الأم لمكسيم غوركي بين حرية الإنسان وسلطة الأيديولوجيا
(عندما تسير في الطّليعة يجب أن تقاوم حتى نفسك، يجب أن تعرف كيف تضحي بكل شيء، أن تضحي بكل قلبك، وليس بالأمر العسير أن يكرس المرء حياته لقضيته، أن يموت مِن أجلها. إبذل ما استطعت البذل، ضحِّ بما هو أغلى مِن الحياة، يتنامى بقوة أعز ما هو فيك، تتنامى حقيقتك).. مكسيم غوركي، رواية الأم
تظل رواية الأم للكاتب الروسي مكسيم غوركي واحدة من أكثر الأعمال الأدبية إثارة للجدل في تاريخ الأدب الحديث. فهي رواية تختزن طاقة عاطفية وإنسانية جبارة تجعل القارئ يتفاعل معها بوجدانه، لكنها في الوقت نفسه تقف على خط تماس حرج بين الفن الأدبي الخالص والبيان السياسي المباشر. كيف استطاع غوركي أن ينسج ملحمة إنسانية من قلب المعاناة العمالية، ولماذا بقيت هذه الرواية محط نقاش نقدي واسع حول موقعها من العظمة والأدب العالمي؟
السيكولوجيا المقهورة ورحلة البعث. بيلاجيا نيلوفنا كمركز وثقلٍ للرواية
لا يمكن فهم عالم الرواية أو العبور إلى روحها إلا من خلال عيني بيلاجيا نيلوفنا الأم؛ فهي لم تكن مجرد شخصية عابرة، بل كانت القلب النابض والعصب السيكولوجي الذي تتشكل من خلاله معالم الرواية بكاملها. بدون تفكيك بنيتها النفسية وتحولاتها الروحية، تفقد الرواية روحها وتنمسخ لتتحول إلى مجرد بيان أيديولوجي جاف، فحضورها الأنثوي والأمومي هو الذي منح النص دفئه الإنساني العظيم وجعل المعركة العمالية قضية نابضة بالحياة.
تستهل الرواية تقديم بيلاجيا كنموذج صارخ لـ النفسية المذلولة. لقد عاشت سنوات طويلة تحت وطأة زوج سكير، قاسي البطش، يعاملها ككائن بلا صوتاً أو كرامة. هذا القهر المتواصل أنتج في أعماقها حالة عميقة من الاستكانة السيكولوجية والتكيف مع العذاب؛ حيث صار الخوف غريزة بقاء، والصمت ملاذاً آمناً يحميها من جحيم اليوم التالي، مستسلمة لضربات القدر وسط عالم مظلم تفتقر أبسط أحلامه لأفق النور.
غير أن نقطة الانعطاف الكبرى تتجسد حين يدخل ابنها بافل في أتون العمل الثوري. في البدء، لم تكن الأم تفقه شيئاً عن الأيديولوجيا، بل كان محركها الوحيد هو الذعر البيولوجي الخالص والرعب على ولدها الوحيد من بطش الشرطة والمشانق. غير أن احتكاكها برفاق ابنها ورؤيتها لصدق طهارتهم ونبل أهدافهم أحدث هزة عنيفة في قناعاتها السابقة. من هنا بدأت عاطفتها تتسع تدريجياً؛ فانتقلت الأمومة من حيزها العائلي الضيق إلى أمومة إنسانية شاملة تحتضن كل الشباب الثائر. لقد تخلت بيلاجيا عن أميتها وجهلها لتتعلم القراءة، وتتحول رويداً رويداً من قاع الخوف والاستكانة إلى فضاء الوعي والحرية الكاملة، لتصبح الرمز الأخلد للروح الروسية التي استيقظت لتكسر قيودها.
ثقل الأيديولوجيا وقيد الماركسية. هل أنقذت صفة الأم الرواية من السقوط؟
تؤكد المصادر والوثائق الأدبية أن مكسيم غوركي نفسه لم يكن راضياً عن رواية الأم في سنواته اللاحقة، بل واعتبرها بصراحة من أضعف أعماله من الناحية الفنية. فقد كتب غوركي العمل عام 1906 خلال منفاه الاختياري في الولايات المتحدة عقب فشل الثورة الروسية الأولى، لتكون محاولة تعبوية ملحة لرفع معنويات الطبقة العمالية. هذا الدافع السياسي العاجل ألقى بظلال ثقيلة على النص، فجعل الرواية ترتهن بحرفية الفكر الماركسي وخطابه الصارم. وعندما يتحول الأدب إلى أداة لترويج عقيدة حزبية، فإنه يفقد جزءاً حيوياً من روحه وحريته؛ إذ تحولت الحوارات أحياناً إلى منشورات دعائية تفرض إجابات جاهزة، مما قيّد إبداع غوركي وجعل النص يميل إلى التقريرية والمباشرة التي تفقد الفن عمقه المطلق.
ولكن هنا تكمن المفارقة النقدية الكبرى؛ فهل كانت صفة الأم هي موطن الضعف، أم طوق النجاة الوحيد؟ لو كانت البطلة امرأة عادية خارج سياق الأم. كأن تكون مناضلة حزبية محترفة أو عاملة شابة. لفقدت الرواية دفئها الإنساني وسقطت بالكامل في فخ النمطية الحزبية الجافة. إن اختيار غوركي لـ بيلاجيا نيلوفنا بكونها أماً لم يكن تفصيلاً عابراً، بل هو الصمام الذي أنقذ الرواية. فالأم لم تكن ماركسية واعية بنظريات رأس المال، بل حركتها غريزة العدالة والرحمة وحب الابن، وهي مشاعر إنسانية خالصة اخترقت قلوب القراء متجاوزة حدود الأيديولوجيا الضيقة.
لذا، يتبين لنا بوضوح أن الأيديولوجيا الماركسية التعبوية هي التي أثقلت النص وأضعفت بنيته الفنية، بينما صفة. الأم. والعمق السيكولوجي لتحولها هما اللذان حملا الرواية ومنحاها الخلود الإنساني
معايير العالمية. هل كان النقاد على حق؟ وما مصير الرواية في زماننا؟
يُحجم النقاد عن تصنيف الأم في مصاف الروائع الخالدة لتولستوي أو دوستويفسكي لثلاثة أسباب نقدية رئيسية: طغيان الواقعية الاشتراكية التي تقيد استقلالية النص بخطاب سياسي مؤقت، تنميط الشخصيات بين أبطال مثاليين وأشرار يفقدون الرواية عمقها الدرامي، والارتهان باللحظة التاريخية لروسيا بدل الأسئلة الوجودية العابرة للزمن.
ولم يكن تحرز النقاد تعسفياً؛ بل كان دفاعاً موضوعياً عن حريّة الفن ضد إخضاعه لقوالب الدعاية وتقديم إجابات جاهزة بدلاً من إثارة الأسئلة الكبرى، لاسيما عند مقارنتها بإرث غوركي الخالص في الحضيض وثلاثيته. أما على محك الزمن المعاصر، فلو كُتبت الرواية اليوم بهذا الطابع المباشر لما نالت أي شهرة لتجاوز عصر الأدب التعبوي؛ ويبقى طوق نجاة الرواية وبقاؤها مرهوناً حصراً بـ جوهر الأم ورحلة بيلاجيا النفسية، فالجانب الوجداني الإنساني البحت هو وحده الذي يتجاوز قيود الأيديولوجيا ليبلغ مفتاح الخلود.
أين تكمن العظمة الحقيقية لغوركي؟
إذا كانت رواية الأم قد شابتها المباشرة السياسية وتقييدات الأيديولوجيا، فإن هذا لا ينقص أبداً من العبقرية الأدبية الفذة لمكسيم غوركي، والتي تجلت بكامل ألقها في أعمال أخرى تُعد من درر الأدب العالمي الخالد. تتجسد عظمة غوركي الحقيقية في نصوص باهرة تجاوزت التقريرية لتلامس عمق الروح الإنسانية؛ مثل مسرحيته الفلسفية الحضيض التي صور فيها قاع المجتمع وعالم المشردين والمنبوذين بصدق فلسفي وإنساني نادر. كما تبرز هذه العبقرية بأجلى صورها في ثلاثيته للسيرة الذاتية الشهيرة (طفولتي، في العالم، جامعاتي)؛ وهي من أصدق وأعظم ما كُتب في الأدب العالمي، حيث رسم من خلالها صورة واقعية عارية من التجميل للداخل الروسي، وللإنسان وهو يصارع الجهل والفقر والقسوة بصلابة مذهلة وبصيرة نافذة.
تبقى رواية الأم تجربة فريدة واستثنائية في تاريخ الأدب الإنساني؛ فهي وإن لم تبلغ الذروة الفنية التي حققها عمالقة العصر الذهبي الروسي بسبب قيود التعجل السياسي والأيديولوجي، إلا أنها تظل وثيقة إنسانية نابضة بالحياة. إن قدرتها الفائقة على تحريك وجدان القارئ وإيقاظ حس الكرامة من عتمة الخوف، من خلال رحلة العبور العظيمة لبيلاجيا، تجعلها نصاً جديراً بالقراءة والتأمل المستمر، وشاهداً حياً على لحظة تاريخية التقى فيها فن السرد بآلام الشعوب وتوقها الأبدي للحرية والعدالة
***
ئاريان علي








