عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

منى الصالح: طشاري.. مقبرة تجمع ما فرّقته الحياة

(قراءة في رواية)

(إن أحلى ما في الحياة أنها لعبة؛ نعيش ونموت، نفرح ونحزن، نبني ونهدم، ونجري ونواصل السير حتى انقطاع النفس".

حقًا، الحياة لعبة، والذكي هو من يعرف أدواتها، ويتقن الرقص على أوتارها.

طشاري رواية للكاتبة والصحفية العراقية إنعام كجه جي. طالما قرأت عن أعمالها، ولم يتسنَّ لي اقتناء واحدة منها. لكن عنوان هذه الرواية وحده كان كافيًا ليشدني إليها؛ فـ”طشاري” كلمة عراقية تختزل وجعًا كاملًا، وكأن أصوات حروفها شظايا زجاج تناثر بعد تحطمه، يستحيل جمعها وإعادتها كما كانت.

وصلت إليها إلكترونيًا، ومنذ صفحاتها الأولى أخذتني بكل حواسي. هناك، في باريس، تجلس الطبيبة العراقية وردية على كرسيها المتحرك. ظننت في البداية أنني سأقرأ رواية أخرى عن الهجرة والاغتراب، وعن شعب أنهكته المنافي، لكنني اكتشفت أنني أمام عمل يتجاوز ذلك كله.

كنت أستمتع بكل عبارة، وأعود أحيانًا إلى إعادة قراءة بعض الصفحات لجمالها، رغم ما تحمله من وجع؛ وجع وطن، ووجع أم، وغربة، ومعاناة امرأة شقت طريقها لتصبح طبيبة في مجتمع ذكوري. ولعلها أول رواية لا ألتفت فيها إلى عدد صفحاتها، ولا أبحث عن نهايتها، ولا أستعجل معرفة ما سيحدث بعد ذلك. كانت الرواية هي التي تقودني، لا فضولي.

والمفاجأة أنها انتهت قبل أن أرتوي منها.

إنها طشاري على كل المستويات؛ طشاري الأسرة الصغيرة والكبيرة، وطشاري الأديان والمذاهب، والقرى والمدن، والفقراء والأغنياء، والمثقفين والبسطاء. حتى نحن، القراء، نغدو طشاري بين الأزمنة؛ من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إلى الألفية الجديدة، وبين الأمكنة؛ من الديوانية إلى بغداد والموصل، ثم إلى باريس وكندا ودبي. كل ذلك دون أن تشعر للحظة واحدة بالملل، وأنت تتأمل براعة الكاتبة في الوصف، وتفكيك المشاعر، وتفتيت الوجع، ورسم الصور التي تقف أمامها مدهوشًا متسائلًا: كيف استطاعت أن ترى كل هذا؟

حتى الساعة تتحول في الرواية إلى شاهد على هذا التشتت:

الساعة الآن السابعة صباحًا في باريس،

والتاسعة في بغداد،

والعاشرة في دبي،

وما زالوا في منتصف الليلة الماضية في مانيتوبا،

وهي الواحدة بعد منتصف الليل في هايتي…

ثم تأتي الصورة التي تختصر كل شيء:

“كأن جزارًا تناول ساطوره، وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن…”

حين تصف وردية أبناءها الذين بعثرهم الساطور في جهات الأرض، ندرك أن الساطور ذاته هو الذي مزق الوطن. ذلك الوطن الذي احتضن وردية المسيحية، ابنة الموصل وبغداد، والتي عملت طبيبة في الديوانية، في الجنوب الشيعي، ولم تقبل هدية سوى المصحف الشريف كما جرت العادة. وردية التي لم ترتدِ العباءة، لكنها دخلت بيوت الريفيات كواحدة منهن، واستمدت محبتها من بساطتها وصدقها، وباركتها العلوية شذرة، وأرضعت ابنتها الكبرى على يد امرأة من الجنوب، وعاش في كنفها غسان الفلسطيني فردًا من العائلة.

كان الوطن يومًا بيتًا كبيرًا، يتسع للجميع، بمذاهبهم وأديانهم واختلافاتهم.

وبين تلك الصور المضيئة، وذلك الطشاري الذي مزق كل شيء حتى غدا جمعه أقرب إلى المستحيل، تفاجئنا الكاتبة بفكرة لا تخطر على بال.

إذا كان الأحياء قد تفرقوا… فأين يجتمعون؟

هنا يظهر الإسكندر، حفيد أخيها، المولود في باريس، الذي لم يعرف العراق إلا من الحكايات الباهتة التي رسمتها له أمه الصحفية. ومع اقترابه من عمته وردية، يبدأ في التعرف إلى تاريخ عائلته، وإلى موتاهم الموزعين في بقاع الأرض، فتولد الفكرة العبقرية: إنشاء مقبرة افتراضية تجمع الشتات.

إذا لم نستطع أن نجتمع أحياء، فلتتجاور قبورنا على الأقل.

بدأ يجمع من دُفن في أقصى الغرب إلى جوار ابنه المدفون في الشرق، ويزين القبور بما أحب أصحابها، بل ويترك مكانًا لمن لا يزال حيًا، ليكون قريبًا من أحبته حين يحين موعد الرحيل. كبرت المقبرة، وأصبحت مقصدًا لكل من أنهكه الفقد والمنفى.

فكرة حالمة، عبقرية، تربت على الجراح، لذلك وجدتها وردية وأمه عزاءً جميلًا. لكنها بدت لوالده مجرد وهم جديد:

“فالشق كبير، وإبرتنا صغيرة…”

ثم يمضي النص في وصف العراقيين الذين يبنون وطنًا كاملًا على شاشات الإنترنت؛ وطنًا يستيقظون معه كل صباح في المنافي، قبل أن يضعوا أباريق الشاي على النار. وطنًا يطل فيه الرهبان والمعممون والصوفيون، وباعة الشلغم والسميط، وتنهض فيه الملوية والزقورة وطاق كسرى، ويعود الرصافي والجواهري ونازك والسياب إلى الحياة، وكأن العراق، بكل حضاراته وحاضره المثقل بالجراح، يتمدد على شاشة صغيرة، يحاول أبناؤه أن يمنعوه من التسرب بين أصابعهم.

إنها حياة افتراضية، يتحقق فيها ما عجز الواقع عن تحقيقه.

لكن الأحلام الجميلة كثيرًا ما تذبل حين تلامسها يد الواقع.

تبقى المقبرة الافتراضية وهمًا جميلًا في زمن قاحل، لكنها تطرح سؤالًا مؤلمًا: هل يكفي الخيال لترميم ما كسرته الحروب والمنفى؟

أغلقت الرواية وأنا أشعر أن طشاري لم تكن حكاية عائلة عراقية فحسب، بل كانت حكاية وطن، وربما حكاية كل إنسان عرف معنى الفقد والتشتت.

إنها الحياة… لعبة.

فهل نجرؤ، كلما هزمنا الواقع، أن نجرب فكرة جديدة؟

***

منى الصالح

في المثقف اليوم