استهجنت كثيرا صمت قلمي، وضِقت به ذَرعًا بعد تلك الكارثة، كوني لم أخلُص إلى مخرج، من الحبسة اللعينة التي نالت منه حينها، وأنا من اعتادت استثارة نبضه في غضون دقائق معدودة، الأفكار ذاتها تراودني كلما هممت بالكتابة عن حرائق الجزائر، أواخر صائفة العام الجاري.
مقتنعة أن سرديات الكارثة وتبعاتها، ستظل قاصرة وعاجزة عن محاكاتها.
أيّ نص عبقري، ذاك الذي سيكون على مقاس هول الفاجعة!
تيقنت أن كل حروفي التي سوف تنبت وسط الرماد، حتما ستولد خرساء! فسلّمت بعبثية المحاولات.
نيران متوحشة غير معهودة تقفز بغرابة، ومن خلف الشاشات تقذف جمرا يكوي القلوب، ويشل مراكز الإدراك والشعور لدى المرء حد التبلد، لدرجة اعتقاده أنه يشاهد فيلم رعب خيالي!
ألسنة لهب عملاقة، تزحف بسرعة جنونية في شتّى الاتجاهات، لتمحو كل ملامح الحياة وبهجتها، وتشوه جميع معالم الجمال.
مشاهد مرعبة تذكر بيوم الفزع الأكبر، الكل يهرول لا يدري إلى أين، ينشد النجاة فحسب!
لحظات قليلة وحاسمة، كفيلة أن ينتهي فيها كل شيء حرفيا! لتتبين بعدها ضآلة وقصر هذه الحياة.
سمعت تكبيرات وتسابيح مدوية، تتعالى من الحناجر والمآذن تقشعر لها الأفئدة، وتضرعا شديدا لرب البريات.
شاهدت قلوب آباء وأمهات تحترق على فلذات أكبادهم، حين صاروا وجبة سهلة لنيران لاتشبع مهما التهمت. فراغ بحجم الكون ابتلعني، حين تسللت لقلبي برودة جدران بيوت، وُسم سكانها باليُتم جرّاء الكارثة.
لا يمكنني نسيان تلك الصرخات والاستغاثات التي اهتزت لها الآفاق، يستحيل أن أنسى نظرات الأطفال الوجلة وعيونهم المغرورقة بالدموع، ولا البهائم المفزوعة، كيف أنسى تلك البقرات المذعورات، وهن يهِمن على وجوههن في الطرقات، ينقّبن عن شيء يؤكل وسط الرماد والخراب، نظراتها المنكسرة تلك، تغلغلت بذاكرتي وهي ترمقنا من وراء الكاميرات، اقشعر لها قلبي وارتجف، كأنها تعاتبنا وتصرخ: ما الخطب؟ ما أنتم صانعون بنا أيها البشر!.
تُرى كيف تُكتب غصة ذلك الطفل الصغير، حينما داهمت بسمتَه المرتجفة عبارةُ "أريد البكاء"!،ثم فرّ مرتعدا يواري دمعته، عبارةٌ شقّت سمعي قالها لصحفي، يسأله عن آثار الكارثة التي سرقت فرحته. فلْتبكِ ياصغيري دونما خجل، من لم يبكِ في موطن كهذا، قطعا لا يسمى إنسانا.
شاهدت خلف الشاشات ما لا يكتب ولا يروى...
رأيت قلوبا تتشقق وتتفتت، حيوات، ذكريات، وأحلاما تدفن تحت أكوام الرماد.
رأيت الجانب المظلم من الحياة، وشكلها بعد الفناء!
رأيت قلوبا غلفها الصقيع، بعد أن مزق الألم نياطها، فغدت بكماء.
هالني منظر وطن بأكمله، أُلقيَ به في فوهة بركانِ مكيدة يغلي.
تُرى كيف عساي أصوغ تفاصيل مأساة بحجم السماء، بكى فيها الحزن وأعلن سواد الحداد!
لغة الضاد بسحر بيانها وقوة بلاغتها، لا تسعفني لصياغة قصص اللهب تلك، ولا مشاعري أثناءها وبعدها...
حرائق رهيبة، امتد لهيبها لقلبي وقلمي، لقد وضعتني وجها لوجه مع الكتابة، فجعلتني ألمس عجزها وقصورها في ساحة المشاعر الإنسانية وجنبات الروح.
ما جدوى أن يكون أحدنا كاتبا، وهو يجهل كيف يُكتب مذاق الغصة وخنقة الشهقة، لا يجيد صياغة الدمعات الحارقة، ولا أنّات القلوب النازفة!
تأملت أطلال الرماد والدمار كثيرا..
ثمة مواجع، تجعلنا ندرك أننا لم نعرف قَبلاً كيف يكون الحزن ولا طعم البكاء!
لطالما تساءلت عن مدى كفاءة وكفاية الكتابة في زمن الفواجع!
أما الآن لا ريب، حتما لا مداد يفي بالغرض، فبعض الآلام تصنيفها يتعدى رتبة الأحزان، ولا يكفيها رثاء، تتجاوز حدود الشعور والإدراك، تلك بالذات أمامها... تنهزم الكتابة وترفع الراية البيضاء.
***
بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر








