عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

رمزي ميركاني: فلسطين في السينما.. حكاية شعب على الشاشة الكبيرة

لم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عن كاميرات السينما، بل حضرت في مئات الأفلام العربية والعالمية، التي حاولت نقل حكاية شعب عاش التهجير والاحتلال والحروب، وما زال يتمسك بأرضه وحقه في الحياة. ومنذ نكبة عام 1948، تحولت فلسطين إلى موضوع سينمائي يتجاوز حدود السياسة، ليدخل في تفاصيل الإنسان والذاكرة والهوية والمنفى، ويقدم للعالم صوراً عن حياة الفلسطينيين لا تنقلها نشرات الأخبار وحدها.

عربياً، كانت السينما المصرية من أوائل السينمات التي تناولت القضية الفلسطينية، ومن أبرز الأعمال فيلم «المخدوعون» (1972) للمخرج المصري توفيق صالح، المأخوذ عن رواية «رجال في الشمس» للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني. يروي الفيلم مأساة ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت بحثاً عن حياة أفضل، لكنه يقدم في جوهره صورة مؤلمة عن اللجوء وضياع الأمل والعجز أمام الواقع السياسي.

وفي عام 1992، قدم المخرج عاطف الطيب فيلم «ناجي العلي»، من بطولة نور الشريف، مستلهماً حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير، الذي جعل من رسومه وسيلة لمقاومة الاحتلال والتعبير عن معاناة شعبه. كما تناول فيلم «كفر قاسم» للمخرج برهان علوية مجزرة القرية الفلسطينية عام 1956، مسلطاً الضوء على واحدة من المحطات الدموية في تاريخ الفلسطينيين.

أما المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، فقد قدم تجربة مختلفة من خلال أفلامه، ولا سيما «يد إلهية» (2002) و«الزمن الباقي» (2009)، حيث استخدم السخرية والمشاهد اليومية البسيطة لتصوير الحياة تحت الاحتلال، وما يرافقها من قيود ومفارقات إنسانية. وفي فيلم «باب الشمس» (2004)، للمخرج المصري يسري نصر الله، تحولت رواية إلياس خوري إلى عمل سينمائي واسع يرصد النكبة واللجوء والذاكرة الفلسطينية عبر حكايات عائلية متشابكة.

ولم تقتصر هذه التجربة على السينما العربية، إذ تناولت أفلام عالمية القضية من زوايا متعددة. ومن أبرزها الفيلم الوثائقي «خمس كاميرات محطمة» (2011)، الذي أخرجه الفلسطيني عماد برناط بالتعاون مع الإسرائيلي غاي دافيدي، ووثق مقاومة أهالي قرية بلعين الفلسطينية للاستيطان ومصادرة الأراضي. وقد وصل الفيلم إلى ترشيحات جوائز الأوسكار، وقدم شهادة بصرية قريبة من حياة الناس اليومية.

كذلك برز فيلم «عمر» (2013) للمخرج هاني أبو أسعد، الذي تناول حياة شاب فلسطيني يجد نفسه وسط الاعتقال والشك والخيانة، وفيلم «الجنة الآن» (2005)، الذي ناقش واقع شابين فلسطينيين في ظل الاحتلال، من خلال معالجة إنسانية أثارت نقاشاً واسعاً.

ومن الأعمال العالمية المهمة أيضاً فيلم «ميرال» (2010) للمخرج جوليان شنابل، الذي استعرض مراحل من تاريخ فلسطين عبر قصة فتاة تنشأ في القدس، فضلاً عن الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» (2024)، الذي وثق معاناة سكان مسافر يطا في مواجهة التهجير وهدم المنازل.

تكمن أهمية هذه الأفلام في أنها لا تقدم فلسطين باعتبارها مجرد عنوان سياسي أو ساحة للصراع، بل بوصفها حياة كاملة فيها عائلات وأطفال وأحلام وذكريات وبيوت وأماكن لا يريد أصحابها فقدانها. فالسينما لا تستطيع إنهاء الحروب أو إعادة المهجرين إلى منازلهم، لكنها تملك قدرة كبيرة على حفظ الذاكرة ومواجهة النسيان، وإيصال أصوات الذين لا يجدون دائماً منبراً للتعبير عن معاناتهم.

لم تكتفِ السينما الفلسطينية بأن تكون موضوعاً لأعمال عربية وعالمية، بل نشأت تجربة سينمائية فلسطينية خاصة، اتخذت من الكاميرا وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق الهوية ومقاومة محاولات طمس التاريخ. وبرزت هذه التجربة منذ ستينيات القرن الماضي، خصوصاً مع تأسيس وحدة أفلام فلسطين عام 1968، التي ارتبطت بالثورة الفلسطينية وقدمت أفلاماً وثائقية عن حياة الفلسطينيين ونضالهم.

ومن أبرز روادها المخرج مصطفى أبو علي، الذي يعد من مؤسسي السينما الفلسطينية الحديثة. ومع مرور السنوات، ظهرت أسماء سينمائية مهمة مثل ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وهاني أبو أسعد، وإيليا سليمان، وآن ماري جاسر، ونجوى نجار. وتنوعت موضوعاتهم بين النكبة واللجوء والاحتلال والحياة اليومية، وصولاً إلى قضايا الهوية والمنفى والذاكرة. وقد استطاعت هذه السينما، رغم ضعف الإمكانات وصعوبة الإنتاج والتوزيع، أن تصل إلى المهرجانات الدولية وتحصد جوائز مهمة، لتصبح واحدة من أبرز وسائل التعبير عن الحكاية الفلسطينية.

وهكذا، بقيت فلسطين حاضرة على الشاشة الكبيرة، ليس فقط بوصفها قضية تبحث عن حل، بل حكاية إنسانية مفتوحة لم تنته فصولها بعد.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم