أقلام ثقافية
وفاء محمد يونس: الصورة البلاغية في شعر سعيد عقل
قصيدة "شـآم يا ذا السيف" نموذجًا
مقدمة: يُعدّ الشاعر اللبناني سعيد عقل من أبرز الشعراء الذين أثروا في الشعر العربي الحديث، من خلال لغة صادقة حافلة بالمعاني، وصور بلاغية قوية تُجدّد العلاقة بين الكلمة والوجدان. في نصّه “شـآم يا ذا السيف” تتجلّى هذه الصور في تعبير عن مكانة دمشق في التاريخ، وعن المشاعر الحضارية والإنسانية التي تفيض بها كلمات الشاعر.
القصيدة ذات بنية تصويرية متشابكة تحمل في طياتها استعارات ورموزًا وتجسيدات تجعل من اللغة الشعرية وسيلة للحضور الوجداني في النص، لا مجرد لفظ جميل. ومن أساليب الصورة نذكر: يبدأ النص بحضور قوي لرمز دمشق:
"شـآمُ يا ذا السَّـيفُ لم يَغبْ
يا كَلامَ المجدِ في الكُتُبِ"
ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، حيث يربط الشاعر بين دمشق والقوة، ويجعل السيف رمزًا للمجد والحسم. ويحوّل المجد إلى "كلام في الكتب"، أي إلى أثر واضح في صفحات التاريخ.
يستخدم سعيد عقل التضادّ بين قبل وبعد في البيت التالي:
"قبلَكِ التاريخُ في ظُلمَةٍ
بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ"
هذا التضادّ البلاغي يضع دمشق في موقع التغيير، تجعل منها نقطة تحوّل بين الظلمة والسطوع، بين السكون والإشعاع.
وفي أماكن أخرى من القصيدة تتجلّى التجسيدات عندما يخبّئ الشاعر في قلبه “ربيعًا” يحمل رمزية الحياة المتجددة:
"لي ربيـعٌ فيـكِ خبَّأتُهُ
مِـلءَ دُنيا قلبـيَ التّعِـبِ"
فـ"الربيع" هنا لا يعني الموسمية فقط، بل التجدّد والأمل والكينونة الجميلة التي يحتفظ بها القلب، رغم التعب والمرارة.
ويستمر المشهد الشعري في توظيف الصورة الحسية عبر عناصر الطبيعة:
"يومَ عَينَاها بِسـاطُ السَّما
والرِّمَاحُ السُّودُ في الهُدُبِ"
في هذا البيت تتحوّل السماء إلى بساط بساطة وألفة، بينما تتحوّل الرماح السوداء في الهُدُب إلى صورة حركة وقوة وتحدٍّ، في مشهد استعاري يجمع بين الرقة والحزم.
البيت الذي يلي ذلك يستخدم التشبيه مع أداة “كـ” عندما يتخيّل الشاعر النجوم كأنها لعِبه:
"أنا في ظِـلِّكَ يا هُدبَـها
أحسُبُ الأنجُـمَ في لُعَبي"
فالنجوم هنا تُشبه لعبة الشاعر، مما يضفي انسيابية في المشاعر، وشعورًا بالانفتاح على الكون والفضاء.
الصور البلاغية في النص ودورها في التعبير
يهتم سعيد عقل في هذا النص بتوظيف الصور البلاغية لتثبيت دمشق كرمز حضاري خالد في الوجدان. ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، أو قوله كلام المجد في الكتب للإيحاء بأن دمشق محفوظة في التاريخ ومجده.
هذه الصور البلاغية تجعل من النص ليس مجرد وصف، بل تجربة وجدانية وشاعرية تتخطّى الكلمات إلى المعنى العميق.
يستخدم الشاعر التضادّ بين عنصرين (الظلام والضوء، قبل وبعد) كأسلوب بلاغي يقوّي فكرة التغيير والتحوّل الذي تمثّله شام في التاريخ والثقافة.
التجسيد يتجلّى في تصوير “الربيع في القلب” ككيان حي قادر على النمو، وليس فقط كفصل من فصول السنة، وجعل السماء بساطًا يجعل الكون حاضرًا في النص بصورة تخاطب الحواس.
كما نجد التشبيه في تصور النجوم كأنها “لعب”، مما يربط بين الإنسان والكون بحميمية، ويُعبّر عن قدرة الشعر على توظيف الخيال في علاقة بين الذات والمكان.
الصورة البلاغية ودورها في العمق الشعري
تكمن قوة القصيدة في توظيف اللغة والصورة البلاغية ليس فقط لوصف المكان، بل لإضفاء طابع حضاري وفلسفي على النص، يجعل القارئ لا يرى المكان فحسب، بل يشعر به، ويحمله في وجدانه.
اللغة هنا ليست مجرد أداة تجميل، بل وسيلة رؤية تربط بين التاريخ والوجدان، وتمكّن الشاعر من نقل حضور دمشق في المشهد الشعري بوصفها مركزًا حضاريًا، وكيانًا نابضًا يعيش في ذاكرة الأمة.
خاتمة
في قصيدة “شـآم يا ذا السيف” يتجلّى براعة سعيد عقل في توظيف الصور البلاغية—كالأسلوب البلاغي في الصور، التضادّ، التجسيد، التشبيه—لتقديم نص يتميّز بقدرة عالية على الجمع بين المعنى والوجدان، بين المكان والرمز، بين التاريخ والخيال الشعري.
تتحوّل الصورة البلاغية في هذا النص إلى بُنية فكرية وجمالية واحدة، تجعل من اللغة مساحة تتجاوز الوصف إلى تجربة معيشة للنص، والمكان، والهوية، فتمنح القارئ فرصة ليقرأ تاريخ شام وروحها، لا فقط كموقع جغرافي، بل كعنوان خالد للمجد في الوجدان العربي.
***
بقلم: وفاء محمد يونس







