أقلام فكرية

سامي البدري: الدوافع والافتراضات داخل غرفة الفلسفة (2)

"إن الزمن كالجدول الجاري أبداً،

الذي يحمل أبناءه سعيداً...

وهم يتلاشون كما يتلاشى

الحلم عند مطلع الفجر."

هربرت جورج ويلز

***

لنفترض أن مجموعة منا تجلس وتنظر عبر شبابيك بيوتهم التي تطل على عينة من العالم (وسط أي مدينة من مدن العالم الكبيرة مثلاً)، ماذا سنرى؟ سنرى الجميع يسير بعجالة في كل اتجاه وكأنه ملاحق من قبل شبح يراه وحده.

مثل هذا المنظر المعتاد يبدو لغالبية البشر على إنه الوضع الطبيعي، لأنه يدلل على أن كل فرد يسعى لشؤونه ولتحقيق فرصاً طيبة لحياته. قلنا هذا رأي الأغلبية من البشر، أما القلة المتبقية فلها رأي آخر، وهو الرأي الذي طرحه (هنري باربوس)، في روايته المعنونة (الجحيم)، حيث يقبع بطله في غرفة أحد فنادق باريس ويرقب العالم من ثقب في جدار الغرفة... ولا يرى غير الفوضى والاضطراب... وما يبعث على اليأس من مصير العالم أو الحياة.

ولو واصل أي منا جلوسه أمام شباك غرفته المطل على العالم فأنه بالتأكيد سيلاحظ أن الغالبية من أولئك المندفعين في كل الاتجاهات، سيتساقطون، مخذولين أو يائسين أو ميتين، بين وقت وآخر، وإن تباعدت هذه الأوقات أو طال انتظارها بالنسبة للبعض.

ماذا يعني هذا بتبسيط شديد؟

يعني أن الحياة (نظامها الطبيعي أو الذي انطلقت منه) مازالت تسير بذات الطريقة ولذات الهدف، منذ لحظة انطلاقها الأولى (قبل ملايين السنين، كما يفترض العلماء) وإلى لحظتنا الحالية التي نعيشها. وهذا يعني أن ما استجد من تغييرات على نظام الحياة تعلق بطرق الحياة اليومية لا بقوانينها وأهدافها الأساسية التي تمنحها (هويتها).

وإذا ما عدنا لنسأل أي شخص من الغالبية (ممن واصلوا الجلوس خلف زجاج شبابيك بيوتهم، بعد بلوغهم السبعين أو الثمانين من أعمارهم)، أو بطل رواية (هنري باربوس) آنفة الذكر، كمثال للقلة المتبقية من البشرية (التي استثنيناها) لنسألهما عن الرأي فيما راقبوه فسيقولون: لا شيء غير الفوضى والتفاهة والتدافع الغبي على فرصة الحياة المثالية أو، فرصة الحياة التي لا يمكن فقدها، ولم تأت أو لم يحصلوا عليها.

وإذا ما عدنا إلى بطل رواية هنري باربوس، الجحيم، وهو تعمد أن يبقيه دون اسم (الأرجح أنه تركه دون اسم ليرمز لأي فرد من القلة التي افترضنا بقائها خارج المجموع أو تشذ عن رؤيته) وحدقنا من ذات الثقب الذي كان يرقب العالم الخارجي عبره، فإن أغلبنا سيردد ما يجول في خاطره (ولم أستطع المقاومة، فتبعت دوافعي بصورة عرضية "شخصياً كنت سأقول بصورة مرضية" تبعت امرأة كانت ترقبني من زاويتها، ثم سرنا جنباً إلى جنب، وقلنا بعض الكلمات، فأخذتني إلى بيتها، ومر المشهد المعروف، مر وكأنه سقوط عنيف مفاجئ)، وهذا السقوط لا يحدث إلا لأمثاله من القلة، أما بالنسبة للغالبية فهو يسجل كنصر شخصي، من دون تحديد الجهة الخاسرة أمام ذلك النصر.

ثم يُكمل صورة المشهد، بعد خروجه من بيت المرأة (ورأيت نفسي على الرصيف ثانية، لا أشعر بالطمأنينة التي كنت أمني نفسي بها، إنما أحس باضطراب مربك. كنت وكأنني لا أرى الأشياء على حقيقتها.. كنت أرى أكثر وأعمق من اللازم).

باختصار شديد، هذا الرجل هو نموذج الإنسان الذي وجدت الفلسفة من أجله أو هو من اخترعها، ببساطة لأن الحياة، بصيغتها المعاشة، لا تمنحه إحساساً بالامتلاء، أو لا تقدم له ما يقنعه أن ما بين يديه هو كل شيء، بل بالعكس، كل شيء في حياته اليومية يحرضه على أنه يجب أن يكون هناك ما هو أكبر، شيء حقيقي وغير قابل للفقد ويمنحه الإحساس بامتلاء حقيقي وأبدي.

ما هو هذا الشيء وأين يكون أو يكمن؟

بطل (هنري باربوس هذا) إنسان بمنتهى التواضع، لا يدعي العبقرية ولا يرى في نفسه استثناءً، بل هو يقدم نفسه على إنه الإنسان في أبسط صوره، ولكن الإنسان المطوّح به، المغدور، المغبون والمسلوب الحق بلا مبرر، ولهذا فإنه يستحق تعويضاً من جهة ما (لا أملك شيئاً، وربما لا أستحق شيئاً "وفق قانون الحياة العام"، ولكن، وبالرغم من ذلك، أشعر بالحاجة أن أعوض).

عن ماذا يعوّض؟ عن الوجود القسري في حياة بلهاء لا تعرف ماذا تفعل بنفسها ولا لأي هدف تسير، مسيرتها البلهاء، التي نجلس في النهاية خلف زجاج شبابيكنا لنراقب بلاهتها باشمئزاز وتحسر على زمننا الذي أنفقناه على العيش فيها.

ولكن بم كان علينا أن ننفق زمننا الوجودي إن لم يكن في ممارسة الحياة التي بين أيدينا؟ في البحث عن حياة تحترمنا ولا تفرط بنا وترانا كباراً، كما ترى فطرتنا فينا، ولا تتخلى عنا وتحولنا إلى جيف نتنة، بقرصة حشرة أو إتلاف فايروس حقير لأجسادنا أو أن يسقط علينا حجر أو تدهسنا عربة أو يمزقنا تفجير قنبلة.... أو.... أو… .

الإنسان، بالنسبة لقانون الحياة أو دورة الوجود، رخيص جداً وما أسهل أن تتخليا عنه أو تطوحا به، كأي بعوضة تُكافح وتُقتل من أجل ألا تسبب أو تنقل المزيد من المرض، وهنا يحق له أن يقف – لأنه يتميز بالإدراك العقلي – ويتساءل: لماذا وجدت إذن ما دام الوجود يعاملني بكل هذا الرخص ويتجاوزني ويسحقني كأي حشرة ناقلة للمرض؟

المشكلة، ووفق قانون فطرة الحياة أو بدايتها أو ميكانيزم دورانها، إن الإنسان مليء بحس أصيل في إنه يستحق تعويضاً كبيراً عن وجوده المتعسف في هذه الحياة، فمن أين جاء هذا الحس وإشباعاً لأي نقص ومن هي الجهة التي ستدفع له هذا التعويض وبأي طريقة؟

يقول الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامي: (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون من هو) وبالتأكيد فإن رفضه هذا ليس عملية عناد، أثمرتها حالة نزاعه مع الإله ليكون مساوياً أو نداً له فقط (كما تقول بعض القصص والأساطير)، بسبب طيشه وغروره، بل هي ثمرة مقارنته لفعل دورة الحياة ومفاعيلها فيه، بما ينتهي إليه في نهاية الأمر: موت أصم، أبله، غبي، وغير مبرر. وهذا معناه، في النهاية، أن الإنسان يدرك، عقلاً وحساً (الحساسية الفردية، كما سماها ميشيل هنري)، أنه أكبر ويستحق ما هو أكبر وأجل من نهاية الموت القذرة (لأن فعل الموت يحوله إلى مجرد جيفة قذرة تستوجب الطمر في عمق من الأرض وتحت طبقات ثقيلة من التراب، كي لا يشم الأحياء نتانة ما كان يمثل وجوده وحياته قبل الموت: كيانه الوجودي). وهذا وحده يوضح أن الفهم القائم للوجود ودورة الإنسان فيه، زوايا أخرى ودورة وفهماً أكبر من هذا التبسيط (وهو تبسيط ديني في أغلب جوانبه) الساذج، لأنه تبسيط هدفه التتفيه والحط من قدرة الإنسان (عقلاً وإدراكاً)، من أجل دفعه للخضوع لرؤى الأديان والتسليم لطروحاتها، ليس فقط على صعيد بناء القناعات، بل والتماس الخلاص، لما بعد الموت، عن طريقها وببركات سدنة معابدها.

ومن زاوية أخرى، لم تحاكم، رغم أن أغلب الأديان تبشر أو تعد بها، وهي، إذا ما كان الموت أبدياً وسيستمر في فعله حتى قتل آخر إنسان، فإن هذا يعني أن الشر هو من سينتصر في نهاية المطاف، وهو يتمتع بإرادة – الشر - كونية أو مطلقة، وعليه يكون الخير ليس أكثر من أمنية أو رغبة إنسانية، ولهذا يسود ويتحكم الشر في الإنسان (بعد أن أفرغ من ذاته وحولته أوجه ومؤسسات التنظيم إلى مجرد عبد أو ترس خدمي) وكل مفاصل ما أسس من مؤسسات، وأولها طبعاً مؤسسة الدولة التي صادرت حريته وصارت تتحكم بأدق شؤونه، بما فيها شؤونه الشخصية والذاتية. وهذا يعني، في المحصلة، أن الإنسان قد تحول إلى عبد تابع للنظام الاجتماعي. مقابل ماذا؟ أن يرضى عنه أسياد النظام الاجتماعي: رئيس الدولة وسياسيو الأحزاب والوزراء ونواب البرلمان ورؤساء المعابد ومدير الضرائب ومدير المؤسسة التي تسجل الزيجات و.... كم عدد هؤلاء نسبة إلى عدد النظام الاجتماعي المسمى دولة؟ مليون مقابل عشرة أو عشرين أو أربعين أو خمسين مليون مواطن؟ والطريف أن هذا المليون (افتراضاً طبعاً) هو من يفرض ما يشاء على البقية، تحت مسمى قوانين، كما فعل الرئيس الفرنسي أمانؤيل ماكرون وحكومته وبرلمانه (كم عددهم نسبة إلى عدد الشعب الفرنسي؟؟؟) في مطلع عام 2023، عندما أصرت هذه المجموعة السياسية الصغيرة (التي تمثل الدولة وقوانينها) أن تفرض على عموم الشعب الفرنسي، قانون التقاعد الجديد، رغم معارضة ورفض الشعب له. بل إن هذه المجموعة، وتحت حماية ما شرعت من قوانين لنفسها وحمايتها كمؤسسة عليا، تجرأت على مواجهة تظاهرات الشعب الرافضة للقانون، بالغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه والهراوات والاعتقالات. أين الحرية وأين الديمقراطية إذن؟ هل تفهم حكومة وبرلمان ماكرون أكثر من مجموع الشعب الفرنسي؟ هل يعرف ماكرون وحكومته مصلحة الشعب أكثر مما يعرفها الشعب ذاته؟ أين الخلل إذن؟

هذا الخلل هو ما وقامت الفلسفة من أجل بحثه ودراسة أسبابه وإيجاد الإجابات لأسئلته. ففي النهاية، فإن أسئلة الإنسان الوجودية تنبع وتقوم من سؤاله عن حريته، بالدرجة الأولى، وأغلب أشكال النظام والقوانين، وبغض النظر عن نوايا ومقاصد الجهات (المؤسسات) التي أصدرتها، إنما كانت حصيلتها الحد من حرية الإنسان في النهاية… ببساطة شديدة (سيعتبرها رجال المؤسسات مُخلة) الإنسان ولد ليبني بيته ويزرع أرضه ويصطاد سمكته وطيره وفق قوانين الطبيعة وليس وفق قوانين المؤسسات!

***

د. سامي البدري

 

في المثقف اليوم