أقلام ثقافية

ثامر الحاج امين: نظرة في قصيدة

الشاعر "كزار حنتوش" واحد من الشعراء القلائل الذين لا تكتفي بقراءة أشعارهم مرة واحدة، ذلك أنك تكتشف عمقها وجمال لغتها وصورها الشعرية مع كل قراءة جديدة، الأمر الذي يحفز القارئ على العودة إليها بين فترة وأخرى، فهي أشعار غنية بالمعاني والاستعارات الموفقة، بعيدة عن التعقيد، كما ان جمالها ظاهر للقارئ لا يتطلب مجهوداً في فك طلاسمها والتأمل العميق في رموزها واستعاراتها، وهذه واحدة من سمات الأشعار الخالدة.

(أيامي ذهبت) واحدة من قصائد الشاعر "كزار حنتوش" التي ضمتها أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بمناسبة ذكرى رحيله التاسعة عشرة، وكنتُ واحداً من المساهمين في إعدادها ومراجعتها، وهذه القصيدة تبدو في ظاهرها قصيدة ساخرة، لكنها تخفي في طياتها الكثير من المرارة والمفارقة لما آلت إليه أيام الشاعر وأيام العديد من العراقيين، قصيدة تزدحم فيها الصور الشعرية المتضادة، والتهويمات الجميلة، والتشبيهات الموفقة التي لا يجيد قنصها وصياغتها إلا شاعر يعرف أسرار المفردة وحسن توظيفها، حيث يصف فيها الشاعر كزار حنتوش أيامه التي ذهبت بكل ما فيها من خيبات وغيم وصحو، وقد حاول من خلال أداة التشبيه (مثل) أن يقرّب الصورة بينه وبين محيطه، محاولاً إظهار قوة العلاقة بين الطرفين . وقد شاع في الشعر العربي القديم والحديث أسلوب التشبيه بأدواته المتعددة ؛ فالسياب -مثلاً- استخدم في قصيدة (عرس في القرية) أداة التشبيه (مثل) أكثر من عشر مرات، منها قوله :

مثل حقل من القمح عند المساء من ثغور العذارى

 تعبّ الهواء حين يرقصن حول العروس منشداتٍ:

 نوارُ اهنئي يا نوار حلوةٌ أنتِ مثل الندى يا عروس

ولكن ما يميز الشاعر "كزار حنتوش" عن غيره في استخدام هذه الأداة أنه وظفها في القصيدة بلغة بسيطة لا تكلف القارئ الكثير من التأمل، كما اختار لها صوراً من الحياة اليومية تقترب من معنى الوصف لا المقارنة. وعلى الرغم من تكرار هذه الأداة في القصيدة، إلا أنك لا تشعر بالملل، إنما تستأنس بإيقاعها وهي تلتقط رديفها من الواقع. وقد اخترتُ هذه القصيدة نموذجاً لتأكيد ما ذهبتُ إليه في مقدمتي.

***

ثامر الحاج أمين

.......................

(أيامي ذهبت)

 كزار حنتوش

 مثل الصيف، مثل شيوعي في "جيبوتي"، مثل مغنٍّ في الديوانية، مثل الليل، مثل "العبدو" *، مثل حياء لا يعرفه أحد هذي الأيام، مثل صديق ينوي أن يقذف جسمك في بالوعة، مثل شمال ما فيه جنوب، مثل حصان يتشمس تحت مظلة إقطاعي، مثل فلسطين، مثل غداء تحت جسور العشار، مثل سعدي الحلي، مثل سماء أخرى، مثل الجندب، مثل "البزون" الجائع، مثل محب في ناحية "الدغارة "، مثل المتنبي، مثل طريق يسلكه بدوي، مثل الشمس في ليلة عيد، مثل تمور تشرى في البصرة، مثل عناق ضرير، مثل الفقمة، مثل الغمة إذ يأذن الرب لها فتفتك بالأمة، مثل العمة إذ يتزوجها رجل لا يعرف فمه من خشمه، مثل الديوانية، مثل صديق يبتاعك سراً أو جهراً، مثل البانزين، مثل كهرباء الديوانية، مثل ممثلنا في المجتمع الوطني، مثل الخبز، مثل القط، مثل الفأرة إذ لا يأكلها أحد، مثل الأدباء، مثل جميع الناس.. أنا مهجور ومطارد ووحيد.

***

.................

* العبدو: من صعاليك الديوانية

 

في المثقف اليوم