أقلام فكرية
غالب المسعودي: هابرماس والهشاشة الوجودية المعاصرة في ضوء الأنطولوجيا السياسية
تمثل "الأنطولوجيا السياسية للهشاشة" مدخلاً فلسفياً معاصراً لإعادة قراءة أزمات الكينونة الإنسانية في ظل التحولات العنيفة للبنية الرأسمالية المعولمة، حيث لم تعد مقاربة أزمات ما يُعرف بـ "الدول المتخلخلة" أو "الهشة" ممكنة بمعزل عن التغيرات الجوهرية في الاقتصاد السياسي العالمي والتقنيات الرقمية المهيمنة. إن فحص التقاطع العميق بين المشروع النقدي ليورغن هابرماس، ولا سيما مفاهيم "استعمار عالم الحياة" و"الفعل التواصلي"، وبين أطروحة "أنطولوجيا الخيانة الوجودية" وذلك ضمن سياق أوسع. إن الفرضية المركزية تقوم على أن "الرخاوة" في بنية الدولة والمجتمع ليست مجرد خلل وظيفي، بل هي الشرط الأنطولوجي الضروري لتمكين "الإقطاع الرقمي" من ممارسة هندسة وعي الإنسان وزمانه وعلاقته بذاته وبالآخر، مما يؤدي في النهاية إلى ما يمكن تسميته "بالخيانة الوجودية" التي ينكر فيها الكائن شروطه المادية والبيولوجية لصالح بيئات اصطناعية مشوهة.
الأسس البنيوية للأنطولوجيا السياسية للهشاشة
تتجاوز الأنطولوجيا السياسية للهشاشة التفسيرات السطحية التي تحصر أزمات المجتمعات "المتخلخلة" في نقص الموارد المادية أو الفساد الإداري، لتغوص في عمق "الأزمة الوجودية المركبة" التي تضرب الكينونة الإنسانية. في هذه البيئة، تتحلل المؤسسات "الصلبة" مثل الدولة، والعائلة، لتفسح المجال أمام "سيولة" مدمرة تجعل الفرد أعزلاً أمام طغيان السوق والصور الرقمية. هذا التحول يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانتقال من النيو ليبرالية المتوحشة إلى ما يصطلح عليه بـ "الإقطاع الرقمي"، حيث لم يعد الاستغلال يقتصر على انتزاع "فائض القيمة" الاقتصادي وفق التحليل الماركسي الكلاسيكي، بل تجاوزه إلى ممارسة "تلاعب وجودي" يستهدف الشروط القبلية للاختيارات الحرة والمسؤولية الأخلاقية.
من النيو ليبرالية إلى الإقطاع الرقمي
يعتبر "الإقطاع الرقمي" المرحلة الأحدث في تطور الرأسمالية المعولمة، حيث تمتلك المنصات التكنولوجية الكبرى "الأرض" الافتراضية المتمثلة في الخوارزميات، بينما يعمل المستخدمون كـ "أقنان" جدد يقدمون بياناتهم وتفاعلاتهم مجاناً. هذا النمط يعيد تعريف "المواطن" ليتحول إلى "مستهلك قلق" أو "منتظِر أبدي" في طوابير الاستهلاك الرقمي، حيث تتحول الهوية نفسها إلى "سلعة" قابلة للتداول. في هذا السياق، تصبح "الهشاشة" تقنية حوكمة تعمل على تطبيع مصالح رأس المال وجعلها جزءاً من البنية الوجودية للأفراد.
مفاهيم هابرماس في سياق الهشاشة السياسية
يوفر المشروع الفلسفي ليورغن هابرماس، وخاصة في عمله الضخم "نظرية الفعل التواصلي"، ترسانة مفاهيمية ضرورية لتفكيك آليات الهيمنة في المجتمعات الحديثة. يرتكز تحليل هابرماس على التمييز الجوهري بين عالم الحياة والنظام يمثل عالم الحياة الفضاء الأنطولوجي الذي يتم فيه التنسيق الاجتماعي عبر "الفعل التواصلي" القائم على اللغة والتفاهم المشترك والقيم الثقافية الموروثة. أما "النظام"، فيتكون من المجالات الوظيفية مثل الاقتصاد والبيروقراطية، حيث يتم التنسيق عبر وسائط "خالية من المعنى" مثل المال والقوة.
استعمار عالم الحياة وتشويه التواصل
تحدث "أزمة الحداثة" عند هابرماس عندما يبدأ "النظام" في التوغل داخل "عالم الحياة" وفرض منطقه الأدائي عليه، وهو ما يسميه بـ "استعمار عالم الحياة". في ظل الأنطولوجيا السياسية للهشاشة، يأخذ هذا الاستعمار شكلاً متطرفاً؛ حيث تغلغلت معايير السوق في مجالات المعنى والعلاقات الاجتماعية وحتى المقدس. هذا التغلغل يؤدي إلى "تشويه التواصل اليومي" بالإيديولوجيا، بحيث يتحول الحوار من وسيلة للوصول إلى حقيقة أو اتفاق أخلاقي إلى أداة استراتيجية لتحقيق مصالح السوق أو السلطة الرخوة.
إن استعمار عالم الحياة في المجتمعات المتخلخلة يؤدي إلى نتائج وجودية وخيمة:
تآكل العقلانية التواصلية، حيث يتم اختزال العقل في جانبه الأدائي-التقني فقط، مما يجعل القضايا السياسية والأخلاقية تبدو كأنها "ضرورات تقنية" لا تقبل النقاش.
أزمة الشرعية عندما يعجز النظام عن توفير المعنى أو الرفاهية، فإنه يلجأ إلى "الإدارة الفعالة للتوقعات الشعبية" عبر استراتيجيات "ناعمة" مثل الترفيه الرقمي أو "السياحة الحمراء" في بعض السياقات لتبرير سلطته.
تحول الفرد إلى مادة إدارية، يتم التعامل مع الإنسان بوصفه "رأسمالاً بشرياً" أو "منتجاً مستهلكاً"، مما يؤدي إلى ما تسميه نانسي فريزر بـ "الظلم المركب" (اقتصادي، ثقافي، وسياسي).
الفعل التواصلي كأداة مقاومة
يرى هابرماس أن "الفعل التواصلي" يمثل أداة مقاومة لاستعادة سيادة عالم الحياة، مؤكداً أن التنسيق الاجتماعي يجب أن يبنى على الاقتناع الحر والحوار المفتوح، لا على إملاءات السوق أو سطوة الإدارة. بيد أن التحدي في "الدول الرخوة" يكمن في أن الفضاء العمومي نفسه يتعرض لعملية إعادة إقطاع حيث يتم التلاعب بالصور الرقمية والخوارزميات لتزييف الإجماع الشعبي وتوجيه الرأي العام نحو مسارات تخدم الرأسمالية الكومبرادورية.
اغتراب الكائن في عصر "الرخاوة"
تمثل "أنطولوجيا الخيانة الوجودية" المفهوم المركزي لتوصيف الحالة التي وصل إليها الإنسان المعاصر في ظل "الفوضى الخلاقة" واغتراب الكائن. لم يعد مفهوم "الخيانة" هنا قابلاً للاختزال في سياقاته التقليدية، بل أصبح يشير إلى لحظة "إنكار الكائن لبنيته البيولوجية وظروفه الفيزيائية وقدراته المعرفية" لصالح بيئات اصطناعية تصممها المنظومات المهيمنة.
ميتافيزيقا التلاعب الوجودي
يعتبر التلاعب الوجودي حجر الزاوية في فهم آليات الهيمنة الجديدة، وهو تلاعب يستهدف بمفهومها الفينومنولوجي عند هوسرل. يُنظر إلى الفاعلين الخاضعين لهذا النوع من التلاعب فلسفياً على أنهم "منقوصو الحرية"، لا لأنهم مجبرون قسراً، بل لأن خياراتهم تنبع من سياق صُمم مسبقاً لتوجيه إرادتهم نحو مسارات استهلاكية محددة.
جدلية الفوضى الخلاقة واغتراب الكائن
ترتبط الخيانة الوجودية بـ "الخيانة للجسد والطبيعة"؛ حيث مفاهيم مستمدة من الفيزياء الحديثة (مثل الديناميكا الحرارية والإنتروبيا) ومن البيولوجيا نظرية عدم التطابق التطوري لتوضيح كيف أن العالم المعاصر لم يعد يناسب الأجساد البشرية أو بناها المعرفية الفطرية. إن "الخيانة الوجودية" تتجلى عندما يتماهى الإنسان مع "الفوضى الخلاقة" التي تفرضها المنظومات المتطرفة أو الرأسمالية المتوحشة، متخليا عن مسؤوليته تجاه "الآخر" وتجاه "الأصالة" الوجودية.
الدولة الرخوة وقانون القيمة المعولم
في سياق الاقتصاد السياسي، تبرز "الدولة الرخوة" كإطار هيكلي يسمح بممارسة التلاعب الوجودي وتعميق الخيانة الوجودية. استعار جلال أمين هذا المصطلح من غونار ميردال لتوصيف التحولات البنيوية التي جعلت الدولة "رخوة" في التزامها بالقانون والصالح العام، رغم قدرتها القمعية العالية. تتجلى هذه الرخاوة في الفجوة بين التشريع والتنفيذ، والفساد الممنهج، وتآكل السيادة الاقتصادية لصالح الرأسمالية الكومبرادورية.
التبادل غير المتكافئ والاستلاب الثقافي
يؤطر سمير أمين هذه الحالة ضمن "قانون القيمة المعولم"، حيث يفرض النظام الرأسمالي استنزافاً للأطراف لصالح المركز. هذا الاستنزاف لا يتوقف عند الموارد الطبيعية، بل يمتد ليشمل "الاستلاب الثقافي"، حيث تُدمر البنى الإنتاجية والمعرفية المحلية لصالح نمط استهلاكي مشوه. هذا "الاستلاب" هو التربة الخصبة لـ "الخيانة الوجودية"، حيث تتبنى النخب والشباب في الدول المتخلخلة قيماً لا تنتمي لواقعهم، مما يخلق حالة من "اللايقين" تدفعهم للاحتماء بشبكات "القبائلية الجديدة" أو الطائفية كاستراتيجية بقاء في ظل رخاوة الدولة.
السيولة والهروب الرقمي وتلعيب العنف
في ظل "الحداثة السائلة" (باومان) ورخاوة الدولة، يعيش الفرد حالة من "انعدام الأمن الوجودي". وكرد فعل، يلجأ الشباب في الدول المتخلخلة إلى "الهروب الرقمي" كملاذ من الواقع المحبط. الأخطر من ذلك هو العنف حيث تستغل الجماعات المتطرفة والمنظومات المهيمنة آليات الألعاب الرقمية لتجنيد الشباب، محولة الصراعات الدموية إلى "مغامرات" رقمية تمنح إحساساً زائفا بالبطولة والمعنى، وهي قمة "الخيانة الوجودية" للذات وللآخر.
القبائلية الجديدة كاستراتيجية بقاء
عندما تتحلل المؤسسات الصلبة، لا يجد الفرد أمامه سوى "القبائلية الجديدة" تصبح الطائفة أو القبيلة هنا "شبكة حماية بديلة" تعوض عجز الدولة، لكنها في الوقت نفسه تعمل كدرع يحمي "أمراء الطوائف" من نشوء وعي وطني أو طبقي حقيقي. هذا التشرذم يغذي "الهشاشة" ويجعل المجتمع مادة طيعة لـ "قانون القيمة المعولم" وللتلاعب الوجودي العابر للحدود.
أزمة الشرعية والفاعلية التواصلية في العصر الرقمي
يعود تحليل هابرماس لـ "أزمة الشرعية" ليضيء جوانب من "الدولة الرخوة". في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، تعتمد الشرعية على "الإدارة الفعالة للتوقعات"، ولكن في بيئة الهشاشة، حيث تفشل الدولة في تأدية أدوارها الأساسية، يصبح "احتمال الانفجار حتمياً". هنا، تتدخل الرأسمالية الرقمية لتوفير "شرعية ناعمة" عبر منصات التواصل التي توهم الأفراد بالفاعلية والمشاركة، بينما هي في الواقع تعمق استعمار عالم الحياة وتحول التواصل إلى مجرد "تدفق بيانات" يخدم النظام الاقتصادي.
استنتاجات تحليلية حول تقاطع المفاهيم
إن دراسة مفاهيم هابرماس وانطولوجيا الخيانة الوجودية في ضوء الهشاشة السياسية تفضي إلى استنتاجات جوهرية حول طبيعة الصراع المعاصر:
إن "الهشاشة" ليست مجرد حالة ضعف وطني، بل هي "تقنية حوكمة" معولمة تهدف إلى تسييل المؤسسات الصلبة لتسهيل "التلاعب الوجودي". هذا التسييل يجعل عالم الحياة مكشوفاً تماماً أمام استعمار النظام، حيث لم يعد المال والقوة هما الوسيطان الوحيدان، بل أصبحت "المعلومة الرقمية" والـ "خوارزمية" هما أدوات الضبط الأنطولوجي.
إن "الخيانة الوجودية" تمثل النتيجة الذاتية لهذا الاستعمار؛ حيث يتم دفع الفرد لإنكار واقعه المادي والبيولوجي والتماهي مع "المحاكاة" الرقمية هذا الإنكار يؤدي إلى حالة من "التشرد المتعالي" التي تملؤها الرأسمالية بوعود زائفة عن الهوية والاستهلاك.
إن "الفعل التواصلي" الهابرماسي يحتاج إلى "حصانة ائتمانية" و"فاعلية تحررية" لكي يكون مؤثراً في بيئة الهشاشة. لا يكفي الحوار العقلاني إذا كانت "قصدية" المتحاورين مهندسة مسبقاً عبر التلاعب الوجودي. لذا، فإن استعادة "الأصالة" والمسؤولية الأخلاقية هي الشرط المسبق لأي فعل تواصلي حقيقي.
إن "الدولة الرخوة" هي الشريك الضروري للإقطاع الرقمي؛ فمن خلال الفجوة بين التشريع والتنفيذ، تخلق الدولة مناخاً من "اللايقين" يدفع الأفراد نحو اليأس أو الهروب الرقمي أو القبائلية الجديدة، مما يمنع تشكل "فضاء عمومي" صلب قادر على مساءلة السلطة أو رأس المال.
***
غالب المسعودي
...........................
مرجعيات مقترحة
هابرماس، يورغن: نظرية الفعل التواصلي
باومان، زيجمونت: الحداثة السائلة
أمين، سمير: قانون القيمة المعولم ومادية التاريخ
زوبوف، سوشانا: عصر رأسمالية المراقبة
هان، بايونغ تشول: في السرب: رؤى في العالم الرقمي
سرنيتشيك، نيك: رأسمالية المنصات
هايدغر، مارتن: السؤال عن التقنية






