علاوي.. حين تتشارك مدينة في تربية طفل
أتذكر من خلال طفولتي، وعلى الرغم من أنني ولدت في منطقة بعيدة عن مدينة الثورة سابقا، الصدر حاليا إلا انني ترددت عليها كثيرا وخالطت أهلها، الأمر الذي شكّل في داخلي صورة قريبة عنها، قبل أن اتعرف إلى المدينة بصورة أوسع على لسان أهلها في فترة الشباب، داخل الجامعة وخارجها.
تتميز هذه المدينة بطراز عمراني خاص.. وكانت زيارتي الأولى لها تجربة غريبة بالنسبة إلي؛ فكل شئ بدا مختلفا عما اعتدت عليه. كانت إحدى قريباتي من الدرجة الاولى تسكن فيها،
وكان منزلها ملاصقا لمنزلي جيرانها من اليمين واليسار، ولا يفصل بين البيوت سوى جدار واحد. وحين كنا نجلس في الغرفة الأولى، وهي تعتبر الأكبر مساحة، كانت تُستخدم للاكل والنوم، الجلوس ومشاهدة التلفاز ايضا، كنا نسمع طقطقة الملاعق والأطباق من منزل الجار على اليمين، فيما يصلنا من جهه المطبخ حديث سكان المنزل المجاور على اليسار ومشاكلهم العائلية. كان كل بيت يعرف ما يجري في البيوت المجاورة دون عناء السؤال!
أما بُنيان المدينة، فيتألف من بيوت متراصة، أشبه بقطع لعبة الليغو؛ صغيرة المساحة، لا تتقدمها ساحات أو حدائق، حيث تلج الى غرفها مباشرة من الشارع. وما ان تعبر المدخل حتى يستقبلك ممر ضيق وقصير، وعلى احد جانبيه غرفة وهي الأكبر حجما ثم تليها غرفة صغيرة بعدها المطبخ والصحيات.
وكان تصميم المطبخ يدهشني؛ إذ انك اذا وقفت امام المغسلة يلتصق بك الواقف امام الموقد. ومن هذه الفسحة الضيقة درج يؤدي الى السطح، وقد يبنى طابق ثان إذا كانت أساسات المنزل بالأضافة للقدرة المالية تسمحان بذلك. وربما لم تكن جميع البيوت متطابقة في تصميمها، لكنها كانت تشترك في صغر المساحة وضيق الممرات، كانت صغيرة ومخنوقة.
قضيت فترة جيدة في المدينة، إذ كنت ازورها خلال العطل المدرسية، واحيانا أمكث فيها أكثر من اسبوع. زرت الاحياء القريبة من منزل قريبتي، من بينها سوق الحي واسواق شعبية اخرى تعج بالحركة. وكنت، كلما زرتها، ألاحظ أن أبواب البيوت تبقى مفتوحة الابواب منذ الصباح وحتى موعد آذان المغرب.
أحببت التجول في الأزقة، بعدما انتهزت فرصة انشغال والدتي وانتزعت منها الموافقة على الخروج، لأركض في الشارع.
كنت أمشي متيقظة لما اخطو عليه؛ لان الشارع من تحت قدمي مائل من جانبيه، وينحدر تدريجيا نحو ممر وسطي تجري فية مياه المزاريب وتتجمع مياه الامطار فيه ايضا.
لكن أكثر ما كان يلفت انتباهي هو حيوية المكان. فقد كنت ابنة منطقة هادئة وراكدة معظم الوقت، لا تكاد تُسمع فيها أصوات أو صراخ، أما هنا، فكنت أجمع أحاديث البيوت التي أمر بها؛ كل بيت يضج بأهله وحياتهم اليومية، وكأن الشارع امتداد طبيعي لغرف المنازل.
كان الجار قريباً من جاره، يعرف أهل المدينة بعضهم بعضاً، ويشكلون عائلة كبيرة. فالوجوه مألوفة، والأخبار متداولة، والكل يعرف الكل. ولأنني كنت وجهاً غير مألوف بينهم، كانوا يسألون قريبتي عني ويطيلون النظر في وجهي، ومع ذلك لم أشعر بالغربة بينهم؛ فلطفهم وكرمهم جعلا تلك النظرات أقل رهبة وقلقاً.
وغالباً ما كنت أخرج للعب مع الأطفال، فأندهش من حيوية المنطقة؛ إذ إنني، كما ذكرت، كنت أعيش في مكان شبه ساكن، لا يعرف فيه الجار جاره إلا في حدود ضيقة. أما هنا، فكان الرجال والنساء يتبادلون التحية والأحاديث، ويتفقد بعضهم حاجات بعض. يكفي ان تذكر انك تعوز لامر ما حتى يسبقك الجار قبل ان تكون لك نيه بالطلب، قاتلا: " اأمر وتلكاه حاضر".
ذكرت سابقا أن أبواب البيوت كانت مفتوحة دائماً، فكنا ندخل ونخرج وكأن كل منزل منزلنا؛ نشرب الماء، ونلتقط شيئاً من الطعام الموجود في الصحون، ثم نخرج لمواصلة اللعب. وكان أهل البيوت يعرفون الأطفال، فيميزون فلاناً بأنه ابن فلان، وآخر بأنه قريب لفلان جاء لزيارته من المنطقة الفلانية ، وهكذا تتسع دائرة الألفة بينهم.
لا أتذكر في أي حي كانت تسكن قريبتي تحديداً، لكن ما أتذكره أن أهالي المدينة لم يكونوا يعرف بعضهم بعضاً فحسب، بل إن العائلات التي كانت تهاجر أو تنزح من مناطقها غالباً ما كانت تستقر بالقرب من أقاربها، حتى تجد أحياء كاملة تسكنها عائلات مترابطة، أو عوائل متجاورة تربطها صلات القرابة.
فعلى سبيل المثال، كنت أخرج من المنزل وأمشي مسافة لا تتجاوز دقيقة، لأرى من بعيد إحدى قريباتي التي تصغرني بعام واحد، تلوّح لي كي نلعب "ركيضان". وبجوارها منزل صغير يشبه منزل قريبتي، تسكنه عائلة أخرى من أقاربنا البعيدين. كانت عائلة كبيرة لم أستطع إحصاء أفرادها، لكنهم، إن لم تخني الذاكرة، كانوا أكثر من اثني عشر فرداً، ولكل منهم أسرته وأطفاله!
أما سوق الحي، الذي يُعد من الأسواق الشعبية المعروفة في المدينة، فكان متنوعاً وبسيطاً؛ تجد فيه كل ما تحتاج إليه، من خلال محلات تجارية صغيرة وبسطات متفرقة، لكنها تفي بالغرض بالنسبة لمدينة تعاني الكثافة السكانية.
تزوجت قريبتي واستقرت في هذه المنطقة، وتأقلمت مع حياتها فيها. وبعد وفاة زوجها إبان الحرب العراقية الإيرانية، أصبحت أرملة، وكان من بين أبنائها طفل سأغيّر اسمه للضرورة وأسميه "علي"
كان علي يعاني إعاقة ذهنية أثرت في قدرته على التعلم بالطريقة المعتادة، لكنه لم يكن مجنونا بل كان فيه مس ولديه حول في العين، قد حرمه من الالتحاق بالمدرسة، إذ لم تكن تتوافر في المدينة مؤسسة تعليمية متخصصة تستوعب حالته، فكبر من دون أن يتعلم القراءة والكتابة. فهو أميّ
ولأن أهل المدينة عرفوا قريبتي منذ سنوات طويلة، فقد تأثروا بوفاة زوجها، وأحاطوها بالعناية والسؤال المستمر عن أحوالها، وما إذا كانت تحتاج إلى شيء أو ينقصها أمر. كما أولوا عليّ اهتماماً ومحبة خاصين، وكان بعض المحسنين يوفرون له ولإخوته الملابس على قدر استطاعتهم.
أما علاقتهم بعلي فكانت مميزة؛ إذ أطلقوا عليه ألقاباً متنوعة،قد تبتسم لمجرد سماعها، كانت حلوة وظريفة وكانوا يحسنون التعامل معه، لا بدافع الشفقة، بل كانت عواطفهم تنبع من مودة واحترام حقيقيين.
في البداية، كانت قريبتي تصطحب عليّ معها في كل مشوار، لكن مع مرور السنوات، وتفاقم أمراضها وآلام المفاصل، أصبحت عاجزة عن مغادرة المنزل بسهولة. واضطرتها ظروفها الصحية إلى إرسال عليّ بمفرده لشراء احتياجات البيت.
فإذا احتاجت إلى الخبز، أرسلته برفقة أحد أطفال المنطقة، وعلّمته كيف يميز النقود من خلال ألوانها، بالتكرار والحفظ. وإذا لم تجد طفلا في الشارع، وهو أمر نادر الحدوث، أرسلته وحده، موصية إياه بألا يعبر الشارع قبل أن ينظر يميناً ويساراً. ولحسن الحظ، كان أهل المدينة موجودين دائماً.
فقد يصادفه أحدهم، فيحييه ويلاطفه ويسأله:
"أهلا بالبطل، وين رايح؟ للمخبز؟ يلا أمشي أعبرك، لا تعبر وحدك، دير بالك".
فيجيبه عليّ عن كل كلمة ب "ي"، و«صار»، و"شكراً حبيبي، الله يوفقك".
وما إن يصل إلى المخبز حتى تكون له الأولوية، حتى لو كان المكان مزدحماً. يحييه الجميع ويسألونه: "ها علاوي، بشكد تريد؟"، فيجيب بالمبلغ الذي حفظه قبل مغادرة المنزل، بعدما أعادته عليه أمه مرات عديدة.
وبينما ينشغل أصحاب المخبز بالحديث معه وملاطفته والسؤال عن أمه: "شلونها العلوية؟ خو ما تحتاجون شي؟ عدكم أكل بالثلاجة؟، يكون أحدهم قد جهّز له الخبز، ثم يخبره صاحب المخبز: "وهاي كرصة بعد العلاوي".
فيجيبه عليّ بدعائه المعتاد: "الله يوفقك، إن شاء الله تفرح بجهالك".
ثم يعود إلى المنزل برفقة شخص أمين يعبر به الشارع. وكان الأمر نفسه يتكرر في البقالة؛ فلا يعود عليّ غالباً من دون زيادة صغيرة يضيفها له البائع.
ومع مرور الوقت، كبر عليّ وأصبح يعرف طريق المخبز والأماكن التي اعتاد الذهاب إليها لشراء حاجات المنزل، وصار يذهب إلى السوق كلما دعت الحاجة.
كانت قريبتي تكتب احتياجات المنزل في ورقة صغيرة، وترسلها معه مرفقة بالمال، وتوصيه قائلة: "أول شي تروح لأم فلان، أم الخضرة، وتنطيها الورقة".
فيجيبها عليّ: "إي يمه، صار".
يذهب مباشرة إلى بسطية الخضراوات، حيث تبيع صاحبتها الكرفس والرشاد والفجل وغيرها، فتستقبله بالترحيب:
"هلا بكوكو، هلا! ها أمك دزتك؟ شلونها؟ سلّملي عليها".
تقرأ المرأة القائمة، وتجهز له ما طلبته أمه، ثم تضيف باقة من الخضراوات التي يحبها:
"وهاي رشاد وفجل شوية زيادة لعلاوي" مع مد الحروف وتلحين بنغمة طفولية.
فيجيبها بدعائه: "الله يوفقج خالة، ينطيج الصحة والعافية".
ثم تقول له: "هسه تروح لفلان، ينطيك دجاج، سلملي على امك"
" أن شاء الله، صار"
فيتوجه عليّ إلى محل الدجاج، فيستقبله صاحبه بابتسامة، ويقدم له الماء ويجلسه حتى يجهز الطلب. وأياً كان سعر الدجاجة، كان البائع ينقص له ألف دينار أو خمسمائة، ثم يقرأ ما تبقى في القائمة ويوجهه إلى المحل التالي، حيث يحتاجون إلى الفواكه أو الخضراوات.
وينطلق عليّ إلى البائع الآخر، ويتكرر المشهد نفسه مع كل شخص في القائمة؛ ترحيب وسؤال عن والدته، وشيء من المساعدة، فمنهم من يخفض السعر، ومنهم من يضيف حاجة أو اثنتين مجاناً، ثم يدله على المحل التالي.
وعندما يصل إلى آخر شخص في القائمة، يبدأ البائع بمراجعته، فيسأله:
"رحت لأم المخضر؟"
"إي".
"رحت لأبو الدجاج؟"
"إي".
"رحت لأبو الخضروات واللحم؟"
"إي، رحت".
وهكذا حتى ينتهي من مراجعة القائمة، ثم يطلب منه العودة إلى المنزل قائلا:
"يلا علاوي، روح للبيت، كمل مسواكك"
ويحييه بمزيد من الألقاب والمزاح:
" هلا، هلا بالوردة، هلا بالقنبلة"
فيضحك علاوي من مفردة " قنبلة"، ويودع صاحب المحل
فيعود عليّ محملا بما أضافه له أصحاب المحلات من حاجات، ويخبر قريبتي بكل ما حصل معه.
فتسأله: "كلت إلهم شكراً؟"
فيجيبها: "إي يمه، ودعيتلهم".
فتقول له: "عفية عفية، بابو شوكت".
ولم يقتصر الأمر على أصحاب المحلات والكبار؛ حتى الأطفال كانوا يعرفون علاوي ويلعبون معه. وكان يخرج برفقتهم إلى الدكان، (وهو متجر صغير لبيع الحلويات، غالباً ما يكون غرفة من المنزل تطل نافذتها على الشارع).
هكذا هي مدينة الثورة؛ مدينة حيوية يعيش أفرادها، على الرغم من ضيق بيوتهم وتلاصق جدرانها، تحت سقف اجتماعي واحد. لم تكن البيوت تتسع كثيراً لأهلها، لكنها كانت تتسع للآخرين، ولم تكن صلات الناس محصورة بحدود القرابة، بل امتدت لتشمل الجيران والأطفال والوافدين.
في تلك المدينة، لم يكن عليّ مجرد طفل يخرج لشراء حاجات منزله؛ كان معروفاً ومحبوباً، يجد من يستقبله ويساعده ويطمئن على والدته في كل مكان يقصده، علاوي لم يفقد أباه، كل من يعرفهم بالمدينة لهم يد بالتنشئة والرعاية والتربية، علاوي هو نتاج المدينة كلها.
وقد يستطيع أهل المدينة تمييز الغريب من شدة ألفتهم ببعضهم، لكنهم لا يجعلونه يشعر بالغربة طويلا. فالكرم والمروءة عندهم لا يقتصران على تقديم المساعدة، بل يظهران في تفاصيل الحياة اليومية، وفي السؤال قبل الطلب، وفي المشاركة قبل الحاجة.
هناك، كانت بيوت الناس للناس، في الفرح والعزاء، وفي أبسط تفاصيل الحياة. تلك هي مدينة الثورة التي عرفتها طفلة، وما زالت حاضرة في ذاكرتي بكل ما فيها من ضجيج وألفة وكرم.
***
روان ليلي








