أقلام فكرية
غالب المسعودي: خصخصة الغضب الثوري
الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيكس
تاريخياً، شهد التحول من مكتسبات الديمقراطية الاجتماعية في منتصف القرن العشرين إلى الهيمنة المعاصرة تغيراً جذرياً في علاقة الفرد بالمجتمع. لقد عملت النيوليبرالية على تفكيك المؤسسات الجماعية، وإضعاف المنافع العامة، واستبدال التضامن المجتمعي بروح فردية متغلغلة لا ترى البشر كأعضاء في مجتمع متكامل، بل كفاعلين متنافسين يسعون وراء مصلحتهم الخاصة وإنجازاتهم الفردية المعزولة. إن هذا التوجه الرأسمالي المعاصر لا يقتصر على الاقتصاد، بل يتعداه ليتغلغل في الفضاءات الاجتماعية والسياسية، مما يؤدي إلى تقويض التضامن عبر تقديم الرغبات الشخصية على الاحتياجات المجتمعية، وتعزيز الشكوكية تجاه الفعل الجماعي، وتآكل صناعة القرار الديمقراطي.
إن الرأسمالية المعاصرة تبدي تفضيلاً واضحاً لما يمكن تسميته "الوعي الفردي المنعزل"، حيث تشجع الأفراد على أن يكونوا "مستنيرين" بمفردهم، ويمارسون اليوغا، ويشترون منتجات صديقة للبيئة، ويكتبون آراءً حرة على منصاتها الرقمية. والسبب الهيكلي وراء هذا التشجيع يكمن في أن الوعي الفردي بدون فعل جماعي منظم يعمل بمثابة "استهلاك للثورة" وليس ثورة فعالة قادرة على التغيير. ومن خلال تحويل الغضب السياسي والمظالم الهيكلية إلى خيارات أسلوب حياة شخصية، ينجح النظام الرأسمالي في منع هذه المظالم من تهديد مراكز القوة الفعلية. وتؤدي هذه الخصخصة للتمرد إلى تحييد الإمكانات الراديكالية للحركات الاجتماعية، واختزالها في مجرد تفضيلات جمالية واستهلاكية تخدم تراكم رأس المال بدلاً من تقويضه.
البنية الأيديولوجية للذاتية النيوليبرالية
تعود أصول النزعة الفردية الحديثة إلى حركة الانتقال من الإقطاع نحو الرأسمالية في أوروبا، وهي الحركة التي وفرت الخلفية الأوسع لهذه التغيرات. وبينما جادل الفكر الليبرالي الكلاسيكي، كما لدى آدم سميث، بأن المجتمع التجاري هو مجرد مجموع القرارات الفردية، فإنه ظل محتفظاً بوعي معقد يرى أن الفرد يحتاج إلى أشكال من الحكومة لتحقيق الصالح العام، مثل الأمن. ولكن مع صعود الاقتصاد الكلاسيكي الجديد والمراجعات النيوليبرالية اللاحقة، جرى الترويج للفرد المجرد كمعيار مطلق، وكنقطة انطلاق أنطولوجية للتحليل.
أصبح يُنظر إلى الفرد في هذا النموذج ككائن مدفوع بأذواقه وتفضيلاته الخاصة، ويتصرف كصانع قرار عقلاني في ظل ظروف ندرة الموارد. وهذا التكريس للوعي الفردي يعبر عن الروح الأيديولوجية الجديدة للرأسمالية التي تمتلك قدرة تشبه الإسفنج في امتصاص الأفكار الجديدة لتجديد شرعيتها، مع الاستناد في الوقت نفسه إلى الأعراف والسلوكيات القديمة. ويتجلى هذا الهجوم النيوليبرالي على "الاجتماعي" في تقويض فكرة المساواة، والانتماء المجتمعي، والالتزام الاجتماعي المتبادل.
يؤدي هذا النموذج إلى تفتيت المجتمع وتحويله إلى جموع من الأفراد الباحثين عن مصالحهم الذاتية والمنخرطين فقط في معاملات سوقية أو شبيهة بالسوق، وهو ما يجسد مفهوم "الإنسان الاقتصادي". إن هذه الفردية هي في جوهرها عملية "تسليع للاجتماعي"، حيث يرفض النظام الاعتراف بأي أشكال من العلاقات أو التفاعلات البشرية التي تقع خارج نطاق التبادل المادي. إن الارتباط بين الفردية المفرطة وتراجع دور المؤسسات العامة يوفر الأساس المنطقي لتفكيك الخدمات العامة، وتأمين الإسكان، وأنظمة الرعاية الاجتماعية، وهو ما يعزز حالة العزلة الذاتية لدى الفرد.
علاوة على ذلك، فإن الرأسمالية المعاصرة، من خلال تمديد هذا المنطق الاقتصادي الفردي المفرط إلى كافة مجالات الحياة، تقوض التفاعل البشري المتبادل الذي يحتاجه الأفراد لتطوير استقلاليتهم الكاملة وتحقيق ذواتهم. ووفقاً لأطروحات الفيلسوف أكسيل هونيث حول مفهوم الاعتراف، فإن إمكانية التحول إلى فرد مستقل تعتمد كلياً على القدرة على تطوير علاقة قوية بالذات، وهي علاقة لا يمكن اكتسابها أو الحفاظ عليها إلا من خلال التفاعل البيني والعلاقات القائمة على الاعتراف المتبادل. وعندما يعجز الفرد عن تلقي هذا الاعتراف الكافي بسبب اختزال العلاقات في أطر مادية نفعية، فإنه يعاني من تطور نفسي سلبي ومن أشكال متعددة من المعاناة النفسية. لقد تم استبدال المساهمة في المنفعة الجماعية بالمسؤولية الفردية عن الاستثمار الذاتي، مما جعل وجود الفرد مرهوناً بمدى قدرته على تسويق نفسه كسلعة ناجحة.
الانتقال من السياسة الحيوية إلى السياسة النفسية
تطلبت تطورات القوة الرأسمالية تحولاً جوهرياً في الأساليب المستخدمة لحكم السكان والسيطرة عليهم. فبينما ركز ميشيل فوكو على دراسة المجتمعات الانضباطية التي تمثلت في المصانع والمدارس والمستشفيات، حيث كانت السلطة تعمل من خلال الإكراه والمنع والأوامر المحددة بحدود صارمة، يشير الفيلسوف بيونغ تشول هان إلى أن السلطة في العصر النيوليبرالي قد هاجرت من الجسد إلى النفس؛ وهو ما أطلق عليه اسم "السياسة النفسية" أو السيكوبوليتيكس.
في المجتمعات الانضباطية القديمة، كانت السلطة تمارس ضغطاً خارجياً بصيغة "يجب عليك"، وهي أوامر ذات حدود واضحة. لكن النيوليبرالية استبدلت هذه الحدود بعبارة "أنت تستطيع"، وهي صيغة لا سقف لها من الحث والتحفيز. ونتيجة لذلك، لم تعد أمراض مثل الاكتئاب والاحتراق النفسي مجرد إخفاقات في الإرادة الشخصية، بل أصبحت أعراضاً مرضية تشير إلى أن الإمكانات اللامحدودة قد انقلبت إلى إكراهات لا نهائية. يعتقد الفرد النيوليبرالي أنه تخلص من الخضوع وأصبح حراً في إعادة اختراع نفسه باستمرار كمشروع مستقل، إلا أن هذا التحرر الظاهري يمثل في الواقع شكلاً آخر من أشكال القيود الأكثر عمقاً، حيث يتخذ الإكراه والسيطرة شكل الأداء، والتحقيق الذاتي، والتحسين المستمر، والاستغلال الذاتي.
إن هذه الآلية تعمل بكفاءة بالغة على تحييد المقاومة الجماعية. فالصيغة الماركسية الكلاسيكية كانت تتطلب وجود خصم مرئي واضح، متمثلاً في الطبقة المستغِلة التي تثور ضدها الطبقة العاملة. أما في ظل السياسة النفسية المعاصرة، عندما يصبح كل فرد هو المستغِل والمستغَل في آن واحد، فإن الفرد يوجه عدوانه وسخطه نحو الداخل ضد نفسه بدلاً من توجيهه نحو الخارج ضد النظام. وبناءً على ذلك، يصبح تشكيل أي "نحن" سياسية قادرة على الانتفاض والقيام بعمل جماعي أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية. وتتحول الحرية النيوليبرالية إلى حرية العزلة، وتنتفي أي إمكانية لنشوء صداقة حقيقية خالية من الأهداف النفعية بين أفراد يتصرفون كأصحاب مشاريع فردية متنافسة.
استيعاب النقد وتحويل التمرد إلى سلعة
تستمد الرأسمالية المعاصرة قدرتها الهائلة على البقاء من قابليتها المدهشة لامتصاص الحركات النقدية التي تظهر ضدها وتجييرها لصالحها. وفي دراستهما لروح الرأسمالية الجديدة، أشار لوك بولتانسكي وإيف شيابيلو إلى أن الرأسمالية تخلت منذ منتصف السبعينيات عن الهيكل الهرمي الصارم، وطورت بدلاً من ذلك شكلاً تنظيمياً شبكياً يعتمد على مبادرة الموظف والاستقلالية النسبية في العمل.
وقد انتصرت هذه الروح الرأسمالية الجديدة بفضل عملية استيعاب ذكية لما يسمى "النقد الفني" الذي اندلع بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا، والذي هاجم اغتراب الحياة اليومية والبيروقراطية وطالب بالأصالة والتحرر. ومن خلال دمج هذه المطالب في صلب الإدارة الشبكية، منحت الشركات الرأسمالية الموظفين حرية ظاهرية، ولكنها كانت على حساب الأمن المادي والنفسي. وفي الوقت نفسه، جرى تهميش "النقد الاجتماعي" الذي كان يركز على الفقر وعدم المساواة والاستغلال، حيث ظل متمسكاً بالصيغ القديمة للإنتاج الهرمي.
تسليع الممارسات الروحية والجسدية
لقد تم تبني مفهوم "اليقظة الذهنية" بحماس من قبل الشركات الكبرى كأداة للضبط الاجتماعي والتهدئة الذاتية. فبدلاً من أن تكون وسيلة لإحداث تغيير ثوري، تحولت إلى شكل من الروحانية الرأسمالية التي تتجنب بوعي أي تحول سياسي، مما يساهم في تعزيز الوضع الراهن. يروج مدربو هذه الصناعة لسردية قائلة بأن التوتر هو أمر يُفرضه الفرد على ذاته، وأن التأمل هو العلاج الشافي لكل الأزمات الهيكلية.
إن نزع الطابع الأخلاقي والتحرري عن هذه الممارسات جعلها تخدم كأداة لمساعدة الأفراد على التكيف والانسجام مع الظروف القمعية التي أنتجت مشاكلهم في المقام الأول. لقد تم تحويل الضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة عن اللامساواة وسعي الشركات وراء الربح إلى أمراض شخصية وخصخصة للأزمات، حيث يتم تحميل الأفراد وحدهم عبء إدارة توترهم. وعندما يركز ممارسو اليقظة الذهنية على الحاضر فقط، فإنهم يقدمون خدمة لاستقرار النظام، متجاهلين الكيفية التي يتم بها التلاعب بالانتباه وتسليعه من قبل شركات التكنولوجيا.
وينسحب هذا التحليل بصورة أعمق على ممارسة اليوغا في الغرب المعاصر؛ إذ مكنت الرأسمالية اليوغا من التغلغل في كافة مناحي الحياة لأنها تسهم في تقليص النزعة النقدية تجاه النظام، وتربط الإنسان بالعالم القائم عبر خلق واقع افتراضي داخل العقل يحجب رؤية الواقع المادي الحقيقي. ومن خلال ممارسة التأمل واليوغا بشكلها السائد، يتم تغييب وعي الإنسان بالظروف الاجتماعية الملموسة مثل الاستغلال الطبقي الصارخ. إن تحويل هذه الممارسة إلى مجرد تمارين للياقة البدنية يعكس بوضوح امتياز الطبقات المترفة التي يمكنها عزل نفسها عن آلام الآخرين. وعلى النقيض من ذلك، فإن تاريخ هذه الممارسات يزخر بالاستخدام السياسي والتحرري، كما فعل غاندي ومارتن لوثر كينغ اللذان استندا إلى هذه المفاهيم كأساس للمقاومة السلمية المنظمة ضد الاستعمار والفصل العنصري، وليس كأداة للهروب من الواقع.
أثر الخوارزميات في تفتيت الهوية الجماعية
لقد أحدث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي في العقدين الماضيين ثورة في الطريقة التي يعبر بها الأفراد عن تطلعاتهم السياسية، اتاحت فرصاً للتعبئة السريعة. ومع ذلك، فإن الهوية الجماعية التي تتشكل عبر هذه الوسائط الرقمية تميل إلى أن تكون سائلة وعرضة للتفتيت، لكونها تقع تحت رحمة الخوارزميات التجارية للمنصات الرأسمالية.
إن بنية هذه المنصات ليست محايدة؛ فهي مدعومة بأنظمة خوارزمية معقدة مصممة لزيادة معدلات التفاعل والبقاء على المنصة، مما يؤدي إلى حبس الأفراد داخل ما يسمى "غرف الصدى" أو "فقاعات الترشيح". تتسبب هذه البيئة في تفتيت السرديات والأهداف المشتركة لأي حركة اجتماعية، حيث يميل المحتوى الأكثر إثارة والمدفوع بالعواطف اللحظية إلى الانتشار على حساب التحليل العميق. ونتيجة لغياب الهياكل القيادية الواضحة في المساحات الافتراضية، فإن الروابط التضامنية تكون ضعيفة وقابلة للزوال بسرعة، مما يحرم الحركات من الاستمرارية والمقاومة التي تميز التنظيمات على أرض الواقع.
استنتاجات
يكشف التحليل المتكامل لواقع الرأسمالية المعاصرة عن وجود استراتيجية بالغة الدهاء تعمل على تحييد أي إمكانية للتمرد الفعلي عبر عزل الأفراد واختزال الغضب السياسي في مسارات شخصية مفرغة من المعنى التغييري. إن تشجيع الأفراد على الممارسات الروحية المستقلة، والتعبير عن الآراء الحرة غير الملزمة على المنصات الرقمية، يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على استقرار النظام الرأسمالي وحمايته من الفعل الجماعي المنظم.
إن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يولد من مجرد تراكم الخيارات الاستهلاكية الفردية. وكما يثبت التاريخ، فإن تجاوز الأزمة المعاصرة يتطلب الانتقال الواعي من الوعي الفردي المستهلك للثورة إلى الفعل الجماعي المنظم الذي يبني المؤسسات الموازية، ويوحد الإرادة السياسية، ويواجه القوى المهيمنة على أرض الواقع المادي، لاستعادة السيادة الحقيقية للإنسان على مصيره ومجتمعه.
***
غالب المسعودي
..........................
مراجع
- بولتانسكي، لوك وشيابيلو، إيف (2005). روح الرأسمالية الجديدة.
- سميث، آدم (1776). ثروة الأمم.
- فوكو، ميشيل. المجتمع الانضباطي والسياسة الحيوية.
- هان، بيونغ تشول (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة.
- هونيث، أكسيل (1995). الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية.







