المقهى الصغير أشبه بوكر يورث الأحزان، الغبار ينتهك زواياه المعتمة بالدخان، ويستفز رواده الذين يتوسدون مساند التخوت الخشنة، مطلقين العنان لخيالاتهم، يتوافد عليها أولئك في أغلب الأوقات، من معلمي المدينة، وأصحاب الحرف والمهن، وأصحاب الحوانيت المتواضعة، وفلاحي القرى المجاورة أثناء النهار. أكلت السنوات أطراف التخوت المفروشة بـ"حصران" من سعف النخيل، بهت لونها، وتدلّت أطرافها. أما الجدران فقد نسيت بياضها منذ سنين، لم يعد أحد يتذكر لونها الأول.
مازالت تطالعني ملامح وجوه الفلاحين المعذّبة، وانطفاء عيونهم المحزونة، وأجسادهم المكدودة في توجعها الخفي، تفوح من ثيابهم رائحة الأرض والتبغ. يتقاطرون في ضحى الأيام وهم أول المتجهين إلى مقهى محمد المدهوش في الغازية، الإنسان المتواضع بطيبته وحسن استقباله لرواده.
لا تبعد المقهى سوى بضعة خطوات عن نهر الغرّاف، تحجزها عنها أشجار الصفصاف والدفلى، في أعلى جدار للمقهى، استقر (راديون) بماركة (سيرا)، على رفّ خشبي صغير، حصيناً منيعاً لا تناله سوى العيون، يعمل ببطارية سيارة، لم تعد طاقتها كافية لتشغيل محرّك سيارة الركاب الوحيدة في المدينة، فقدمها السائق هدية للمقهى.
الراديو الملفوف بشرشف أبيض، تطرّزت حواشيه بالدّانتيل، أحاله الدخان والغبار الى لون رمادي. الراديو، يغريني بالتأمل، هذا (الكائن) الغريب، كأنه مصيدة سحرية تقتنص أسرار هذا العالم، الذي لا سبيل لإدراك أبعاده، وأنا أصغي لما يصدر من أصوات وموسيقى وغناء، كأنها تنثال من خفايا الماضي.
عبر أماسٍ كثيرة بالنجوم، وتحت أضواء (اللوكس)، وخفقات خفافيش الليل، تجتمع ثلة من أبناء المدينة بعد العشاء، حيث لا تسمع إلا وقع أحذية النواطير السهارى المتعبين، والبيوت غارقة في صمت الدروب، كان الراديو حين تشتعل عينه الشذرية، يجعل أولئك الرجال يشعرون أن مدينتهم الصغيرة المنسية على ضفة النهر ليست بعيدة عن العالم. كان المقهى نافذتهم الوحيدة المفتوحة على البلاد البعيدة.
في هذه البقعة المنفصلة عن العالم، يناقش الحضور أزمة البحر الكاريبي، يتجادلون حول: من المنتصر الذي يكسب الرهان، الاتحاد السوفيتي بزعامة خروشوف، أم أمريكا بزعامة جون كندي؟؟ بعد أن تصاعدت وتيرة التهديدات بين القطبين فيما يعرف بأزمة الكاريبيي عام 1961 والصراع حول وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا، التي تهدد الأمن العالمي حسب مزاعم الامريكان، بحرب عالمية ثالثة.
يحتدم النقاش فيتدخل الحانوتي رضا الأمين ليحسم المعركة قبل ان تقع، لصالح (سيلان ـ سيرلانكا الآن)، معتقداً ان هذه الدولة قادرة على ردع السوفييت، ظاناً انها دولة عظمى، ما دامت تسدّ حاجة السوق العالمية من الشاي، من دون أن يعرف موقعها ومساحتها وإمكاناتها البشرية والعسكرية. الأمين يومذاك كان رجلاً استثنائياً في أخباره، وأفكاره، وخيالاته، وطريقة عرضها. يترك في ذات أي من معارفه وأصفيائه أثراً من الآراء والمفردات الغريبة، كثيراً ما يطلق مصطلحاً يفاجئ به أبناء المدينة، يتداولوه، يتندرون بذكره، يتناقله حتى أبناءهم ويحفظوه.
سئل رضا ذات جلسة عن فطوره في الصباح، لم يتردد لحظة واحدة، فأجاب على الفور وبثقة:
ـ فطوري (برداغ* عصير اللوز). ساد صمت قصير، واكتفى، يحدّق في عيون امتلأت بالدهشة والأسئلة!
لنتخيل صدى هذه "القنبلة" التي فجّرها الأمين في مدينة، أغلب أهلها يفطرون بالكاد على الخبز والشاي! خرج الخبر أسرع من الريح، راح أبناء المدينة يتساءلون عن معنى "برداغ"، بينما أخذ الأطفال يتخيلون عصير اللوز شراباً سماوياً، لا يشربه إلا الملوك. ولمن يتتبع أصل هذه الخلطة العجيبة سيكتشف ان رضا عرفها او جرّبها فعلاً حينما كان عاملاً في السفن يجوب البحار.
في أواسط خمسينات القرن الماضي، يقرر أبي شراء راديو (سيرا) بسعر6 دنانير، شبيهة براديو المقهى، تعمل ببطارية جافة ماركة "BERK" يسدد ثمنهما بالأقساط الشهرية، كانت الأجواء أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لشعور منه بمتابعة الأخبار وأحداث المنطقة الملتهبة، يمضي باهتماماته السياسية بعيداً عن أجواء المقهى وروادها، وهو يشعّ بالامتلاء، مفعماً بالأمل، والقضية التي يؤمن بها، وهي غير قابلة للمراهنة ولا للاستبدال.
دخل الراديو لأول مرة في بيتنا، تشكلت عبره بواكير وعينا الأول، كنت ألتقط الدلالات النفسية والصوتية في هذا العالم الصغير المكتظ بالمعاني حد الانفجار، سمعت فيه لأول مرّة صوت المذيع المصري أحمد سعيد، ونشيد الله أكبر، وخطابات جمال عبد الناصر، لأول مرة أسمع (دار السيد مامونة) يرددها نوري السعيد، وأحاديث ابن الرافدين، ولازمة مروياته التي يبدأها بـ: هاي هيّه القصة تفضلوا اسمعوها، وأصوات المذيعين العراقيين المدّوية: محمد علي كريم، ناظم بطرس، عادل نورس، مال الله الخشّاب، موحان طاغي. و"هنا لندن" بصوت المذيع السوداني الفخم ماجد سرحان. وزملائه: حسن الكرمي، الروائي الطيب صالح، رشاد رمضان، أحمد كمال سرور، مديحة المدفعي..وغيرهم.
ولعل إذاعة الشرق الأدنى البريطانية التي تبث من قبرص تفخر بمذيعيها من جنسيات عربية، كشفت الإذاعة عن توجهاتها المعادية لمصر والشعوب العربية أثناء العدوان الثلاثي، آنذاك هجرها المذيعون العرب تضامناً مع مصر.
في الراديو تستحيل الأصوات إلى امتدادات معذبة، تنطق بها نفوس تقودنا إلى ينابيع الأحلام، أم كلثوم في حفلتها الشهرية في حدائق الأزبكية، أصوات حضيري أبو عزيز (بلبل الريف)، داخل حسن، زهور حسين، وحيدة خليل، سهام رفقي، وملك، أصوات تواصل الحنين كي لا يطيح بنا الحزن، المغنون يدعونا دائما إلى الامتثال الهادئ لحناجرهم، كي لا يتبدد ذلك السحر الذي ينتشر كالفرح في المسامع.
أشهد أن بي (مسٌ) من الراديو لم يُعالج، لا أجهزة التلفزيون أسعفتني، ولا التقنيات الحديثة جداً قدمت لي البديل، فهذا (الكائن) أودع فيّ عشقاً لا فكاك منه، يمتلك كل حواسي، تستيقظ من خلاله المدن والنداءات والتاريخ، كأني بمفتاحه الصغير أدخل الى العصر، ومازلت أذهب صوب الماضي البعيد، فصرت مضرباً للأمثال لما أقتنيه من عشرات (الراديونات)، بألوان وأحجام وأنواع نادرة، مع تصاعد أزمات الحروب، لا أكتفي بجهاز واحد، أستمع بهذا، وأسجل بالآخر في آن واحد، أسافر لبلدان العالم وبرفقتي جهاز للراديو، لا هدوء في الليل او سكون من دونه، وفي العودة معي جهاز جديد أشتريه ( قرض فرض).
انه لون من ألوان التعزية لمن يعاوده الحنين إلى تلك المرافىء الجميلة، التي أودعت في طفولتنا الأسئلة والحيرة، هو خيط سري يوصلني بالمكان، والزمان.
***
جمال العتّابي
................
* برداغ: كلمة أصولها تركية تعني القدح، أو الكأس..








