أقلام فكرية
رائد عبيس: مفهوم النزعة التوجيهية في فلسفة الأخلاق المعاصرة
النزعة التوجيهية في فلسفة الأخلاق المعاصرة وهي القدرة على إيصال الخطاب الأخلاقي إلى الجمهور الموجه إليه بطريقة تنسجم مع مبادئهم، وأخلاقهم، وتهذيب ما فطروا عليه، والتطلع بهم إلى مثل الأخلاق السامية.
من التوجيه، فهناك الأبعاد السلبية من سياسة التوجيه، وجمهور التوجيه، والهدف من التوجيه الأخلاقي السلبي الذي يقصده الموجه. وبما أن وسائل التوجيه المعاصرة أصبحت متعددة وكبيرة بعد تطور وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي فقد تضاعفت عواملها الإيجابية والسلبية بشكل كبير مع ترجيح الكفة الى السلبية.
فإذا كان هذا التعريف يخص البعد الإيجابي
فإذا كان لديه هدف أخلاقي سلبي، أو هدف تجاري، أو سياسي، أو ديني، فالمهم عندهم يتحقق التوظيف المغرض لهذا الخطاب، وتحقيق مخالفة للعقل، والمنطق، والقواعد الأخلاقية الثابتة في العقل البشري.
فإذا افترضنا حدسيا بأن الخطاب الأخلاقي هو خطاب إعلامي في جوهره، وأن الحكم الأخلاقي عادةً ما يُصرِّح، أو يُلمِّح بطريقة أو بأخرى، إلى الحقيقة الأخلاقية المتمثلة في امتلاك صفة أخلاقية ما من قِبَل شخص ما.
فيكون المبدأ الأساسي للعاطفية أن هذا الافتراض الضمني خاطئ - أي أنه حتى لو كان الحَكم الأخلاقي يُعلم أو يذكر حقيقة ما أو يوجه بطريقة ما، فإن هذا ليس جوهر القضية الأخلاقية المقصودة .
أن تقديم التوجيهات الأخلاقية الإيجابية وحتى لو افترضنا أنها مجرد معلومات وليس جوهر في الخطاب التوجيهي الأخلاقي، فإنها في أحسن الأحوال تمهيدا لهذه الأخلاق الإيجابية، وأن جوهر الخطاب الأخلاقي يكمن في استخدامه للتأثير على مشاعر الناس ومواقفهم وبالتالي سلوكهم.
فعندما أطلب منك أمر توجيهي بما ينبغي عليك فعله، فأنا في الواقع لا أذكر حقيقة ما فحسب؛ لكنني لستُ بالضرورة أن أسعى لحملك على فعل شيء ما؛ بل أنا، في جوهر الأمر، أخبرك بما يجب عليك فعله، لقد طرحتَ، السؤال ماذا عليك أن تفعل؟ وقد أجبتُ على هذا السؤال في الواقع، بأني لا أسعى لحملك، أو تحريكك، أو حثّك على فعل ما إن ما أقوله لك هو شيء آخر تمامًا.
قد يترك الخطابي الأخلاقي على سلوكك أثرًا، بل من المرجح جدًا أن يكون الأثر المقصود، للإجابة التي أقدمها لك، ولإصداري ذلك البيان الأخلاقي؛ ولكن لا يزال من الضروري التمييز بين إخباري لك بما يجب فعله وأي آثار أو نتائج، فعلية أو مقصودة، لإخباري لك بذلك - ما أفعله بقولي "يجب عليك سداد المال"، وما قد آمل تحقيقه من خلال قوله ستكون إحدى المزايا العظيمة لهذا التعديل والواضحة بما فيه الكفاية؛ إذ يبدو أنها تمكننا على الفور من تجنب الاستنتاج بأن الخطاب الأخلاقي غير عقلاني في جوهره وإن مشكلة حث شخص ما على فعل شيء ما، أو التأثير على مشاعره لتحقيق تلك الغاية، هي ببساطة مشكلة استخدام وسائل فعالة لتحقيق تلك الغاية؛ حتى لو قررتُ في بعض الحالات أنّ التحدث إلى شخص ما - كبديل، مثلاً، لتخويفه أو إعطائه المخدرات - سيؤثر فيه بشكلٍ أكثر فعالية، فقد لا يهمّ إن كان يفهم ما أقوله أم لا، أو إن كان ما أقوله منطقياً أم لا، فالحكمة لكي تكون فعّالة عاطفياً، لا يشترط بالضرورة أن تكون مفهومة، أو حتى معقولة؛ وستكون صحيحة بشرطٍ وحيد أن تُؤتي ثمارها، لكن فيما يتعلق بالإرشاد، من الواضح أنه يمكن طرح أسئلة توجيهية أخرى تماماً، لإنجاز فعلي أخلاقي يُفترض صحته على وفق قواعد ذاتية، أو قواعد عمل، أو قواعد اجتهادية، يُقصد منها الإلزام فقط من دون قناعة الآخرين.
ومن الضروري هنا أن تفهم ما أقوله لك؛ يمكنك أن تسألني عن أسبابي، وأن تُفكّر فيما إذا كانت الأسباب التي أُقدّمها لك جيدة أم سيئة؛ قد تكون إجابتي على سؤالك هي الإجابة الصحيحة حتى لو لم تقبلها، أو خاطئة حتى لو قبلتها من دون تردد إنّ طلب الإجابات على الأسئلة العملية وتقديمها هو عمل جوهريّ خاص بالكائنات العاقلة، وعملٌ يمكن تقييمه على أسسٍ عقلانية وهذا هو المفترض .
قد نلاحظ ببساطة فكرة أصحاب المذهب العاطفي بأن من يَسأل "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ إنما يَطلبهُ للتأثير؛ لأن الخطاب الأخلاقي ليس في المقام الأول، وإن كان في بعض الأحيان عملاً إعلاميًا؛ أو أن يكون كذلك عرضًا عاطفياً في بعض الأحيان، وإن كان قد يخدم في نتائجه، التأثير على الناس، أو حثهم على فعل أشياء، أو الامتناع عن فعلها؛ بل هو بالأحرى توجيهي قد ينسجم مع الخطاب العام، أو قد يكون معاكس له، وهنا يحتاج الموجه إلى اعتماد نهج سيكولوجي في تحليل هذه العلاقة بين الموجه المُخاطِب والموجهين المُخاطَبين، فضلاً عن حاجتنا فيه إلى نموذج إرشادي يحمل معه مزيدا من القيم .
***
د. رائد عبيس






