أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الطبيعة والسببية في فلسفة ابن رشد

قراءة في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية

تندرج مسألة الطبيعة والسببية في صميم البناء الفلسفي الوسيط، حيث يتقاطع النظر الميتافيزيقي بالبحث الطبيعي، وتتداخل مباحث الوجود بمسائل الفعل والعلية والضرورة. وإذا كان الفكر الحديث قد جعل من إشكالية الحتمية محورا لنقاشات عميقة امتدت من الفيزياء الكلاسيكية إلى فلسفة العقل والعلوم المعاصرة، فإن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وبخاصة إلى فلسفة ابن رشد، تكشف عن أفق نظري مغاير، تتحدد فيه العلاقة بين الطبيعة والسببية ضمن تصور كوني يتأسس على انتظام الموجودات واطراد السنن وتلازم العلل بالمعلولات، دون أن يسقط في جبرية صماء أو ينفي فاعلية العقل والاختيار الإنساني.

لقد وعى ابن رشد مبكرا أن سؤال السببية ليس مجرد بحث في انتظام الظواهر الطبيعية، بل هو في جوهره سؤال في إمكان المعرفة ذاتها. فإثبات العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول هو شرط إمكان البرهان، كما أن نفيها يفضي إلى انهيار الثقة في العقل والشرع معا. ولعل هذا ما يفسر شدته في نقد النزعة الكلامية الأشعرية كما تجلت عند أبي حامد الغزالي خصوصا في موقفها من العلية، حيث اعتبر أن إنكار الضرورة العلية يفضي إلى "إبطال العلوم وإبطال النظر"، على حد تعبيره في "تهافت التهافت". غير أن دفاعه عن السببية لم يكن مجرد انتصار للفلسفة اليونانية كما يمثلها أرسطو، بل كان سعيا لإعادة تأسيس مفهوم الطبيعة ذاته على قاعدة عقلية تضمن اتساق العالم وشرعية النظر فيه.

تقوم الطبيعة عند ابن رشد على تصور غائي-صوري مستمد من الفيزياء الأرسطية، حيث تتحدد الموجودات الطبيعية بعللها الأربع: المادية والصورية والفاعلية والغائية. غير أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة عرض هذا البناء، بل يعيد تأويله في ضوء رؤيته الخاصة للعالم بوصفه نظاما معقولا. الطبيعة ليست مجرد مادة متحركة، بل هي مبدأ حركة وسكون في الشيء من حيث هو كذلك، أي إنها بنية داخلية تؤسس انتظام الكائنات. ومن ثم فإن القول بالطبيعة هو قول بالاطراد، والاطراد هو أساس السببية.

إن السببية في نظر ابن رشد ليست عادة جارية، ولا مجرد اقتران ذهني بين ظاهرتين، بل هي رابطة حقيقية ضرورية، تجعل من المعلول صادرا عن علته على وجه مخصوص. وهو هنا يعارض بوضوح التصور الذي يرى أن ما نسميه سببا ليس إلا شرطا عاديا لوقوع الحادثة، وأن الله يمكن أن يخلق الاحتراق دون النار، أو الشبع دون الأكل، أو العلم دون التعلم. لقد رأى أن هذا التصور يفضي إلى نقض معنى الحكمة الإلهية ذاتها، لأن الحكمة تقتضي ترتيبا ونظاما، لا فوضى مطلقة.

وهو في هذا المنحى يقرر أن إنكار العلل "قول سوفسطائي"، لأن العلم لا يقوم إلا على معرفة الأسباب. حيث يلتقي هنا مع ما قرره أرسطو في "التحليلات الثانية" من أن "العلم هو معرفة الشيء بعِلَّته". لكن ابن رشد يضيف بعدا لاهوتيا، إذ يعتبر أن إثبات العلل هو في حقيقته إثبات لصنعة الله، لأن انتظام الطبيعة يدل على حكمة الصانع. فالسببية ليست منافسة للإرادة الإلهية، بل هي مظهر من مظاهرها.

إن قراءة هذا التصور في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تفتح أفقا تأويليا خصبا. فقد ارتبطت الحتمية في الفكر الحديث، خاصة منذ بيير سيمون لابلاس، بفكرة أن العالم نسق ميكانيكي مغلق، يمكن لعقل مطلق أن يتنبأ فيه بكل الحوادث إذا عرف شروطها الأولية. هذا النموذج الذي يستبطن تصورا رياضيا صارما للطبيعة، جعل من السببية علاقة كمية قابلة للصياغة في قوانين تفاضلية. غير أن التطورات اللاحقة، سواء في ميكانيكا الكم أو في نظريات الفوضى، زعزعت هذا اليقين، وطرحت أسئلة جديدة حول معنى الضرورة وحدود التنبؤ وإمكان الحرية.

ففي هذا السياق، يبدو تصور ابن رشد أقرب إلى حتمية عقلانية غائية، لا إلى حتمية ميكانيكية صماء. فهو لا يتحدث عن قوانين رياضية مغلقة، بل عن انتظام طبيعي يستند إلى ماهيات الأشياء وغاياتها. الطبيعة عنده ليست آلة، بل كيان ذو بنية داخلية تقتضي أفعالها اقتضاءً. وهذا الاقتضاء ليس إكراها خارجيا، بل ضرورة نابعة من ماهية الشيء ذاته. النار تحرق لا لأنها مجبرة على ذلك من خارجها، بل لأن الإحراق مقتضى صورتها.

وهنا نتبين أن السببية عند ابن رشد ليست علاقة خارجية بين أحداث، بل علاقة داخلية بين ماهيات. وهذا يقترب من بعض الوجوه، مما سيعيد صياغته لاحقا باروخ سبينوزا حين اعتبر أن الأشياء تنتج عن طبيعتها بالضرورة نفسها التي تنتج بها خصائص المثلث عن تعريفه. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن ابن رشد لا يذيب الطبيعة في جوهر واحد، بل يحافظ على تدرج الموجودات وتنوع صورها، ضمن نظام كوني تحكمه العناية الإلهية.

إن مفهوم الضرورة عند ابن رشد لا يعني انتفاء الإمكان، بل يعني أن الممكن إذا تحققت علته التامة وجب وجوده. فهو يميز بين الإمكان الذاتي والإمكان بالقياس إلى العلة. الشيء من حيث ذاته ممكن، لكنه من حيث ارتباطه بعلته يصير واجبا بغيره. وهذا التمييز يتيح فهما دقيقا للعلاقة بين الحرية والضرورة، إذ لا ينفي أن يكون الفعل الإنساني صادرا عن اختيار، لكنه يرى أن هذا الاختيار نفسه له أسبابه في النفس والعقل.

لقد اعتبر أن النفس الإنسانية بما هي عاقلة تدرك العلل وتفعل على وفق ما تدركه من خير. وهنا يستعيد التراث الأرسطي في ربط الإرادة بالعقل، بحيث يكون الفعل الإرادي نتيجة تصور غاية معينة. غير أن هذا لا يعني جبرا مطلقا، بل يعني أن الفعل مشروط بمعرفة الفاعل وبميوله. وإذا كان الفعل الإنساني يدخل في سلسلة العلل، فإنه لا يفقد بذلك طابعه الاختياري لأن الاختيار نفسه جزء من البنية الطبيعية للنفس.

تتضح أهمية هذا التصور على نحوٍ أعمق عند مقارنته بموقف أبي حامد الغزالي الذي أنكر الضرورة في الاقتران بين السبب والمسبَّب، وذهب إلى أن الاحتراق لا يقع بالنار، بل يخلقه الله عند ملامستها للقطن. كان مقصده من ذلك تنزيه القدرة الإلهية المطلقة عن مقتضيات الضرورة العقلية وعن كل ما قد يُتوهم أنه يحدّ من إطلاقها أو يُخضعها لرباط السببية الطبيعية من تقييد أو إلزام. غير أن ابن رشد رأى في هذا الموقف مساسا بفكرة الحكمة الإلهية؛ إذ إن الفعل الإلهي في تصوره جارٍ على وفق نظام محكم، لا على سبيل المصادفة أو العبث.

فالقول بالعلية لا ينتقص من القدرة، بل يكشف عن انتظامها واتساقها. وإذا جاز أن تُخرق العادة فإن خرقها لا ينسف القاعدة، بل يظل استثناءً يُفهم في ضوء نظام كلي ثابت، يؤكده ولا ينقضه. إن مفهوم العادة الذي شاع في الفكر الكلامي والذي سيجد صداه لاحقا عند ديفيد هيوم في حديثه عن اقتران الانطباعات، يقوم على نفي الضرورة الموضوعية. لكن ابن رشد يرفض هذا المنحى لأنه يجعل من العلم مجرد تعميم استقرائي بلا أساس أنطولوجي. فالعادة لا تكفي لتفسير انتظام العالم ما لم تكن مستندة إلى طبيعة ثابتة.

وإذا كان هيوم قد انتهى إلى أن الضرورة ليست معطى في الأشياء، بل في الذهن الذي اعتاد على التتابع، فإن ابن رشد يؤكد أن الضرورة قائمة في الأشياء ذاتها لأن ماهياتها تقتضي أفعالها. ومن هنا فإن السببية ليست مجرد عادة نفسية، بل حقيقة أنطولوجية.هذا الموقف يقترب من الواقعية السببية التي ستدافع عنها تيارات معاصرة في فلسفة العلم، رافضة اختزال القوانين إلى انتظامات ظاهرية.

إن قراءة ابن رشد في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف أيضا عن بعد إبستمولوجي عميق. فالحتمية في صيغتها القوية تفترض أن كل حدث محدد بالكامل بشروط سابقة. لكن السؤال الذي طرحه الفكر المعاصر هو، هل هذه الحتمية وصف للواقع أم مجرد نموذج تفسيري؟ ابن رشد لا يصوغ المسألة بهذا الاصطلاح، لكنه يؤكد أن العلم يقوم على معرفة الأسباب، وأن هذه الأسباب إذا تمت استلزمت معلولاتها. غير أنه يقر في الوقت ذاته بوجود مجالات لا تبلغ فيها المعرفة البشرية حد الإحاطة التامة.

إنه يميز بين العلم الإلهي المحيط والعلم الإنساني الجزئي. ومن ثم فإن القول بالضرورة لا يعني إمكان التنبؤ المطلق، لأن حدود العقل البشري تحول دون ذلك. وهنا يلتقي مع بعض الاتجاهات المعاصرة التي تفرق بين الحتمية الأنطولوجية وإمكان التنبؤ الإبستمولوجي. فقد يكون العالم منظما على نحو ضروري، دون أن يكون قابلا للإحاطة الكاملة من قبل عقل محدود.

ويظهر أن دفاع ابن رشد عن السببية لم يكن مجرد خيار نظري، بل كان أيضا موقفا حضاريا. فهو يرى أن الأمم التي تعتني بالعلوم إنما تقوم حضارتها على الثقة في انتظام الطبيعة. فإذا شاع القول بانعدام العلل ضعف النظر وخمدت همم البحث. وهذا البعد الحضاري يضفي على موقفه أهمية خاصة في سياقنا المعاصر، حيث يتجدد السؤال عن العلاقة بين العقل والدين وعن إمكان التوفيق بين الإيمان بنظام العالم والاعتراف بحدود العلم.

إن استحضار فلسفة ابن رشد في هذا السياق لا يعني إسقاط مفاهيم حديثة عليها، بل يعني استنطاقها في ضوء إشكالات راهنة. فالحتمية المعاصرة لم تعد مسألة فيزيائية فحسب، بل صارت تمس قضايا الأخلاق والحرية والمسؤولية. وإذا كان ابن رشد قد أرسى تصورا للسببية يقوم على الضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني، فإن في ذلك إمكانا لإعادة التفكير في ثنائية الجبر والحرية خارج الأطر التقليدية.

فالطبيعة عنده ليست قيدا خارجيا، بل هي بنية معقولة تتيح الفعل، والسببية ليست سلاسل مغلقة، بل علاقات تدرجية تفسر الظواهر دون أن تلغي الفاعلية. ومن ثم فإن الحتمية في أفقه ليست نفيا للحرية بل شرطا لفهمها، لأن الحرية ذاتها لا يمكن تصورها إلا في عالم منظم، حيث تكون الأفعال قابلة للتفسير لا للعبث.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا لحتمية عقلانية مفتوحة تتأسس على انتظام الطبيعة وتستند إلى حكمة إلهية وتفسح المجال في الوقت ذاته لفعل إنساني واعٍ. وهي بذلك تتيح إمكان حوار خصب مع النقاشات المعاصرة حول السببية، سواء في فلسفة العلم أو في فلسفة العقل أو في الأخلاق. ولعل استيفاء هذا الطرح على وجهه الأكمل يقتضي مزيدا من التعمق في تحليل مفهوم الضرورة في تصوره، والوقوف على تمييزه بين مراتب العلل وأنماط تأثيرها، فضلا عن استجلاء تصوره للعناية الإلهية وصلتها بنظام العالم وانتظامه. فهذه القضايا مترابطة في بنائه النظري ولا ينكشف معناها التام إلا بردّ بعضها إلى بعض، والنظر إليها ضمن أفقه الفلسفي الكلي.

وإذا كان النظر في العلاقة بين الطبيعة والسببية يقود إلى مساءلة مفهوم الضرورة، فإن هذا المسار لا يكتمل دون استحضار البعد الميتافيزيقي الذي يشكل خلفية التصور الرشدي للعالم. فالعالم عنده ليس مجرد مجموع من الظواهر المتفرقة، بل هو نظام متسق تحكمه مبادئ عقلية تضمن وحدة المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مستويات السببية: السببية الطبيعية التي تدركها العلوم، والسببية الميتافيزيقية التي تتعلق بأصل الوجود. هذا التمييز يتيح فهما أكثر دقة لمسألة الحتمية، إذ لا تختزل الضرورة في قوانين الطبيعة وحدها، بل تمتد إلى نظام الوجود ذاته.

لقد كان ابن رشد واعيا بأن القول بالعلل الطبيعية لا يناقض الإيمان بالعناية الإلهية بل يفسرها. فالعناية ليست تدخلاً اعتباطيا في مسار العالم، بل هي تجل للحكمة الإلهية التي تقتضي انتظام الأشياء. ومن ثم فإن السببية الطبيعية هي الوسيلة التي تتحقق بها هذه العناية. هذا التصور يختلف عن النزعة التي ترى أن كل حادثة يجب أن تفسر بإرادة مباشرة تتجاوز النظام الطبيعي. فلو كان العالم يقوم على تدخلات متقطعة لا رابط بينها، لما أمكن الحديث عن علم أو معرفة.

إن هذا الموقف يفتح بابا للحوار مع النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين. فالعلم الحديث يقوم على افتراض أن الظواهر الطبيعية قابلة للتفسير عبر قوانين عامة. وهذه القوانين لا تلغي الإيمان بل تحدد مجالها. فالإيمان يتناول المعنى والغاية، بينما يتناول العلم الآليات. إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتوفيق بين العقل والنقل، لا بمعنى إخضاع أحدهما للآخر، بل بإدراك أن لكل منهما مجاله.

ويكتسب مفهوم التأويل عند ابن رشد أهمية خاصة. فهو يرى أن النصوص الدينية إذا تعارض ظاهرها مع البرهان العقلي، وجب تأويلها بما يرفع التعارض. غير أن هذا التأويل لا يكون تعسفيا، بل يستند إلى قواعد اللغة والسياق. ومن ثم فإن العقل لا يناقض الوحي بل يضيء معانيه. وهذا الموقف يختلف عن النزعة التي تجعل من النص سلطة مغلقة لا تقبل الفهم إلا على وجه واحد.

إن التأويل الرشدي ليس دعوة إلى تجاوز النص، بل إلى فهمه في ضوء مقاصده. فاللغة الدينية تستخدم رموزا وصورا للتعبير عن حقائق تتجاوز الحس. وإذا كان ظاهر النص قد يوحي بمعنى، فإن باطنه قد يدل على معنى أعمق. ومن هنا فإن الجمع بين الظاهر والباطن يحقق الفهم المتوازن. هذا المنهج لا ينفي قداسة النص بل يحترمها، لأنه يسعى إلى إدراك مراد المتكلم.

عند النظر في النقاشات المعاصرة حول الحتمية، يتبين أن الإشكال لا يقتصر على الفيزياء بل يمتد إلى فلسفة العقل. فإذا كان العالم محكوما بقوانين ضرورية، فهل يعني ذلك أن الأفعال الإنسانية محددة سلفا؟ وهل يبقى مجال للحرية والمسؤولية؟ هذه الأسئلة تتجدد في سياق التطورات العلمية التي تكشف عن تعقيد الظواهر، وتحد من إمكان التنبؤ المطلق.

إن فلسفة ابن رشد تتيح مقاربة مختلفة لهذه الإشكالية. فهو لا ينكر أن الأفعال الإنسانية لها أسباب، لكنه يميز بين السبب الذي يفرض الفعل قسرا والسبب الذي يدفع إليه عن علم. فالفعل الإرادي يقوم على تصور غاية، وهذه الغاية هي التي تحدد الاختيار. ومن ثم فإن الحرية لا تعني غياب الأسباب، بل تعني القدرة على الاختيار في ضوء المعرفة. وهذا التصور يختلف عن الحتمية التي تنفي الاختيار، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام.

إن الحرية عنده هي فعل العقل. فالعقل يدرك الخير والإرادة تتجه إليه. وإذا كان الإنسان قد يخطئ في تقدير الخير، فإن هذا الخطأ لا ينفي قدرته على التمييز، ومن هنا تأتي المسؤولية. فالإنسان محاسب على أفعاله لأنه كائن عاقل. وهذا المبدأ يشكل أساسا للأخلاق والقانون.

إن ربط الحرية بالعقل يفتح أفقا للتفكير في الأخلاق بوصفها نظاما قائما على المعرفة. فالخير ليس مجرد ما تميل إليه النفس، بل ما يحقق كمالها. والكمال يتحقق بالفضيلة، أي بالقدرة على الاعتدال. هذا التصور يقترب من الأخلاق الأرسطية التي ترى أن الفضيلة وسط بين طرفين. غير أن ابن رشد يضيف بعدا دينيا، إذ يعتبر أن الفضيلة تقرب الإنسان من الغاية العليا.

وفي ضوء هذا الفهم، يغدو من الممكن إعادة النظر في مفهوم الحتمية الأخلاقية. فإذا كانت الأفعال محكومة بقوانين نفسية واجتماعية، فإن ذلك لا يعني انتفاء المسؤولية. لأن الإنسان قادر على التأمل في أفعاله وتعديلها. وهذه القدرة هي التي تجعل من الأخلاق ممكنة. ومن هنا فإن الحتمية لا تتعارض مع الأخلاق، بل تحدد شروطها.

إن العودة إلى فلسفة ابن رشد لا تعني استعادة الماضي على نحو حرفي، بل تعني الاستفادة من رؤيته في معالجة مشكلات الحاضر. فالنقاشات المعاصرة حول السببية والحتمية تكشف عن حاجة إلى تصور يوازن بين النظام والحرية. وإذا كان العلم يصف العالم عبر قوانين، فإن الإنسان لا يختزل في تلك القوانين. فهو كائن معنوي يسعى إلى المعنى. وهذا البعد لا يمكن إلغاؤه.

تتيح فلسفة ابن رشد فهما للعالم يقوم على الوحدة. فالعالم ليس مجزأً إلى طبيعة منفصلة عن العقل، بل هو نظام يدركه العقل. وهذه الوحدة هي أساس المعرفة. فإذا كان العالم معقولا، فإن العقل قادر على فهمه. وهنا تأتي الثقة في العلم. لكن هذه الثقة لا تعني الغرور، لأن العقل محدود. فهو يدرك ما يظهر له، لكنه لا يحيط بكل شيء.

إن إدراك حدود العقل لا يفضي إلى الشك المطلق، بل إلى التواضع المعرفي. فالعلم يتقدم عبر تصحيح الأخطاء. وهذا التقدم يدل على أن المعرفة عملية مستمرة. ومن ثم فإن الحقيقة ليست ملكا لأحد، بل هي غاية يسعى إليها الجميع. هذا الموقف يفتح باب الحوار بين الثقافات والفلسفات.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتفكير في العلاقة بين الطبيعة والسببية بعيدا عن الثنائيات الصارمة. فهي تعترف بانتظام العالم لكنها لا تنفي الحرية. وتعترف بالعلل لكنها لا تجعلها قيدا. وتعترف بالعقل لكنها لا تنفي الوحي. هذا التوازن هو ما يمنحها راهنية.

إن النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف عن حاجة إلى إعادة النظر في مفاهيمنا. فالعلم الحديث أظهر تعقيد الظواهر وأبرز حدود التنبؤ. وهذا لا يعني انهيار المعرفة بل يعني تطويرها. ويُفضي هذا النظر إلىاستلهام رؤية ابن رشد التي تجعل من السببية شرطا للفهم لا قيدا على الحرية.

لقد حاولت في هذه الأسطر المتواضعة أن أسلط الضوء على مفهوم الطبيعة والسببية في فلسفة ابن رشد، وأن أقرأه في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية. وأن أتبين أن تصور ابن رشد يقوم على الاعتراف بالضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني. فالسببية عنده علاقة عقلية تفسر انتظام العالم، لكنها لا تلغي الفاعلية.

إن هذا التصور يختلف عن الحتمية الميكانيكية التي تجعل من العالم آلة مغلقة، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام. فهو يقدم رؤية وسطا تقوم على أن العالم منظم، لكن الإنسان قادر على الفعل. وهذه الرؤية تتيح فهما أعمق للحرية والمسؤولية.

وفي ضوء التطورات العلمية والفلسفية، يبدو أن النقاش حول الحتمية لن ينتهي. فكل اكتشاف جديد يفتح أسئلة جديدة. لكن هذا لا يعني اليأس بل يعني الاستمرار في البحث. فالفلسفة ليست إجابات نهائية، بل هي حوار دائم. وهذا الحوار هو ما يثري المعرفة.

إن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وعلى رأسه فلسفة ابن رشد، لا تعني الانغلاق بل تعني الانفتاح. فهي تذكرنا بأن الفكر الإنساني متصل، وأن كل حضارة تسهم في بناء المعرفة. ومن ثم فإن الحوار بين الماضي والحاضر ضروري.

إن الطبيعة والسببية ليستا مجرد موضوعين فلسفيين، بل هما مفتاح لفهم العالم. فإذا فهمنا الطبيعة فهمنا قوانينها. وإذا فهمنا السببية فهمنا العلاقات. وإذا فهمنا ذلك اقتربنا من الحقيقة. وهذه الغاية هي ما يسعى إليه الفكر.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم