أقلام ثقافية

احمد عابر: الشوق بوصفه نعيما مؤلما

قراءة في لوحة «العذراء المباركة» لدانتي غابرييل روسيتي

يخطئ من يظن أن الشوق حالة طارئة يولدها الغياب، أو أن الحب ينتهي حين يضع الموت حدا للعلاقة بين العاشقين. فالشوق، في أعمق تجلياته، لا ينشأ من الفقد بل من المعرفة، ولا يظهر إلا بعد أن يكون الوصل قد تحقق على مستوى يتجاوز الحس والزمن. من هنا يمكن قراءة لوحة دانتي غابرييل روسيتي «العذراء المباركة» ليس بوصفها مشهدا رومانسيا حزينا، بل بوصفها تأملا بصريا في مفارقة قديمة: كيف يمكن للنعيم أن يتجاور مع الألم، بل أن يتغذى عليه.

أنجز روسيتي لوحته في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق فني كان يبحث عن الروح وسط عالم آخذ في التصنيع والتشييء. لكن اللوحة، على الرغم من انتمائها التاريخي الواضح، تفتح سؤالًا يتجاوز زمنها: هل الخلاص حالة خالية من التوتر، أم أنه وعي حاد به؟2423 ahmad

تنقسم اللوحة ظاهريا إلى عالمين: علوي وسفلي، سماوي وأرضي. غير أن هذه القسمة تخادع النظر. فالعذراء المباركة، المتكئة على شرفة من ذهب في السماء، لا تبدو غارقة في نعيم مكتمل. نظرتها ليست نظرة من وصل واستراح، بل نظرة شاهد يرى أكثر مما يحتمل. إنها لا تقف بين عالمين، بل في ذروة وحدة موجعة: وحدة تعرف فيها أن الحب لم يفقد، لكنه لم يستكمل بعد في صورته النهائية.

هنا يصبح الشوق ليس دليلا على النقص، بل أثرا للزيادة. وهو المعنى الذي عبر عنه محيي الدين بن عربي حين قلب العلاقة المألوفة بين العذاب والنعيم، قائلًا إن ما نسميه عذابا إنما هو قشر يخفي في داخله لبا من العذوبة. فالألم في التجربة الروحية ليس نقيض الرحمة، بل حارسها. القشر لا يلغى، لأنه صائن لما تحته. بهذا المعنى، فإن شوق العذراء في اللوحة ليس اعتراضا على النعيم، بل دليل عليه. إنها لا تتألم لأنها محرومة من الحب، بل لأنها واعية لاستمراره خارج مقاييس الزمن الأرضي.

أما الوجوه الملائكية الثلاثة التي تتوسط اللوحة، فليست عناصر عزاء بالمعنى البسيط، بل مرايا لثلاثة مستويات من الإدراك: إدراك النعيم، إدراك الفقد، وإدراك السؤال المفتوح الذي لا يغلق. إنها تمثيل بصري لحالة الوعي المنقسم على نفسه، حيث تتداخل الخبرة الإنسانية بين الخير والشر، الرغبة والخوف، الوصل والفراق. وهي الحالة نفسها التي يرى فيها أبو حامد الغزالي شرطا للتطهير.

فالغزالي لا يفهم الشر والخير كخيارين منفصلين، بل كعجين واحد لا يفصل إلا بالنار. إما نار الندم أو نار الهلاك. والندم هنا ليس شعورًا أخلاقيًا عابرا، بل احتراق معرفي: لحظة يرى فيها الإنسان ذاته دون أقنعة. في ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة المسافة بين السماء والأرض في لوحة روسيتي كنار صامتة، نار لا تحرق الجسد بل تصفي المعنى.

العاشق الأرضي الممدد في أسفل اللوحة ليس ضحية الفقد، بل متدرب على الوعي. استلقاؤه على الأرض ليس سقوطا، بل تواضع وجودي، طور من التهيئة يتحول فيه الألم من صدمة إلى طريق. فالألم الذي لا يقود إلى تحول هو عذاب، أما الألم الذي يعيد توجيه القلب فهو رحمة متخفية.

بهذا كله، لا تعود «العذراء المباركة» لوحة عن الحب المستحيل، بل عن الحب الذي لم يكتمل شكله الزمني بعد. العذاب الذي نراه ليس علامة لعنة، بل دليل حياة. وهو ما يجعل اللوحة، على الرغم من عمرها، شديدة المعاصرة في زمن يسعى إلى تخدير الألم بدلا من فهمه.

تذكرنا هذه اللوحة، كما تذكرنا نصوص ابن عربي والغزالي، بأن بعض أنواع النار ليست عقابا، بل تطهيرا. وأن الشوق حين يبلغ ذروته لا يناقض النعيم، بل يكشف عمقه. فالعذراء المباركة ليست مباركة لأنها بلا ألم، بل لأنها لم تحاول النجاة منه.

***

د. احمد عابر

في المثقف اليوم