أقلام ثقافية

حميد بن خيبش: ليلى شودوري.. الكتابة في وطن مغلق

بعدد أعضائه البالغ ثلاثة ملايين ونصف، بالإضافة إلى عشرين مليون منتسب للمنظمات التابعة له، كان الحزب الشيوعي الأندونيسي ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، بعد الحزبين الحاكمين في الاتحاد السوفياتي والصين. أثار هذا الوضع قلق العالم الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تطلب الأمر جراحة عاجلة تسببت في ارتكاب إحدى أبشع المذابح في التاريخ المعاصر.

في الفترة بين عامي 1965 و1966 أقدم الجيش الأندونيسي على استهداف أعضاء الحزب الشيوعي، قبل أن تنجرّ البلاد نحو أعمال تطهير واسعة النطاق على امتداد عدة أشهر. وتشير التقديرات إلى مقتل نصف مليون شخص، بينما ترجح أخرى أن العدد يصل إلى ثلاثة ملايين. وانتهت المرحلة بإلغاء الحزب الشيوعي كقوة سياسية، وإسقاط الرئيس سوكارنو، ليبدأ عهد جديد من السلطوية بزعامة الديكتاتور محمد سوهارتو.

تحول البلد إلى ما يشبه المصيدة، وتَشكّل داخل أندونيسيا طوق مروع من الصمت إزاء ما جرى. كان من المتعذر حتى مجرد مناقشة الجرائم المرتكبة، فضلا عن المطالبة بالإنصاف وتحقيق العدالة، وهي أمور يكفلها القانون الدولي. وخلال فترة حكم سوهارتو جرى تشويه للأحداث، وتم تلقين الأجيال الناشئة رواية ملفقة لتفاصيل المجزرة المليونية.

خلال السنوات اللاحقة ازدهر في أندونيسيا أدب الشتات، وظهرت أعمال أدبية تنكأ الجرح لتقديم رواية تتطابق مع ما جرى، خاصة بعد أن تم رفع السرية سنة 2007 عن جملة من وثائق الحكومة الأمريكية التي تُثبت تورط جهازها الاستخباراتي في تلك المذابح، وتقدم معطيات كفيلة بإدانة الحادثة وتحريك المتابعة القضائية في حق الجناة. ضمن هذا السياق يبرز اسم الكاتبة ليلى شودوري، والتي تتمحور أعمالها حول مواضيع الذاكرة، والهوية المتصدعة بفعل مرارة النفي والشتات، لبناء سردية واثقة تفكك الرعب السائد.

في روايتها الأولى (الوطن) Pulang، تدور الأحداث حول الصحفي ديماس سوريو الذي اتُهم بالانتماء للشيوعية، ولحسن حظه كان في الخارج لحظة الانقلاب، فتمكن رفقة زملائه من الذهاب إلى الصين ثم إلى باريس، حيث افتتحوا مطعما أندونيسيا، والتقى بشريكة حياته خلال انتفاضة ماي 1968، وأنجب منها ابنته لينتانغ.

تستحوذ الابنة على الأحداث اللاحقة للرواية، حين تستجيب لدمها وتراثها الأندونيسي وتقرر أن تعود إلى البلاد لإنجاز فيلم وثائقي. وهناك ستعاين عن كثب أجواء اضطرابات عام 1998، والتي أفضت إلى سقوط سوهارتو بعد ثلاثة عقود من قبضة الحديد والنار.

تستكشف الرواية تجربة المنفى ونضال الأندونيسي عديم الهوية خارج وطنه، وكيف تؤثر تداعياتها على الجيل اللاحق الذي يسعى خلف الحقيقة. وبأسلوب يمزج بين الخيال والكتابة الصحفية، نجحت الكاتبة في استدعاء الإمكانات السردية لشهادات السجناء السياسيين والمنفيين الذين التقتهم في أماكن مختلفة.

صرّحت شودوري في حوار صحفي مع يومية"Le petit journal" الفرنسية أن الكتب التي قرأتها في كندا، حيث لا توجد رقابة، سمحت لها بالحصول على تفسير آخر لانقلاب عام 1965، ككتاب" المجتمعات المتخيلة" لبنديكت أندرسون. وعند العودة من كندا، توقفت في باريس، وهناك التقت بلاجئين أندونيسيين سابقين، واكتشفت جزءا كاملا من تاريخ البلد لم يسمح نظام سوهارتو بتداوله.   

تدور أغلب مشاهد الرواية داخل مطعم أندونيسي بباريس. ويحقق المزج بين الكلمات الشعرية ونكهات الأطباق الحارة تناغما مذهلا، يربط شخوص الرواية بوطنها في الواقع، بل يجعل من الطبخ فعلا مقاوما لهيمنة الكتابة التاريخية المشوهة:

" بالنسبة لي طهي طبق ما لا يقل أهمية عن كتابة قصيدة. كل حرف يبرز ليجد رفيقه ويشكل كلمة. وينطبق الأمر نفسه على الطبخ. الثوم والفلفل الأحمر ومعجون الروبيان يمكن أن تتناغم جيدا. لكن، هل يتناسب السلمون مع معجون الروبيان؟ أشك في ذلك. من الواضح أنهما ليسا متعارفين أو مقربين أو منسجمين بعد.."

تتنقل شودوري بين الأزمنة بشكل متكرر، لشرح خلفيات الشخصيات من جهة، ولتكريس عبء الازدواجية الذي يرهق جيلين مختلفين: جيل ديماس "الأب"، اللاجئ الذي يتوق للعودة إلى الوطن، وجيل لينتانغ التي نشأت في فرنسا ولا تعرف أرضا غيرها:

" إندونيسيا بالنسبة لي مجرد مفهوم. معرفة يفترض أنها تسري في عروقي، وتشاركني أرضا مع الدم الفرنسي.."

تستمد الرواية واقعيتها من البحث الجاد والمعمق الذي حاولت من خلاله الكاتبة الوصول إلى سياق اجتماعي وتاريخي يقترب من الواقع. تغوص مخيلة القارئ في قصص حية لعدد من المنفيين الذين ناضلوا قرابة أربعين سنة من أجل البقاء، واتخذوا من المطاعم كيانا يخفف من الشعور بالاغتراب، ويقاوم سياسة المحو والإقصاء التي انتهجها سوهارتو ضد الآلاف من أبناء شعبه.

تكتب شودوري بلغة بسيطة، تقترب من اليومي دون أن تقلل من فنية السرد، أو من عمق القيم التي ينشدها كل أديب ملتزم بقضايا مماثلة. وهي في عرضها لشخصيات مستلهمة من الواقع، تقدم سلسلة متكاملة من وجهات النظر السردية، لتوجيه القارئ نحو فهم سياسي معتدل، وهو ما فسره البعض بافتقاد عملها الروائي لروح المبادرة التي تحفز القراء الشباب خاصة لإحداث التغيير.

مما يعمق الشعور بالفجيعة في هذا العمل أن بطل الرواية، ديماس سوريو، لم يكن ممن تبنوا إيديولوجية سياسية محددة ليدرك أن مأساته هي نتيجة حتمية للنضال. لقد عاش كصحفي محترف عذابا لا مبرر له، رغم أنه يُكنّ حبا صادقا لوطنه، ويجدد كل سنة تقديم طلب الحصول على تأشيرة دخول إلى البلد دون جدوى. ذاك الإصرار الذي يأبى الرضوخ للواقع، وقناعته بأنه ابن أندونيسيا وله الحق في وطنه، سيُتوجان بعودته إلى الديار بعد الإطاحة بنظام سوهارتو في ماي 1998.

ولدت ليلى شودوري في العاصمة جاكرتا سنة 1962، ونشرت أولى قصصها في مجلات الأطفال وهي في الثانية عشر من عمرها. ثم التحقت بجامعة ترينت بكندا، حيث حصلت سنة 1988 على درجة الباكلوريوس في العلوم السياسية ودراسات التنمية المقارنة.

 وفي سنة 1989 انضمت إلى مجلة "تيمبو" الإخبارية للعمل كمراسلة صحفية إلى أن تقاعدت أواخر عام 2017، إضافة إلى اهتمامها بكتابة سيناريوهات للمسلسلات التليفزيونية.

حازت شودوري على جائزة أفضل كاتبة سيناريو تلفزيوني في مهرجان باندونغ السينمائي سنة 2007، ثم اتجهت إلى كتابة الروايات التاريخية التي تتناول حملة التطهير المناهضة للشيوعية منتصف الستينيات، ونضال الحركات الطلابية التي تُوّجت بإسقاط نظام سوهارتو.

صدر للمؤلفة رواية (لأجل نادرة) 2009، و(بولانغ) أو الوطن 2012، و(البحر ينطق باسمه)2020، و(اسمي: عالم) 2024، بالإضافة إلى مجموعات قصصية تهتم بالدراما العائلية وحوار التقاليد والحداثة، وحقوق المرأة وغيرها من المواضيع التي تتسم بالجرأة.

تهتم شودوري أيضا بالنقد السينمائي، حيث تقدم سلسلة مراجعات للأفلام على قناة يوتيوب بعنوان (وقت الشاشة مع ليلى. إس. شودوري)، كما تهتم بنقل خبرتها في العمل الصحفي لما يقارب ثلاثين سنة، من خلال تقديم دورات متنوعة للطلاب في الكتابة الإبداعية.

في جواب عن سر تركيزها على التاريخ المظلم لأندونيسيا تقول شودوري: " كان علي أن أبني كل شيء تدريجيا، وأن أخلق عالما متكاملا. كان نظام سوهارتو جزءا من هذا العالم الذي ابتكرته، لكنني لا أعتقد أنه ينبغي للناس أن ينظروا إليه كرواية تاريخية."

***

حميد بن خيبش

في المثقف اليوم