إشارات.. وتنبيهات
نسعى في هذه السلسلة من المقالات إلى مقاربة إشكالية العلمانية وكذلك تحليل وتشريح وضعية الأزمة التي لازمت مفهوم العلمانية منذ دخوله إلى ديار العرب، أي تقريبا منذ وعى المفكرون النهضويون العرب الفارق الحضاري بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا، وذلك في المائة والسبعون سنة الماضية، كما نسعى إلى الحفر، ما وسعنا الحفر في " الكلمات والأشياء " وما ينطوي عليه لفظ ومصطلح العلمانية من معاني ودلالات، كما تحاول أن نضع إشكالية الدين والدولة، الإسلام والسياسة في سياقها التاريخي، كما تناولها خطاب الإصلاحية العربية ضمن هاجس البحث عن أسس التقدم أي النظر إلى الإشكالية في سياق التأخر التاريخي والهجمة الإستعمارية، ونقصد بالسياق التاريخي كذلك، سياق صدام الشرق مع الغرب، الإسلام وأوروبا، السياق الذي ترتبت عنه صدمة الحداثة أي صدمة الوعي بالفارق، الفارق الحضاري الذي تحول غلى مجموعة من العقد النفسية الجماعية وخاصة عقدة الشعور بالنقص، وبناءً عليه، وجب علينا أن نُعِّرف المفهوم وأن نتعرف على والظروف والملابسات التي أحاطت بالمفهوم خاصة عندما أدرجت مسألة العلمانية ضمن انشغالات الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر، ثم أصبحت فيما بعد من قضايا السجال السياسي والحوار الثقافي في النصف الثاني من القرن العشرين. كما لم يكن لنا بد في هذه المقالات من التطرق إلى المآلات التي وصل فيها الدال (اللفظ) والمدلول (المعنى) في نهاية القرن العشرين، في العالم العربي، حيث كان في وضعية اللفظ المنبوذ والكلمة التي تطاق والمفهوم غير المرغوب فيه في " دار الإسلام "بإعتباره من الأفكار المستوردة ومن المفاهيم الدخيلة. ولقد كان من الضروري في هذه الأسطر أن نجيب على عدد من الأسئلة التي طالما شغلت الكثير من الباحثين ومن الدارسين العرب وحتى من المستشرقين من بينها:
1- متى دخلت كلمة العلمانية إلى فضاء الثقافة العربية؟
2- وكيف تناول المفكرون الإصلاحيون معضلة الدين والسياسة؟
3- وهل للسياق التاريخي دور في وضع القضية على طاولة النقاش في الفكر السياسي العربي النهضوي؟ وقد يتساءل البعض كذلك:
1- لماذا أخفقت الدعوة العلمانية في العالم العربي؟
2- ولماذا يعتبر فصل التوأم المتلاصق - الدين والسياسة - في التاريخ العربي/الإسلامي من أخطر العمليات الجراحية؟
3- وهل كان الخطاب الرافض، لأي شكل من أشكال العلمنة، سببًا في تراجع الدعوة العلمانية في المائة سنة الأخيرة؟ ولماذا ركن دعاة العلمانية في منطقة الدفاع في نهاية القرن العشرين، بعد أن كانوا في حالة الهجوم في نهاية القرن التاسع عشر مع فرح انطون وشبلي شميل؟1
للإجابة على هذه الأسئلة، لا مندوحة لنا أن ننبه وأن نشير في البداية، بأنه في العقود الأخيرة من القرن العشرين وحتى السنوات الأول من القرن الواحد والعشرين كانت قضية العلمانية وبالمعنى الذي يرسم الحدود الفاصلة بين الإيمان والعلم، ويفك الارتباط بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، بين المعرفة اللاهوتية والمعرفة العلمية، بين الحق الإلهي والحق الإنساني بين فكر القرون الوسطى وفكر العصور الحديثة ومن أهم الموضوعات المطروحة على طاولة النقاش السياسي والفكري في العالم العربي. ولا نبالغ إذا قلنا، أن هذه القضية قد شكلت بالفعل وبالقوة، موضوعا خصبا للسجّالات ومادة دسمة في المناظرات والنقاشات في الندوات والملتقيات والمؤتمرات التي تقام هنا وهناك، كما نالت هذه القضية جانبا من الكلام حتى في وسائل الإعلام الكلاسيكية وفي وسائل الإعلام الجديدة أي التواصل الإجتماعي . ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن إشكاليات وقضايا الإسلام والسياسة والدولة والدين والهوية والتاريخ والثقافة 2، هي من أخطر التحديات التي واجهت الفكر العربي المعاصر، والدليل على ذلك أن هذه القضايا كانت ومازالت، كما أشرنا سابقا من الموضوعات المثارة بإستمرار والباعثة دوما على النقاش، ولا ننسى أنها أصبحت في السنوات الأخيرة مجالًا خصباً للبحث العلمي/الفكري في مراكز البحوث والدراسات الأكاديمية . ومما لا شك فيه أن مسألة حدود الدين وحدود السياسة في العالم العربي/الإسلامي، لا تفهم خارج السياق العام سواء على الصعيد الفعل الثقافي أو على صعيد الأحداث السياسية المتلاحقة، ولا تقرأ بعيداً عن ظرفية المد الإستعماري وزمنية التوسع الرأسمالي. ما نبغي قوله أنه في هذا السياق أن سؤال أين تبدأ حدود الدين وأين تنتهي، كان من " المفكر فيه " في تلك الحقبة، لأن الواقع التاريخي كان يقول أن الخلافة العثمانية تحتضر وأن الاستعمار يستعد لقضم الولايات العربية في إطار التوسع الرأسمالي والمد الإمبريالي والتي تمتد من سنة 1880 وحتى سنة 1950. 3 ومما يستوقف الباحث هنا أن الدعوة إلى العلمانية، لم تأت من فراغ ولم تطلق في الهواء الطلق، بل هي دعوة كانت نتاج ظروف تاريخية معينة في مرحلة معينة من تاريخ تطور الفكر العربي الحديث الذي تحددت موضوعاته ومقولاته ومفاهيمه وقضاياه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبالتالي كانت هذه الدعوة هي إحدى الموضوعات والمقولات والمفاهيم والقضايا التي شغلت بال الإصلاحيين وأرقت الفكر السياسي النهضوي العربي، إذ طُرحت أول ما طُرحت عقب أحداث الفتنة الطائفية في سوريا ولبنان في عام 1860، وكان أول من وضعها على جدول أعمال الفكر العربي هو المفكر اللبناني بطرس البستاني(1819- 1883) ثم صارت من القضايا التي لا تقبل التأجيل مع تصاعد الاضطهاد العثماني للمسيحيين العرب في سوريا الكبرى، وبدايات طروحات القومية العربية وصعود الفلسفات الوضعية وظهور النظريات العلمية الكبرى في نصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ثلة من مثقفي النهضة العربية نذكر منهم فرانسيس مراش وفارس الشدياق ويعقوب صروف وشبلي شُميّل وفرح انطون.4 ومن أبرز الأحداث في بداية القرن العشرين التي عجلت بوضع هذه الإشكالية على طاولة النقاش هي السقوط المدوي لخلافة العثمانية السُّنية عام 1924 بالتزامن مع نشوء الدولة الوطنية في المنطقة العربية، ابتداءً من عام 1920 في سوريا مع محاولات الملك فيصل الأول والعراق مع النظام الملكي الممتد من سنة 1920حتى سنة 1958، وفي مصر الملكية مع صدور دستور 1923 وتأسيس حزب الوفد الذي كان يحمل بصمة ليبرالية/علمانية واضحة، وكذلك منذ ثورة 1919 التي رفعت شعار الهلال مع الصليب، وفي هذا السياق كذلك تجدد علم الكلام الجديد حول مسألة سقوط الخلافة العثمانية السنية مع نشر كتاب الشيخ علي عبد الرازق " الإسلام وأصول الحكم " عام1925 والذي أكد فيه أن الإسلام دين وليس دولة، ومن الضروري كذلك أن نشير إلى صدور كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي " عام 1926 الذي مارس فيه النقد المنهجي وطبق فيه الشك الديكارتي على التراث العربي – الإسلامي. ولا نبالغ إذا قلنا أن الحدث السياسي – الديني الأهم في النصف الأول من القرن العشرين، هو بلا شك تأسيس جماعة " الإخوان المسلمين " في مدينة الإسماعيلية عام 1928و التي رفعت في بداية الثلاثينيات شعار " الإسلام دين ودولة " الذي تحول في الأربعينيات إلى شعار " الإسلام مصحف وسيف " مع تأسيس الجناح العسكري للجماعة والمعروف باسم التنظيم الخاص بقيادة عبد الرحمن السندي، والحقيقة أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كان بمثابة إشارة انطلاق وضربة البداية، لما يسمى بجماعات الإسلام السياسي.5 وفي هذا السياق التاريخي الحافل بالأحداث الكبرى، كانت القضايا المتعلقة بالسياسة والدولة والدين قد تحولت إلى صراع سياسي/إيديولوجي بين القوى المحافظة/التقليدية من جهة والقوى الليبرالية/العلمانية الصاعدة من جهة أخرى، فقد كانت رياح الحداثة الفكرية قد هبت على المنطقة، منذ حملة نابليون على مصر عام 1798، ناثرة في حقل الثقافة العربية، بذور العلم والعقلانية والنقد والتنويّر. وما نبغي التأكيد عليه أن مقولات الحداثة ومفاهيم التقدم وأفكار التنويّر كانت تقابل دائماً بالرفض والمعارضة عند قطاع عريض من النخب اللاَّهوتية والمؤسسات الدينية والقوى المحافظة وجماعات الضغط التقليدية، والتي كانت تلقى الدعم والمساندة من أفراد وجماعات الطبقات الكادحة والفئات الإجتماعية والتشكيلات الإجتماعية الريفية والشرائح المُهمَّشة في المدينة 6، وعلى العكس من ذلك كانت تقابل أفكار وأراء الحداثة السياسية، بالترحاب والقبول عند الطبقات الأرستقراطية والطبقات الوسطى فئات وشرائح من النخبة الوطنية العصرية التي تكونت مع نشوء مؤسسات الدولة الحديثة ذات الإدارة الحديثة والجيش النظامي. ولن نأت بجديد إذا قلنا، أن جزءًا كبيرًا من هذه النخبة العصرية كانت قد تخرجت من الجامعات والمدارس الحديثة في أوروبا وخاصة في فرنسا وانكلترا وألمانيا، وبالتالي تكونت فئات وشرائح اجتماعية جديدة، وتحديداً من فئة المثقفين ومن الطبقة السياسية، وحتى من المؤسسات المدنية الحديثة، خاصة في ظل ما يمكن تسميته بتحفظ الحقبة الليبرالية التي سادت في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، في مصر وسوريا والعراق، وقد تزامن كل ذلك مع التهميّش المتزايد للبضاعة اللاهوتية ولرجال الدين ولمؤسسات التقليدية وحتى للفئات والشرائح الريفية.7 ففي هذه الحقبة التاريخية الدقيقة من التاريخ العربي الحديث، بالذات تشكلت طبقة اجتماعية أرستقراطية/ مدينية، أفرزت نخبة سياسية/ وطنية، ذات توجه ليبرالي، وهي نفسها النخبة التي قادت الحركات الوطنية خاصة في المشرق العربي وحتى وإن كانت حركة وطنية ملفوفة في بطانة سلفية/صوفية في المغرب العربي . ومما يلفت الإنتباه أن هذه النخب السياسية، استهلت نشاطها السياسي منذ عشرينيات القرن الماضي بالمطالبة بجلاء الإستعمار، كما طالبت بالدستور، في نفس الوقت الذي كانت تطالب فيه بالإستقلال، فقد ترابط مطلب الإستقلال مع مطلب الدستور. 8 وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن هذه الحقبة قد شهدت محاولات في التأسيس لحياة سياسية برلمانية لأول مرة في المنطقة العربية ومن ثمة كان السعي حثيثاً نحو بناء الدولة الوطنية التي تقوم على مبدأ المواطنة، التي يعتبر فيها الفرد مواطن له حقوق وعليه واجبات، مواطن يحمل جنسية الدولة التي ينتمي أليها، في دولة وطنية فوق الطوائف والعشائر والعصبيات، دولة يحكمها القانون وليس الفتوى، القانون المدني وليس الشريعة. ومن البديهي القول، أن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة، ويكون فيها الولاء للوطن بالدرجة الأولى وليس للدين، والإنتماء الأساسي يكون للدولة وتكون السيادة فيها للأمة والشعب وليس لله، كل ذلك تحت شعار " الدين لله والوطن للجميع ". والشيء الملاحظ أن درجة حرارة النقاش حول كل ما يتعلق بالإسلام وأصول الحكم، وكل ما يرتبط بالعلم والإيمان وكل ما له صلة بالثقافة الفقهية وبالمعرفة نتاج العلوم الإنسانية، قد إزدادت سخونة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي مع تصاعد المد الديني / الأصولي الذي إجتاح المنطقة العربية، كما إرتفع منسوب الإهتمام بالإسلام وبالتاريخ العربي/الإسلامي وبإشكاليات الشريعة والقانون وحتى بتاريخ العلوم والمعارف التي تأسست عند المسلمين في العصر الوسيط، ذات الصلة بالسياسة مثل السياسة الشرعية والفقه السياسي والآداب السلطانية وكان ذلك جليا في الأبحاث والدراسات التي صدرت في السنوات الأخيرة وهي كثيرة، ومن المؤكد كذلك زيادة الإهتمام أكثر بمسائل " الملل والنحل " وبأوضاع الطوائف والأقليات داخل الجماعة الوطنية في البلاد العربية . وفي إعتقادنا أن القضية التي نالت قسطًا وافرًا من البحث والدراسة والنقاش هي قضية الدين والدولة، النبوة والسياسة، الفتنة والإنقسام في بدايات الدعوة المحمدية أو اسلام المدينة/يثرب، وما يرتبط بهذه القضية من قضايا ومشكلات وعلى رأس تلك القضايا مشكلة الخلافة التي في صراع ضاري على السلطة، صراع في البداية بين الأنصار والمهاجرين، ثم لاحقًا بين بني هاشم وبني أمية، وبعد ذلك بين السنة والشيعة والخوارج، وبعد بين العرب والفرس وبين الفرس والترك. 9 والحقيقة أن هناك واقع تاريخي وحقيقة موضوعية تثير الإنتباه وتدعو للدهشة وتبعث على التساؤل، هي تلك القضايا والمشكلات التي انبثقت من ذلك الترابط التاريخي بين المعتقد الديني والممارسة السياسية، بين الرسالة والتاريخ، سواء في عهد النبوة أو في عهد الخلفاء الأربعة، والتي جرى فيها الانتقال من الدعوة الدينية إلى الدولة السياسية. وغير خافٍ على أحد، أن النظام السياسي الذي تشكَّل عقب مرحلة النبوة والمعروف باسم الخلافة، قد تعرَّض في البداية، لمشكلة تعتبر من أبرز مشكلات التي ترتبت عن ذلك التداخل بين السياسة والدين في صدر الإسلام قد بدأت وتمثلت بشكل واضح في أزمة سياسية تعرضت لها الطبقة السياسية في دولة الخلافة هي مشكلة الحكم التي تحولت مع مرور الوقت إلى حرب أهلية طاحنة، قَتل فيها الصحابة بعضهم بعضًا، معنى ذلك أنه لم يحدث الإنتقال السلمي للسلطة، بل أن الأمر تم بالشوكة والغلبة والقوة والعصبية القبلية.
***
مصطفى دحماني
أستاذ الفكر العربي/الإسلامي/جامعة بشار/الجزائر
..................
مصادر ومراجع
1. فؤاد زكريا. العلمانية ضرورة حضارية. الجزائر، ضمن كتاب الإسلام والسياسية، موفم للنشر1995. ص 288.
2. محمد المباركي.. الاسلام والعلمانية. الرباط: منشورات اختلاف .1999.ص 6.
3. سمير أمين. ما بعد الرأسمالية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. (1988) ص 240.
4. ناصيف نصار.. نحو مجتمع جديد. بيروت: دار الطليعة.1981ص 21.
5. مصطفى دحماني. المستقبل العربي . أزمة الفكر الإسلامي المعاصر.عدد 522 فيفري, 2025، ص 25.
6. عبد الإله بلقزيز. القومية والعلمانية. الرباط: دار الكلام.1989.ص 77.
7. عزيز العظمة.. العلمانية من منظور مختلف. بيروت. مركز دراسات عربية.1992 ص 75.
8. علي أومليل. الإصلاحية العربية والدولة الوطنية . الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. 1985 ص 6.
9. هشام جعيط. الفتنة .جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر. بيروت . دار الطليعة(2012).ص 5.








