أقلام ثقافية
بهيج حسن مسعود: الفن في زمن الحرب.. مسؤولية المبدع بين الصمت والتعبير
في ظل النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، غالباً ما يُطرح سؤال جوهري حول دور المثقف والفنان: ما هي مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم؟ هل هم صوت الضمير الجمعي، أم أن فنهم يجب أن يعلو فوق صخب السياسة؟ الإجابة ليست بالأبيض والأسود، بل تقع في منطقة رماديّة معقدة تشكل تحدياً أخلاقياً وإنسانياً.
الصمت ليس حياداً دائماً:
في خضم المعاناة، يُنظر إلى صمت بعض المبدعين على أنه تواطؤ أو تخلي عن المسؤولية. المجتمع يتوقع من أصحاب المنصة والتأثير أن يكونوا صدى لمعاناته. هذا التوقع، وإن كان مُفهوماً، قد يتجاهل المخاطر الحقيقية التي يواجهها الأفراد وأسرهم في الأنظمة الاستبدادية. البقاء في المناطق الخاضعة للسلطة لا يعني بالضرورة التأييد، فقد يكون نتيجة ظروف قاهرة أو خوف حقيقي.
مسؤولية الكلمة:
من ناحية أخرى، يُحاسب المبدع على كلمته. عندما يختار التعبير، تكون لتلك الكلمة ثقلها. تقديم الدعم العلني لقوى مرتبطة بانتهاكات، أو تبرير العنف، أو التقليل من معاناة الضحايا تحت أي ذريعة، هو أمر يخضع للنقد الأخلاقي وليس فقط السياسي. هنا لا يكون النقاش حول حرية التعبير، بل حول التوظيف الأخلاقي لتلك الحرية.
بعد العاصفة: تحديات المصالحة والذاكرة:
ما بعد الصراع يمثل الفصل الأصعب. كيف تتعامل المجتمعات الممزقة مع أولئك الذين صمتوا، أو الذين وقفوا في "الجهة الخطأ" بحسب الرأي السائد؟ الإقصاء المجتمعي الكامل والتشهير قد يؤديان إلى مزيد من التمزق، ويعيقان عملية بناء السلام الهشّة. لكن غياب أي شكل من أشكال المساءلة الأخلاقية أو الاعتراف بالألم المشترك قد يغذي الاستياء ويؤجج جراح الماضي.
معايير عالمية وإنسانية:
توضح التجارب الدولية أن مسار التعافي الوطني لا يمر عبر "محاكمات النوايا" أو التطهير المهني الجماعي. الحلول غالباً ما تكون في:
1. ضمان حرية التعبير: للجميع، بما في ذلك أولئك الذين نختلف معهم، ضمن أطر القانون التي تحظر التحريض على العنف والكراهية.
2. خلق مساحات للحوار: تسمح بسماع روايات مختلفة، وفهم السياقات المعقدة التي تحرك الأفراد.
3. العدالة الانتقالية: التي تركز على كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا كأولوية، بدلاً من الانتقام.
4. الفصل بين النقد والإقصاء: يمكن نقد موقف فنان أو مبدع أخلاقياً وفنياً دون الدعوة إلى منعه من ممارسة حقه في العمل والتعبير.
خاتمة:
الحرب لا تترك أحداً بلا أثر، والمبدع جزء من نسيج مجتمعه الجريح. اختبار الإنسانية الحقيقي يأتي في قدرتنا، بعد انتهاء القتال، على التمييز بين الجلاد والمتورط، وبين الخائن والخائف. بناء مستقبل مشترك يتطلب شجاعة للاعتراف بالألم من جهة، وشجاعة للتخلي عن ثقافة الإلغاء من جهة أخرى. ربما تكون مهمة الفن العليا في هذه المرحلة هي استعادة الجسور بين الذاكرات المتصارعة، وليس تكريس هوامش جديدة بيننا.
***
بهيج حسن مسعود







