كان باوند أحد أبرز وجوه الحركة التصويرية، وهي حركة أرادت أن تمنح الصورة مكانة مركزية في الشعر.
لم يكن المطلوب أن يشرح الشاعر العالم للقارئ، بل أن يضع العالم أمامه.
بدل أن يقول: "كان المشهد جميلًا وحزينًا ومؤثرًا"، كان عليه أن يجد صورة واحدة تستطيع أن تجعل القارئ يرى الجمال والحزن معًا، ولهذا أصبحت قصائده الأولى شديدة التكثيف. في قصيدته الشهيرة "في محطة المترو" لا يقدم لنا خطبة عن المدينة الحديثة، ولا يحدثنا عن الوحدة وسط الزحام، ولا يشرح لنا مشاعر الناس في محطة قطار. يلتقط وجوهًا تظهر وسط الحشود، ثم يضعها في علاقة خاطفة مع صورة من الطبيعة.لحظة واحدة، صورة واحدة وكلمات قليلة. لكن وراء هذه الكلمات عالم كامل.
هنا كان باوند يحاول أن يفعل شيئًا بالغ الصعوبة: أن يجعل الشعر يرى بدل أن يصف، وكان ذلك جزءًا من الثورة التي كانت تتشكل في الأدب والفن في بدايات القرن العشرين.
لم يكن يريد قصيدة جديدة فقط، بل عالمًا جديدًا، لكن باوند لم يتوقف عند تجديد شكل القصيدة، كان لديه طموح أكبر.
كان يريد أن يعرف كيف يمكن للإنسان الحديث أن يعيش وسط كل هذا التغيير. الحرب، المدن، الصناعة، المال، الآلة، السياسة، انهيار الإمبراطوريات القديمة، وظهور عالم جديد أكثر سرعة وقسوة، ولهذا اتسعت قراءاته.
ذهب إلى الشعر اللاتيني واليوناني، وإلى شعراء العصور الوسطى في جنوب أوروبا، وإلى دانتي، وإلى الأدب الصيني والياباني، وإلى تاريخ الصين وإيطاليا وأوروبا، كان يشعر أن الحاضر لا يمكن فهمه من دون استدعاء الماضي.
وبدأ مشروعه الشعري الكبير: The Cantos، أو "الأناشيد". هذا المشروع سيشغله طوال عقود، وسيصبح أشبه بقارة شعرية ضخمة؛ فيها التاريخ والأسطورة والاقتصاد والذاكرة والشخصيات السياسية والأدب والموسيقى واللغات المختلفة.
لم يعد باوند يكتب قصيدة عن الحب أو الطبيعة أو الموت فقط، كان يحاول كتابة قصيدة عن الحضارة، وهنا بدأ الخطر أيضًا.
لأن الرجل الذي أراد أن يجد نظامًا للعالم بدأ يبحث عن نظام سياسي يستطيع، في نظره، أن يضع حدًا للفوضى.
كان يرى أوروبا مدمرة، واقتصادات منهارة، وشعوبًا غارقة في الديون، ونظامًا ماليًا لا يفهمه ولا يثق به. وكان اهتمامه بالاقتصاد يزداد يومًا بعد يوم.
بدأ يبني لنفسه مجموعة من الأفكار الاقتصادية الخاصة. وكان يعتقد أن النظام المالي القائم على الديون والفائدة يشكل أحد جذور الأزمات والحروب.
قد تبدو أفكاره اليوم غريبة ومتناقضة في كثير من جوانبها، لكنها كانت بالنسبة إليه أكثر من مجرد نظريات اقتصادية. كان يرى الاقتصاد مفتاحًا لفهم الحضارة كلها.
ثم جاء موسوليني؛ في إيطاليا الفاشية رأى باوند شيئًا جذبه بشدة: دولة قوية، قيادة مركزية، تدخل سياسي مباشر في الاقتصاد، ومشروع ثقافي يربط الحاضر بالماضي الإيطالي.
لم يرَ موسوليني بالطريقة التي يراه بها المؤرخون اليوم. رأى فيه الرجل الذي يستطيع، كما اعتقد، أن يعيد النظام إلى مجتمع مضطرب.
لم يكن انجذابه إلى موسوليني مجرد إعجاب بشخصية قوية. لقد كان جزءًا من بحث طويل عن النظام الذي يضع حدًا للفوضى، لكن هذا البحث قاده إلى طريق خطير.
فمع مرور الوقت لم يعد باوند يكتفي بانتقاد النظام المالي أو الرأسمالية. أصبح مدافعًا عن الفاشية نفسها، وأخذ ينظر إلى خصومه السياسيين من خلال عدسة أكثر تطرفًا.
وفي عام 1933 التقى موسوليني في روما. كان اللقاء بالنسبة إلى باوند لحظة ذات أهمية كبيرة. الرجل الذي كان يتحدث عن الاقتصاد والسياسة والفن أصبح قريبًا من رأس النظام الذي آمن بأنه قادر على إعادة بناء المجتمع.
ولم يعد الشاعر مجرد مراقب، لقد اختار موقعه، من الشاعر إلى صوت في الإذاعة، ثم جاءت الحرب.
وهنا تحولت علاقة باوند بالفاشية من إعجاب فكري إلى مشاركة سياسية أكثر مباشرة.
ظهر عبر الإذاعة الإيطالية، وخاطب الأمريكيين، وهاجم السياسة الأمريكية والبريطانية، ودافع عن النظام الفاشي.
كانت الإذاعة في ذلك الزمن وسيلة هائلة القوة. لم يعد الكلام يصل إلى عدد محدود من القراء في مجلة أو كتاب؛ أصبح صوت الشاعر يصل إلى آلاف المستمعين في زمن الحرب.
كان يستخدم صوته وسمعته ومكانته الأدبية في خدمة خطاب سياسي معادٍ لبلاده أثناء الحرب.
وفي عام 1943 وجهت إليه الولايات المتحدة تهمة الخيانة بسبب هذه النشاطات. لكنه بقي في إيطاليا. ثم بدأت الفاشية تنهار.
في ربيع عام 1945 كان العالم الذي آمن به باوند ينهار أمام عينيه، موسوليني سقط والفاشية الإيطالية انهارت، والشاعر الذي أمضى سنوات يدافع عن النظام أصبح فجأة رجلًا مطلوبًا.
في الثالث من مايو 1945 اعتقلته المقاومة الإيطالية وسلمته إلى القوات الأمريكية. من هنا تبدأ أكثر الصور شهرة في سيرته، وُضع باوند في قفص معدني قرب بيزا. كان القفص في العراء.
لم يكن هذا سجنًا أدبيًا رومانسيًا؛ كانت تجربة قاسية، جسدية ونفسية، لرجل في الستين تقريبًا، وجد نفسه وحيدًا بعد سقوط المشروع السياسي الذي دافع عنه. لكن في قلب هذه الهزيمة حدث شيء غريب، بدأ يكتب. كان الشعر هو الشيء الوحيد الذي بقي له، ومن داخل القفص خرجت أجزاء من "أناشيد بيزا".
لو كانت أناشيد بيزا مجرد قصائد كتبها شاعر في السجن لكانت قصة مثيرة، لكنها ليست كذلك. ما يجعلها مهمة هو أن باوند كتبها في لحظة انهار فيها عالمه الشخصي والسياسي معًا. كان قد فقد حريته وفقد مشروعه السياسي وفقد المكان الذي كان يظن أنه يستطيع من خلاله تغيير العالم.
لكن اللغة بقيت، لذلك تبدو أناشيد بيزا أحيانًا كأنها محاولة للعثور على معنى وسط الخراب. الطبيعة تدخل القصيدة. الذكريات تدخل، الأصدقاء، الكتب، الأسماء، الأساطير، الأصوات، الاقتصاد، الحرب، الموت. كل شيء يدخل في القصيدة ولا يسير شيء بصورة مستقيمة.
وهذا هو باوند نفسه: رجل لا يستطيع أن يعيش في عالم بسيط، ولذلك لا يستطيع أن يكتب قصيدة بسيطة.
بعد فترة الاحتجاز في إيطاليا نقل باوند إلى الولايات المتحدة، كانت التهمة ثقيلة: الخيانة.
لكن بدل أن يدخل محاكمة كاملة، أُعلن أنه غير مؤهل للمحاكمة، ونُقل عام 1945 إلى مستشفى سانت إليزابيث في واشنطن، وهناك أمضى أكثر من اثني عشر عامًا، اثنا عشر عامًا بين جدران مؤسسة مغلقة، ومع ذلك لم يتوقف عن الكتابة، كان يقرأ، ويراسل، ويتابع الأدب، ويستقبل الزوار، ويعمل على قصائده.
كان جسده في المستشفى، لكن حياته الأدبية استمرت، والغريب أن العالم الأدبي لم يتخل عنه تمامًا.
في عام 1949 حصلت أناشيد بيزا على جائزة بولينغن للشعر. كان القرار مثيرًا للجدل بشدة. كيف يمكن منح جائزة أدبية كبرى لرجل ارتبط بالفاشية والدعاية والتحريض؟ كان السؤال مؤلمًا، لكنه لم يكن جديدًا. لقد بدأت المشكلة مع باوند قبل ذلك: هل نحاكم القصيدة بالطريقة نفسها التي نحاكم بها صاحبها؟
لم يجد العالم الأدبي إجابة واحدة، ولا يزال السؤال مفتوحًا.
إذا أزلنا السياسة للحظة، يبقى شاعر غيّر الطريقة التي تُكتب بها القصيدة الحديثة، ويبقى رجل جعل الصورة مركزًا للشعر، وجعل الاقتصاد في اللغة قيمة، ودافع عن الإيقاع الداخلي، وفتح القصيدة أمام لغات وثقافات وحضارات بعيدة وجعل التاريخ مادة شعرية، وأثبت أن القصيدة يمكن أن تكون شيئًا يشبه الأرشيف، أو المتحف، أو المونتاج السينمائي.
في The Cantos يمكن أن ينتقل القارئ من هوميروس إلى دانتي، ومن الصين القديمة إلى إيطاليا، ومن الاقتصاد إلى الأسطورة، ومن ذكرى شخصية إلى حدث تاريخي. قد تبدو القصيدة أحيانًا صعبة ومغلقة ومليئة بالإشارات التي تحتاج إلى معرفة واسعة، لكن هذه الصعوبة نفسها جزء من مشروع باوند.
كان يريد أن يجعل القصيدة تشبه العالم الذي يعيش فيه: متعددًا، متشظيًا، مزدحمًا بالأصوات والذكريات.
لكن هناك شيء لا يمكن أن نفعله ونحن نقرأ باوند: لا يمكن أن نغلق كتاب الشعر ونترك الرجل خارج الباب.
لأن السياسة موجودة في شعره، والتاريخ موجود، والاقتصاد موجود، والفكرة التي دفعته إلى موسوليني كانت جزءًا من الفكرة نفسها التي دفعته إلى البحث عن نظام شامل للعالم.
لقد كان يريد أن ينقذ الحضارة من الفوضى. لكنه لم ينتبه إلى أن البحث عن النظام بأي ثمن يمكن أن يقود إلى السلطة المطلقة. كان يكره الفوضى، فوثق بالسلطة. وكان يشك في المؤسسات، فاقترب من الدكتاتور، وكان يريد إصلاح الاقتصاد، فانتهى إلى خطاب يحمل أحيانًا تصورات متشددة، وكان يريد أن يجعل الفنان قوة في المجتمع، فتحول هو نفسه إلى صوت دعائي لنظام سياسي كارثي، وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها جوهر قصة عزرا باوند.
***
سوران محمد
..............
Lauber, J. (2009). Pound's Cantos: A Fascist Epic. Journal of American Studies. Cambridge University Press.
Poetry Foundation. Poetry Foundation. Imagism








