ثمة متعة رائعة، حين تجلس بمحاذاة النافذة، وانت تلاحق بنظرك زخات المطر، وهي تنهمر من السماء، كأنها خيوط فضية تتدلى من فضاء الغيم، لتنسج على سطح الأرض المغبر لوحة من الجمال الساحر، حيث يصبح المطر، حالة وجدانية، تستيقظ معها في أعماق النفس مشاعر الحس، بالغبطة والسرور.
فما أجمل تلك اللحظات التي تتسارع فيها قطرات المطر على زجاج النافذة، وتتلاحق أصواتها بإيقاع عذب، فيما تتلبد السماء بالغيوم المثقلة بالماء، وتغتسل الأشجار، والبيوت، والطرقات، برذاذ السماء المنهمر. وكأن الطبيعة تستعيد شبابها، وتخلع عن وجهها غبار الأيام، نابضة بالحياة، لتظهر في أبهى صورة لها، نضرة زاهية.
هكذا تأخذك روعة المنظر إلى ٱفاق بعيدة من التأمل، وأنت تراقب ذلك المشهد من خلف النافذة، فهناك في الخارج أرض ظمأى، تستقبل المطر بلهفة، وتربة تتشرب قطراته الندية، كأنها تروي حكاية انتظار طويل، وأودية تستقبل خرير السيول، وهي تتدفق من أعالي المرتفعات، متهادية حيناً، ومندفعة حيناً آخر، لتملأ الشعاب والوديان، وتشق طريقها بين المنحدرات، حاملة معها بشائر الخصب والنماء، بعد أن كانت وهادها، يبابا، ساكنة بالأمس.
وهكذا يوقظ المطر في الذاكرة صوراً لا تغيب، من مواسم الشتاء في ريف أيام زمان، حين كانت رائحة التراب المبتل، تفوح في الأرجاء، وتختلط بنسائم الهواء البارد، وتتعالى أصوات الرعد من بعيد، في حين تجتمع العائلة حول دفء الموقد، تتبادل الأحاديث والحكايات، وهي تستمتع بمشهد المطر الذي لا يمل النظر إليه. هناك تتداخل متعة الحاضر بعبق الماضي، بما يحمله من رسائل الحنين، ليعيد ترتيب المشاعر، على إيقاع الذكريات.
وتظل في مراقبة المطر من النافذة، متعة تأملية عميقة، فأنت ترى دورة الحياة، وهي تتجدد أمام عينيك، حين ينزل الغيث من السماء، فتحيا به الأرض بعد جدبها، وتنتعش به النباتات، وتدب الحركة في مجاري المياه، وتستبشر النفوس بموسم خير وعطاء.
وما أروع أن نتوقف قليلاً عن صخب الحياة ومشاغلها، لنمنح النفس فسحة من السكينة، لتصغي إلى إيقاع موسيقى المطر، وتتابع انسياب مياهه على زجاج النافذة، وتراقب كيف تتحول الأرض تحت زخاته إلى مرآة تعكس جمال السماء، وجمال الطبيعة.
وهكذا ينهمر المطر محملاً ببشائر الخير للزرع والانعام، حيث الأرض تبتل بنداه، وتستمتع القلوب بجمال زخات الغيث، لتجد فيها فسحة للروح، ونافذة مشرعة على الأمل.
***
نايف عبوش








