بوصفه فعلا مسؤولا يتجاوز اللحظة الراهنة إلى استشراف النتائج. كما يرد في أقوال بعض المتصوفة أن “العاقل من جمع بين علم وحال”، في إشارة إلى أن المعرفة لا تستقيم دون أثرها في السلوك.
هذا التصور التراثي لم يُستدعَ داخل الفكر المغربي المعاصر على نحو تكراري بل خضع لإعادة قراءة نقدية قصد استخراج إمكاناته في مواجهة هيمنة العقل الأداتي. فالعقل في هذا السياق لا يُرفض من حيث هو أداة تحليل وتنظيم بل يُرفض حين يتحول إلى مرجعية وحيدة تقيس بها كل القيم. لذلك نجد أن بعض المفكرين المغاربة عملوا على التمييز بين عقل برهاني يشتغل وفق قواعد الاستدلال وعقل عملي يتوجه نحو الفعل ويخضع لمعايير أخلاقية. هذا التمييز يفتح المجال أمام تصور مركب للعقل يجمع بين الصرامة المنطقية والالتزام القيمي.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز المفهومي بل يتجاوزه إلى مستوى الممارسة الفكرية. فالعقل الأداتي بحكم ارتباطه بالبنية التقنية الحديثة يميل إلى فرض منطقه على مختلف مجالات الحياة بما فيها المجال الأخلاقي. وهنا يكمن الخطر، إذ تتحول الأخلاق إلى مجرد قواعد وظيفية تخدم استقرار النظام أو تحقق الانسجام الاجتماعي دون أن تكون لها قيمة في ذاتها. وقد عبّر بعض المفكرين عن هذا الوضع بقولهم إن “القيم حين تفقد استقلالها تغدو أدوات ضمن أدوات”، وهو تعبير يكشف عن عمق الأزمة التي يطرحها هيمنة العقل الأداتي.
في مقابل ذلك برز داخل الفكر المغربي اتجاه يسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها مبدأ مؤسسا للعقل ذاته، لا مجرد نتيجة من نتائجه. هذا الاتجاه ينطلق من فكرة أن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على بعد معياري يوجهه ويحد من انحرافاته. وقد نجد في بعض الكتابات إشارات إلى أن “العقل من غير خلق كالسيف من غير غمد”، في دلالة على أن القوة العقلية تحتاج إلى ضابط أخلاقي يحميها من الانفلات. هذا التصور يعيد صياغة العلاقة بين العقل والأخلاق بحيث لا تكون العلاقة علاقة إضافة خارجية بل علاقة تداخل بنيوي.
إن هذا التداخل يفرض إعادة النظر في مفهوم المعرفة ذاته. فالمعرفة وفق هذا المنظور لا تقاس فقط بمدى مطابقتها للواقع بل أيضا بقدرتها على توجيه الفعل نحو الخير. وهنا يظهر أن العقل المسؤول لا ينشغل فقط بالسؤال عما هو كائن بل يتجه أيضا نحو ما ينبغي أن يكون. هذا الانتقال من الوصف إلى التقويم يمثل لحظة حاسمة في إعادة بناء العقلانية إذ يحررها من الحياد الزائف الذي قد يخفي انحيازات غير معلنة.
وقد استند هذا التوجه إلى جملة من المرجعيات من بينها الفلسفة الأخلاقية الإسلامية التي جعلت من مقاصد الشريعة إطارا عاما لتنظيم الفعل الإنساني. فالمقاصد كما صاغها الأصوليون تقوم على حفظ الضروريات الخمس، وهي تمثل منظومة قيمية متكاملة يمكن أن تشكل أساسا لعقلانية مسؤولة. كما تم استحضار بعض أطروحات الفلسفة الحديثة التي نقدت النزعة الأداتية وأكدت على ضرورة استعادة البعد الأخلاقي في التفكير. هذا التلاقي بين المرجعيات لم يكن مجرد تجميع انتقائي بل جاء نتيجة وعي بضرورة تجاوز الانقسام بين التقليد والحداثة.
ويمكن فهم الجهد الذي بذله بعض المفكرين في تحليل بنية العقل العربي حيث حاولوا الكشف عن العوائق التي تحول دون تشكل عقلانية نقدية. وقد أشاروا إلى أن هيمنة أنماط من التفكير التقليدي إلى جانب تأثير العقل الأداتي المستورد، يخلقان وضعا مركبا يحتاج إلى معالجة دقيقة. فالعقل المسؤول لا يمكن أن يتأسس إلا عبر نقد مزدوج يستهدف البنيات التقليدية الجامدة وفي الآن ذاته يكشف حدود العقلانية التقنية.
إن هذا النقد المزدوج يفتح أفقا لتأسيس نمط جديد من التفكير يقوم على التكامل بين المعرفة والقيمة. فالعقل هنا لا يكتفي بتحليل الواقع بل يسعى إلى تغييره وفق معايير أخلاقية. وهذا ما يجعل من المسؤولية مفهوما مركزيا إذ تعني تحمل تبعات الفعل والوعي بآثاره على الذات والآخر. وقد قيل في هذا السياق إن “الحرية بلا مسؤولية عبث، والمسؤولية بلا حرية قيد”، وهو قول يلخص العلاقة الجدلية بين هذين البعدين.
ومن الممكن أيضا إعادة قراءة كثير من القضايا التي شغلت الفكر المغربي من قبيل مسألة التحديث والعلاقة بالتراث وموقع الدين في المجال العام. فكل هذه القضايا ترتبط في العمق بكيفية تصور العقل وبمدى قدرته على استيعاب البعد الأخلاقي. فالتحديث على سبيل المثال لا يمكن أن يُفهم فقط بوصفه إدخالا للتقنيات بل ينبغي أن يُنظر إليه كتحول في أنماط التفكير والسلوك، بما يقتضي إعادة بناء المنظومة القيمية. كما أن العلاقة بالتراث لا يمكن أن تختزل في موقفين متقابلين، أحدهما يدعو إلى القطيعة والآخر إلى التمسك بل تحتاج إلى قراءة نقدية تستحضر البعد الأخلاقي الكامن فيه.
إن العقل المسؤول في هذا الإطار يتطلب نوعا من اليقظة الدائمة إذ لا يكفي أن نعلن الالتزام بالقيم بل ينبغي أن نترجم هذا الالتزام إلى ممارسات فعلية. وهذا ما يجعل من التربية مسألة أساسية حيث يتشكل وعي الفرد عبر تفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي. فالعقل لا ينمو في فراغ بل يتغذى من منظومة من القيم والمعاني. وإذا كانت هذه المنظومة مختلة فإن العقل نفسه يتأثر بذلك ويصبح عرضة للانحراف.
وقد أشار البعض إلى أن الأزمة التي يعيشها العالم المعاصر تعود في جانب كبير منها إلى اختلال العلاقة بين العقل والأخلاق. فالتقدم العلمي الهائل لم يصحبه تطور مماثل في الوعي الأخلاقي مما أدى إلى ظهور أشكال من العنف والاستغلال. هذا التشخيص ينسحب بدرجات متفاوتة على السياق المغربي حيث تظهر آثار هذا الاختلال في مجالات متعددة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة. وتبرز الحاجة هنا إلى إعادة بناء العقلانية على أسس جديدة تجعل من المسؤولية مبدأ موجها.
إن هذا المشروع لا يخلو من صعوبات إذ يواجه تحديات متعددة من بينها مقاومة البنيات التقليدية وضغط النماذج العالمية المهيمنة. غير أن هذه الصعوبات لا تلغي إمكانية العمل على بلورة تصور متكامل للعقل المسؤول يستلهم من التراث ويستفيد من الحداثة دون أن يقع في أسر أي منهما. فالمطلوب ليس استنساخ نماذج جاهزة بل إنتاج فكر أصيل قادر على مواجهة التحديات الراهنة.
وهنا تحضرني بعض الأقوال التي يمكن استحضارها حيث تعكس هذا التوجه من قبيل ما يُنسب إلى بعض الحكماء من أن “العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”، وهي عبارة تؤكد على أن المعرفة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى فعل. كما يمكن استحضار قول آخر مفاده أن “من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا”، في إشارة إلى أن العلم دون توجيه أخلاقي قد يقود إلى نتائج عكسية. هذه الأقوال على بساطتها تعكس وعيا عميقا بضرورة الربط بين العقل والأخلاق.
إن التفكير في العقل المسؤول يفتح المجال أيضا أمام إعادة النظر في مفهوم الذات حيث لا تعود الذات مجرد كيان مستقل يسعى إلى تحقيق مصالحه بل تصبح ذاتا منفتحة على الآخر واعية بترابط المصالح والمصائر. هذا التحول في تصور الذات ينعكس على طبيعة الفعل إذ يغدو الفعل موجها نحو تحقيق الخير المشترك لا مجرد إشباع الرغبات الفردية. ويمكن فهم العلاقة الوثيقة بين العقل المسؤول وفكرة العدالة حيث تشكل العدالة معيارا للحكم على الأفعال والسياسات.
وعلاقة بما سبق، يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول يمثل مسارا معقدا يتطلب جهدا نظريا وعمليا متواصلا. فهذا الانتقال لا يتحقق عبر إعلان نوايا بل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة للأنساق الفكرية والقيمية. كما يتطلب شجاعة نقدية تسمح بمراجعة المسلمات والانفتاح على إمكانات جديدة. وهذا ما يجعل من هذا الموضوع مجالا خصبا للبحث حيث تتقاطع فيه أسئلة الفلسفة مع رهانات الواقع وتلتقي فيه المعرفة بالفعل في أفق بناء إنسان أكثر وعيا ومسؤولية.
يستدعي استكمال النظر في هذا الأفق الانتقالي من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول تعميق النظر في الشروط التي تجعل هذا التحول ممكنا داخل السياق المغربي، ذلك أن الإقرار بضرورة هذا التحول لا يكفي في ذاته ما دام الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تنزيله داخل بنية ثقافية مركبة تتجاذبها رواسب التقليد وضغوط الحداثة وتتحكم في مفاصلها تمثلات متباينة للعقل والقيمة والإنسان. وتكاد تكون المسألة مسألة تأسيس لا مجرد توصيف، مسألة إعادة بناء للمعايير التي توجه الفعل الفكري والاجتماعي بما يسمح بإنتاج عقلانية لا تنفصل عن أفقها الأخلاقي.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن العقل الأداتي لم يترسخ في التجربة المغربية بوصفه اختيارا واعيا بقدر ما جاء نتيجة سيرورات تاريخية فرضت نفسها عبر قنوات متعددة في مقدمتها النظام التعليمي والإداري حيث جرى تكريس نمط من التفكير يقوم على الامتثال للإجراءات وتحقيق النجاعة دون مساءلة الغايات. هذا النمط أفرز ما يمكن تسميته بضمور الحس النقدي، إذ يغدو العقل مشغولا بكيفية الإنجاز أكثر من انشغاله بجدوى ما يُنجز. وقد أشار غير واحد من المفكرين إلى أن أخطر ما يهدد العقل ليس الجهل في حد ذاته بل ذلك النوع من المعرفة التي تفقد بعدها القيمي فتتحول إلى مجرد تقنية بلا روح.
وفي مقابل هذا الامتداد الصامت للعقل الأداتي تبرز الحاجة إلى استعادة البعد التأملي الذي يربط المعرفة بسؤال المعنى. هذا البعد لا ينفصل عن تقليد فلسفي عريق حيث ظل السؤال عن الغاية ملازما للسؤال عن الوسيلة وحيث كانت الحكمة تُعرّف بكونها “وضع الشيء في موضعه”، وهو تعريف يستبطن وعيا بالترتيب القيمي للأفعال. وقد أعاد بعض المفكرين المغاربة إحياء هذا الأفق من خلال نقد النزعة الاختزالية التي تحصر العقل في قدرته على الحساب والدعوة إلى توسيع مجاله ليشمل أبعادا تتصل بالوجدان والضمير.
إن هذا التوسيع لا يعني التخلي عن الصرامة المنهجية بل يقتضي إعادة توجيهها بحيث تخدم غايات إنسانية أسمى. فالعقل المسؤول لا يعادي العلم ولا يقف موقف الريبة من التقنية بل يسعى إلى تأطيرهما ضمن رؤية أخلاقية تجعل من الإنسان غاية لا وسيلة. وقد عبّر بعض الفلاسفة عن هذا المعنى بقولهم إن “العقل الذي لا يضع حدودا لقدرته ينتهي إلى تدمير نفسه”، في إشارة إلى أن الانفلات من كل قيد قيمي قد يقود إلى نتائج كارثية. وهذا ما تؤكده تجارب معاصرة حيث أدى التقدم التقني غير المؤطر أخلاقيا إلى أزمات بيئية واجتماعية عميقة.
وتتضح أهمية إدماج مفهوم المسؤولية في صلب الفعل العقلي بحيث يصبح كل إنتاج معرفي مشروطا بوعي بمآلاته. هذا الوعي لا ينشأ تلقائيا بل يتطلب تربية طويلة الأمد تقوم على ترسيخ قيم مثل الصدق والأمانة والعدل. وقد كان للتراث الإسلامي إسهام بارز في هذا المجال، حيث جرى التأكيد على أن العلم أمانة وأن العالم مسؤول عما يقول ويفعل. وكما هو مشاع أن “زلة العالم زلة عالم”، في دلالة على خطورة الكلمة حين تصدر عن سلطة معرفية.
غير أن استحضار هذا التراث لا يكفي ما لم يُقرن بقراءة نقدية تسمح بتمييز ما هو حي فيه مما هو متجاوز. فالعقل المسؤول لا يقبل التسليم المطلق بل يمارس نوعا من الفحص الدائم الذي يوازن بين الوفاء للأصول والانفتاح على المستجدات. هذا التوازن يفرض نفسه بقوة في زمن تتسارع فيه التحولات حيث لم يعد ممكنا الاكتفاء بإجابات جاهزة على أسئلة تتجدد باستمرار. وتنبع الحاجة هنا إلى عقل مرن قادر على التكيف دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
إن هذا العقل المرن يتطلب بدوره بيئة حاضنة تسمح له بالنمو والتطور. فالمؤسسات التعليمية على سبيل المثال تلعب دورا حاسما في تشكيل أنماط التفكير، وإذا ظلت أسيرة مناهج تقليدية أو خاضعة لمنطق النفعي الضيق، فإنها تسهم في إعادة إنتاج العقل الأداتي بدل تجاوزه. لذلك دعا بعض المفكرين إلى إصلاح جذري للتعليم يقوم على تنمية القدرة النقدية وتشجيع الحوار وربط المعرفة بالقيم. وقد قيل في هذا السياق إن “التعليم الذي لا يربي الضمير يخرج أناسا أذكياء بلا أخلاق”، وهو قول يعكس عمق الإشكال.
كما أن المجال العمومي يشكل بدوره فضاء حاسما لتجلي العقل المسؤول، حيث تتقاطع فيه المصالح وتتواجه فيه الرؤى. فإذا كان هذا المجال محكوما بمنطق الصراع على النفوذ فإن العقل يتحول إلى أداة للمناورة وتغيب القيم لصالح الحسابات الضيقة. أما إذا تأسس على مبادئ الشفافية والمساءلة فإنه يتيح إمكانات واسعة لممارسة عقلانية مسؤولة تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفردية. وقد أكد بعض المفكرين أن “العدل أساس العمران”، وهي عبارة تختزل علاقة وثيقة بين الأخلاق واستقرار المجتمعات.
وتبرز أيضا في هذا الإطار مسألة العلاقة بين الدين والعقل وهي مسألة طالما شغلت الفكر المغربي. فالدين بما يحمله من منظومة قيمية يمكن أن يشكل سندا للعقل المسؤول شريطة أن يُفهم فهما منفتحا يتجاوز القراءات الحرفية التي تغلق باب الاجتهاد. وقد سعى بعض العلماء إلى إبراز أن الشريعة في جوهرها قائمة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهو تصور يفتح المجال أمام تفاعل إيجابي بين العقل والنص. غير أن هذا التفاعل يتطلب كفاءة علمية وأخلاقية تمنع الانزلاق إلى توظيف الدين لخدمة أغراض ضيقة.
ولا يمكن إغفال تأثير العولمة التي فرضت نمطا من التفكير يقوم على السرعة والاستهلاك، وهو ما يعزز من حضور العقل الأداتي. فالفرد يجد نفسه محاطا بسيل من المعلومات دون أن تتاح له دائما فرصة التأمل في معانيها. هذا الوضع يخلق نوعا من التشتت ويضعف القدرة على بناء مواقف متماسكة. وتبرز الحاجة إلى تنمية ما يمكن تسميته باليقظة الفكرية، أي القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر وبين ما يخدم الإنسان وما يستنزفه.
إن هذه اليقظة لا تنفصل عن وعي بالذات وبموقعها داخل العالم. فالعقل المسؤول يفترض ذاتا قادرة على مساءلة نفسها وعلى الاعتراف بأخطائها وعلى التعلم منها. وقد أثر أن “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”، وهي عبارة تدعو إلى الانفتاح على التجارب المختلفة دون التفريط في المعايير. هذا الانفتاح يشكل شرطا لتجاوز الانغلاق كما يشكل في الآن ذاته حماية من الذوبان في الآخر.
إن المشروع الذي يهدف إلى تأسيس عقل مسؤول في الفكر المغربي يواجه تحديا مزدوجا: تحدي بناء نظرية متماسكة وتحدي ترجمتها إلى ممارسة اجتماعية. فالنظرية دون ممارسة تبقى حبيسة الكتب، والممارسة دون نظرية معرضة للتخبط. لذلك كان من الضروري العمل على الربط بين المجالين من خلال مبادرات فكرية وتربوية تسعى إلى تجسيد القيم في الواقع.
وقد ظهرت في هذا السياق محاولات متعددة تسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مجالات مختلفة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الإعلام. فاقتصاد بلا أخلاق يتحول إلى مجال للاستغلال، وسياسة بلا أخلاق تنزلق إلى الفساد، وإعلام بلا أخلاق يصبح أداة للتضليل. هذه المجالات رغم اختلافها يجمعها عنصر مشترك يتمثل في الحاجة إلى عقلانية مسؤولة تضع حدودا للممارسة وتوجهها نحو خدمة الإنسان.
إن هذا التوجيه يقتضي أيضا إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي غالبا ما يُختزل في تحقيق المكاسب المادية أو الوصول إلى مواقع السلطة. فالعقل المسؤول يعيد تعريف النجاح بوصفه قدرة على تحقيق التوازن بين الذات والآخر وبين المصلحة الفردية والمصلحة العامة. وقد قيل إن “من عرف نفسه عرف ربه”، وهي عبارة يمكن قراءتها في هذا السياق بوصفها دعوة إلى معرفة الحدود وإلى إدراك أن الإنسان ليس مركز الكون بل جزء من نظام أوسع.
هذا الإدراك يفتح الباب أمام نوع من التواضع المعرفي الذي يشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. فالعقل الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة يغلق على نفسه باب الحوار ويعرض نفسه للخطأ. أما العقل الذي يعترف بنسبيته فإنه يظل منفتحا على التصحيح وقادرا على التطور. وهذا ما يجعل من الحوار قيمة أساسية ليس فقط كوسيلة للتواصل بل كآلية لإنتاج المعرفة.
ويمكننا هنا استحضار قول بعض الفلاسفة إن “الحقيقة لا تُمتلك بل تُطلب”، وهو قول يعبر عن روح البحث التي ينبغي أن تسكن العقل المسؤول. هذه الروح تتعارض مع النزعة اليقينية التي تدعي امتلاك الأجوبة النهائية كما تتعارض مع النزعة النسبية المتطرفة التي تنفي وجود أي معيار. فالعقل المسؤول يسير بين هذين الحدين باحثا عن توازن دقيق يسمح له بالتحرك دون أن يفقد الاتجاه.
إن هذا المسار يظل مفتوحا على إمكانات متعددة ولا يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل جيل مدعو إلى إعادة طرح السؤال وإلى صياغة أجوبته الخاصة في ضوء التحديات التي يواجهها. وهذا ما يمنح الفكر المغربي حيويته حيث يتجدد عبر الحوار بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي وبين العقل والأخلاق.
وإذا كان هذا المسار قد بدأ يتشكل ملامحه في العقود الأخيرة فإنه لا يزال في حاجة إلى مزيد من التعميق والتجذير، فالتحديات التي يواجهها المجتمع المغربي من بطالة وفوارق اجتماعية وتحولات ثقافية تفرض التفكير في نماذج جديدة للتنمية تقوم على العدالة والتضامن، وهذه النماذج لا يمكن أن تنجح دون عقلانية مسؤولة تضع الإنسان في مركز الاهتمام.
إن العقل المسؤول لا يمثل مرحلة عابرة بل يشكل أفقا مفتوحا يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. هذا الأفق يتطلب جهدا جماعيا يشارك فيه المفكرون والمربون والسياسيون، كل من موقعه من أجل ترسيخ قيم تحترم كرامة الإنسان وتعزز قدرته على العيش المشترك.
وتظل الفلسفة مدعوة إلى لعب دورها النقدي من خلال مساءلة المسلمات وكشف التناقضات وفتح آفاق جديدة للتفكير. فالفلسفة كما قيل، “تعلمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر”، وهي بهذا المعنى تشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. كما يظل الدين حين يُفهم في عمقه الأخلاقي قادرا على إمداد هذا المشروع بالقيم التي يحتاجها دون أن يتحول إلى سلطة قمعية.
إن المستقبل الذي يلوح في الأفق يتوقف إلى حد كبير على قدرتنا على تحقيق هذا التوازن بين العقل والأخلاق. فإذا نجحنا في ذلك أمكننا أن نبني مجتمعا أكثر عدلا وإنسانية. أما إذا استمر الاختلال فإن المخاطر ستظل قائمة وقد تتفاقم. ومن هنا تبرز مسؤولية الجميع، أفرادا ومؤسسات في العمل على ترسيخ هذا الأفق.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هاته الأسطر هو تلك الحكمة التي تقول إن “العاقل من اتعظ بغيره، والسعيد من وُعظ بغيره”، فهي دعوة إلى التعلم من التجارب وإلى عدم تكرار الأخطاء. وهي في الآن ذاته تذكير بأن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على الأخلاق وأن الأخلاق لا تستقيم إلا إذا استنارت بالعقل. بهذا المعنى يغدو الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول ليس مجرد خيار فكري بل ضرورة وجودية تفرضها شروط العيش في عالم معقد يحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة والمسؤولية.
***
د. حمزة مولخنيف







