عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

نايف عبوش: النص الإبداعي.. بين عكرة المزاج وبهائه

لاريب أن النص الإبداعي ليس نتاج صفاء مزاج دائم، ولا ثمرة بهجة مزاج خالصة، بل هو في كثير من الأحيان، نتاج تناقض عميق، يسكن الوجدان، وبتجسد بذلك التوتر الخفي، بين عكرة المزاج، وبهائه في اللحظة، حيث تتوارد الأسئلة في ذهن الكاتب، من رحم ذلك القلق، وتتداعى من غبار تلك الحيرة، لتشكيل المعنى، حيث، يتوهج النص، ليحمل بصمته الخاصة به، بين هذا الحال، وذاك.

وهكذا يلاحظ ان وجدان الكاتب، حين يتعكر، في لحظة الإبداع، تتكاثف داخله مشاعر متداخلة، من ضيق، وحنين، وانكسار، وغضب صامت، وتطلع متفائل، حيث يكون الكاتب في تلك اللحظات، في حالة عدم انسجام مع ذاته، وعوالم محيطه، ليجد نفسه في حالة مواجهة قلقة معها، لكن تلك المواجهة، على قسوتها، ستفتح أمامه أبوابا غير مألوفة للتعبير الابداعي، حيث يصبح النص، عندئذ، وسيلة للتنفيس عن الحال، ومحاولة وجدانية لترميم الداخل المتازم. فعكرة المزاج في اللحظة، لا تعطل انثيالات الإبداع، بل تدفعها إلى حافات أكثر صدقا، واعمق عاطفة، واشد جرأة، لتكون لغة التعبير أكثر اقترابا من حقيقة حس الوجدان.

ولعل النص لا يكتفي بهذا الوجه القاتم من المواجهة، فهناك ثمة لحظات بهاء، تتسلل إليه كومضات ضوء، تخترق عتمة ظلامه، حيث يستعيد الكاتب في هذه اللحظات، توازنه، ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية، في قالب جمالي، يتحول فيه الوجع، إلى صورة، والحيرة، إلى استعارة، والانكسار، إلى تطلع متوهج، يسري بين الكلمات.

 وهنا لابد من الإشارة إلى أن البهاء يتجلى في النص، وان الوهج يشع في ثناياه، لا بوصفه نقيضا لعكرة الوجدان، بل بوصفه امتدادا متفاعلا لها، ونتيجة طبيعية، لعملية التحول التي تمر بها تجليات الشعور الوجداني للمبدع، داخل ثنايا النص.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي الحقيقي، لا يولد من حالة واحدة صافية، بل إنما يستولد من تداخل الحالات، وتصارعها. فالعكرة تمنحه العمق، والبهاء يمنحه القدرة على الوصول. فنجد إن العمق يغذي الفكرة والبهاء يصقلها، ويجعلها قابلة للانبعاث في وجدان القارئ، حيث يتشكل بينهما التوازن الدقيق، الذي يميز النص الناضج عن غيره.

وتجدر الإشارة إلى أن جاذبية النص الإبداعي تكمن في هذه الثنائية المتفاعلة، لاسيما وأن النص يجسد تقلبات مزاج الكاتب الوجدانية، ويعكس صدقه في حالة ضعفه، وقوته معا، في ابداع نص حي نابض، يحمل شيئا من معاناته، وأحلامه، والتي يتلمسها المتلقي في ثنايا كلمات النص، أثرا لتجليات عكرةٍ وجدانية، مر بها المبدع، أو بهاء تاق إليه، فيشعر المتلقي، عندئذ، بأن النص قد كتب له، أو عبر عن حسه.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي، هو طريقة راقية لاحتضان اضطراب وجدان الكاتب، وتحويله إلى عنصر جمال جذاب، يمكن تلمسه بين عكرة المزاج وبهائه، حيث يولد النص الإبداعي، ككائن مزدوج، يجمع بين تداعيات الألم، والضياء، والعكرة والبهاء.

***

نايف عبوش