عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

إبراهيم طلبه سلكها: إدارة المخاطر

تمهيد: تُعدّ القدرة على اتخاذ القرارات الرشيدة والتعامل الفعّال مع المخاطر والمشكلات من المتطلبات الأساسية التي تفرضها طبيعة البيئات المعاصرة، بما تتسم به من تعقيد وتغير وتسارع في الأحداث وتزايد في مصادر المخاطر. وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد اتخاذ القرار يقتصر على الاستجابة للمواقف بعد حدوثها، وإنما أصبح يتطلب قدرة على استشراف المخاطر المحتملة، وتحليل أبعادها، وتقييم البدائل المتاحة، واختيار البديل الأكثر ملاءمة في ضوء الأدلة والمعطيات المتوفرة. ومن هنا تبرز أهمية التكامل بين إدارة المخاطر والتفكير الناقد بوصفهما مدخلين متلازمين لتحقيق قرارات أكثر رشادة وفاعلية.

وتقوم إدارة المخاطر على مجموعة من العمليات المنظمة التي تستهدف التعرف إلى المخاطر المحتملة وتحليلها وتقييم آثارها، ثم اختيار الاستراتيجيات المناسبة للتعامل معها والحد من نتائجها السلبية. غير أن كفاءة هذه العمليات لا تعتمد على الأدوات والإجراءات وحدها، بل ترتبط كذلك بقدرة الفرد أو المؤسسة على فحص المعلومات بصورة موضوعية، والتمييز بين الحقائق والافتراضات، والكشف عن مواطن القوة والقصور في البدائل المطروحة. وهو ما يجعل التفكير الناقد عنصرًا أساسيًا في دعم عملية إدارة المخاطر، ولا سيما عند التعامل مع المواقف التي تتسم بعدم اليقين أو نقص المعلومات وتعدد البدائل.

وفي هذا السياق، يمثل التفكير الناقد أساسًا مهمًا لاتخاذ القرارات الفعّالة؛ إذ يتيح تحليل المعطيات والمعلومات، وفحص الأدلة والحجج، واكتشاف التحيزات والافتراضات غير المبررة، وإصدار أحكام تستند إلى أسس منطقية وموضوعية. كما تتضح أهميته بصورة أكبر عند معالجة المشكلات، حيث يساعد على تحديد المشكلة بدقة، وتحليل أسبابها، وتوليد البدائل الممكنة، وتقييم الحلول المقترحة في ضوء معايير واضحة، بما يسهم في الوصول إلى حلول أكثر ملاءمة واستدامة.

وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المقال العلاقة التكاملية بين التفكير الناقد وإدارة المخاطر، من خلال بيان إدارة المخاطر بوصفها مدخلًا لاتخاذ القرارات الرشيدة، ثم توضيح دور التفكير الناقد باعتباره أساسًا لاتخاذ القرارات الفعّالة، وصولًا إلى بحث إسهامه في معالجة المشكلات والتعامل معها بصورة منهجية. ويهدف هذا التناول إلى إبراز الدور الذي يؤديه التفكير الناقد في تعزيز القدرة على تحليل المخاطر والمواقف المعقدة، وترشيد عملية اتخاذ القرار، وتحسين كفاءة التعامل مع المشكلات في مختلف السياقات.

أولًا: إدارة المخاطر كمدخل لاتخاذ القرارات الرشيدة

تُعرَّف المخاطر(Risks) بأنها احتمالية أن تؤدي أفعال البشر أو الأحداث إلى نتائج تلحق الضرر بجوانب الأشياء التي يقدرها الإنسان. ويشير هذا التعريف إلى أن شدة الضرر الناتج تعتمد على العلاقة السببية بين المحفز، سواء كان نشاطًا بشريًا أو حدثًا، وبين النتائج المترتبة عليه. وإذا تبنينا وجهة نظر غير حتمية، فإن النتائج يمكن تعديلها إما من خلال تغيير النشاط أو الحدث المسبب، أو من خلال تخفيف تأثيراتها. لذلك، تُعد المخاطر مفهومًا تحليليًا ومعياريًا في الوقت نفسه. فإذا اعتبرت الغالبية العظمى من البشر النتائج المحتملة غير مرغوبة أو غير مقبولة، فإن المجتمع يصبح مدفوعًا إلى تجنب المخاطر أو تقليلها أو، على الأقل، السيطرة عليها.

من أجل تقليل المخاطر أو التحكم فيها، يتم إنشاء مؤسسات اجتماعية متخصصة لتقييم المخاطر وإدارتها. وفي هذا السياق، يُفهم تقييم المخاطر على أنه العملية التي تقوم من خلالها المؤسسات المجتمعية، مثل الهيئات الرسمية أو الجماعات الاجتماعية داخل المجتمع أو الأفراد، بتحديد مدى قبول خطر معين. وإذا تم الحكم على خطر ما بأنه غير مقبول، فإن ذلك يستلزم اتخاذ إجراءات مناسبة للحد منه. أما عملية خفض المخاطر إلى مستوى يعتبره المجتمع مقبولًا، وضمان السيطرة عليها ومراقبتها والتواصل بشأنها مع الجمهور، فتندرج تحت مفهوم «إدارة المخاطر» (1).

ومن ثم، فإن الانتقال من مجرد التعرف على الخطر وتقدير مدى قبوله إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل معه يمثل جوهر عملية إدارة المخاطر. فإدارة المخاطر لا تقتصر على تحديد مصادر الخطر أو تقدير احتمالات حدوثه، وإنما تمتد لتشمل اختيار البدائل والإجراءات الكفيلة بالحد من آثاره بما يتوافق مع أهداف المؤسسة ومواردها ومستوى المخاطر الذي يمكنها تحمله. وفي هذا الإطار، تُعرَّف إدارة المخاطر بأنها عملية منهجية تتضمن تحديد المخاطر أو حالات عدم اليقين المحتملة، وتقييمها، وترتيبها وفقًا لأولويتها، ووضع الإجراءات المناسبة للتخفيف من آثارها، بما يضمن الحد من تأثيرها في تحقيق الأهداف التنظيمية (2).

وتشمل إدارة المخاطر مجموعةً من الاستراتيجيات والممارسات التي تهدف إلى الحد من الآثار السلبية على الأداء والربحية والاستدامة، مع تعظيم الفرص المتاحة للنمو والنجاح (3). وبناءً على ذلك، فإن إدارة المخاطر لا تمثل ممارسة تقتصر على المؤسسات المتخصصة أو الجهات التنظيمية، بل هي سلوك ملازم لمختلف القرارات التي يتخذها الأفراد والمؤسسات على حد سواء. ويظهر هذا الأمر بوضوح في العديد من المواقف اليومية التي تتطلب تقدير احتمال وقوع الضرر، وموازنة تكلفته المحتملة مع المنافع المتوقعة، ثم اختيار الإجراء الأكثر ملاءمة للتعامل معه.

فنحن نمارس تحليل المخاطر وإدارتها بانتظام في حياتنا اليومية، وغالبًا ما نقوم بذلك بشكل حدسي دون أن ندرك أن ما نفعله هو في الواقع تحليل للمخاطر وإدارتها. ومن أمثلة ذلك: عبور الشارع وسط حركة المرور، واستخدام برامج مكافحة الفيروسات، والرعاية الصحية الوقائية، ووسائل منع الحمل، وهناك آلاف الأمثلة الأخرى. ويُستخدم مصطلح «المخاطر» في العديد من المجالات وبمعانٍ مختلفة إلى حد ما. وفي مجال الكوارث الطبيعية والتكنولوجية، يُستخدم بشكل شائع تعريف المخاطر على أنها مزيج من عدم اليقين والأثر (4).

وتكشف هذه الاستخدامات المتعددة لمفهوم المخاطر عن تعدد المداخل التي يمكن من خلالها فهمها وإدارتها، تبعًا لطبيعتها ودرجة عدم اليقين المرتبطة بها ومستوى تقبل المجتمع لها. ومن هنا، يتركز النقاش حول كيفية تقييم المخاطر وإدارتها على ثلاث استراتيجيات رئيسية:

أ- المناهج القائمة على المخاطر

وتتضمن استخدام الحدود أو المعايير الرقمية، مثل:

- أهداف السلامة الكمية.

- حدود التعرض للمخاطر.

- المعايير والاشتراطات التنظيمية.

ب- أنشطة الحد من المخاطر المستمدة من تطبيق مبدأ الحيطة

وتشمل أمثلة على ذلك:

- خفض مستوى المخاطر إلى أدنى حد يمكن تحقيقه بصورة معقولة.

- استخدام أفضل التقنيات المتاحة للتحكم في المخاطر.

- الاحتواء من حيث الزمان والمكان.

- المراقبة المستمرة للآثار الجانبية المحتملة.

ج- المعايير المستمدة من العمليات الحوارية

وهي المعايير التي يتم تطويرها من خلال عمليات تشاركية وحوارية، مثل:

- الموائد المستديرة.

- وضع القواعد عبر النقاش والتداول.

- الوساطة.

- لجان المواطنين (5).

وتكشف الاستراتيجيات السابقة عن تعدد المداخل التي يمكن من خلالها التعامل مع المخاطر، إلا أن اختيار الاستراتيجية المناسبة يتوقف بدرجة كبيرة على الكيفية التي يتم بها تعريف الخطر وتقييمه والحكم على مستوى قبوله. ولذلك، لا يمكن فصل عملية إدارة المخاطر عن عملية تقييمها وتصنيفها، إذ تمثل هذه العمليات الأساس الذي تستند إليه القرارات المتعلقة بكيفية التعامل مع المخاطر. ويمكن فهم ذلك بصورة أوضح من خلال تناول الطبيعة المزدوجة للمخاطر والجدل حول الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها تقييمها.

1- الواقعية مقابل البنائية: الطبيعة المزدوجة للمخاطر

يُعد الجدل بين الواقعية والبنائية من أبرز القضايا الفلسفية في مجال إدارة المخاطر. ويتمحور هذا الجدل حول طبيعة المعرفة التي تستند إليها تقييمات المخاطر، وما إذا كانت تعكس واقعًا موضوعيًا يمكن قياسه علميًا، أم أنها تمثل بناءً اجتماعيًا يتأثر بالقيم والخبرات والسياقات الثقافية. ويرى أنصار الاتجاه الواقعي أن تقديرات المخاطر تمثل وصفًا علميًا دقيقًا للمخاطر الفعلية، وأن نتائج التحليل تعكس احتمالات موضوعية لوقوع الضرر بغض النظر عن معتقدات الأفراد أو تصوراتهم. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تعتمد السياسات التنظيمية وإدارة المخاطر على الأدلة العلمية والقياسات الكمية باعتبارها الأساس الرئيس لاتخاذ القرار.

في المقابل، يؤكد الاتجاه البنائي أن تقييمات المخاطر ليست سوى بناءات معرفية واجتماعية، تخضع لطبيعة الإطار الفكري والقيمي للمحللين والمؤسسات التي تنتجها. وبالتالي، فإن صلاحية هذه التقييمات تظل مرتبطة بالسياق الذي أُنتجت فيه، ولا يمكن اعتبارها حقيقة مطلقة أو أكثر شرعية من التصورات التي يقدمها أصحاب المصلحة أو أفراد المجتمع (6).

وقد ترتب على هذا الجدل اختلاف واضح في كيفية التعامل مع نتائج تقييم المخاطر. فإذا اعتُبرت تقييمات المخاطر مجرد بناءات اجتماعية، فإنها لا تمتلك أولوية معيارية على تصورات الجمهور أو تقديرات أصحاب المصلحة. أما إذا اعتُبرت تمثيلًا موضوعيًا للواقع، فإنها تصبح المرجع الرئيس الذي ينبغي أن تستند إليه القرارات المتعلقة بإدارة المخاطر، بينما تُستخدم آراء أصحاب المصلحة والجمهور لدعم التواصل المجتمعي، وفهم المخاوف العامة، وتسوية الخلافات بين الأطراف المختلفة.

ويرى العديد من الباحثين أن الاقتصار على أحد الاتجاهين لا يحقق إدارة فعالة للمخاطر؛ فالاعتماد على المنظور الواقعي وحده قد يؤدي إلى تجاهل البعد الاجتماعي في إدراك المخاطر، بينما قد يؤدي الاعتماد الكامل على المنظور البنائي إلى سوء تخصيص الموارد المتاحة للحد من المخاطر، خاصة في ظل محدودية الإمكانات المجتمعية (7).

ولا يقتصر هذا الجدل على الجانب الفلسفي لتقييم المخاطر، بل يمتد بصورة مباشرة إلى الطريقة التي يتم بها تحديد ما يُعد خطرًا أصلًا. فإذا كانت المخاطر لا تُقاس فقط بالنتائج المادية التي يمكن ملاحظتها، وإنما تتأثر كذلك بالطريقة التي يدرك بها الأفراد والمجتمعات تلك النتائج، فإن فهم المخاطر يستلزم التوقف عند طبيعة الضرر الذي يخشاه الناس والأسباب التي تجعلهم ينظرون إلى بعض الأحداث باعتبارها أكثر خطورة من غيرها.

فلا شك أن مصطلح «المخاطر» يشير إلى تجربة شيء يخشاه الناس أو يعتبرونه سلبيًا. ومن الواضح أيضًا أن هذا الخوف يمتد إلى حدث أو موقف لم يحدث بعد، لكنه قد يحدث في المستقبل. ومن الطبيعي أن هناك أبعادًا مختلفة لما يصفه الناس بأنه تأثير سلبي أو ضرر. فقد يخشى الناس حدوث أضرار لصحتهم، أو ثرواتهم، أو رفاهيتهم، أو تقديرهم لذواتهم، أو قد يشعرون بالقلق بشأن انتهاك معتقداتهم وقيمهم الأساسية، أو قناعاتهم الثقافية، أو مكانتهم الاجتماعية، أو سمعتهم داخل المجتمعات المهنية المعنية بالمخاطر.

ويتفق معظم المحللين على أن الأضرار التي تلحق بصحة الإنسان والبيئة تقع في مقدمة ما نطلق عليه تحليل المخاطر وإدارة المخاطر. ومع ذلك، حتى إذا استبعدنا الظواهر غير الملموسة مثل انتهاك القيم أو المحظورات الثقافية، وركزنا فقط على صحة الإنسان وجودة البيئة، فإن الغموض لا يزال قائمًا. فصحة الإنسان، وبالأخص جودة البيئة، يصعب تقييمها من منظور موضوعي بحت. فالتأثيرات النفسجسمية (النفسية والجسدية معًا)، مثل متلازمة الحساسية الكيميائية المتعددة أو متلازمة المبنى المريض، لا يمكن فهمها إلا عند النظر إليها باعتبارها مزيجًا من التعرض للعوامل المؤثرة والقلق النفسي . وبدرجة أكبر، فإن تقييم جودة البيئة يعتمد على موقف المراقب. فعلى سبيل المثال: هل تُعد الأنواع الدخيلة خطرًا أم إثراءً لنظام بيئي معين؟ وهل يؤدي تسميد الحقول من خلال النيتروجين المحمول جوًا الناتج عن النشاط البشري إلى زيادة المخاطر أم تقليلها بالنسبة للنباتات الزراعية؟ (8).

وترتبط هذه الأسئلة ارتباطًا وثيقًا بالجدل بين البنائية والواقعية فهل نتائج تقييم المخاطر هي مجرد تصورات أنشأتها العقول البشرية، أم أنها تمثل كيانات مادية مستقلة عن الأحكام الذاتية؟ وبما أن المخاطر تشير إلى احتمال حدوث عواقب «حقيقية»، فإننا نرى أنها تمثل في الوقت نفسه بناءً اجتماعيًا وتمثيلًا للواقع.

ونحن نتفق في هذا الرأي مع جيم شورت ويوجين روزا، اللذين يؤكدان أن المخاطر لا يمكن اختزالها في الإدراكات والتصورات الاجتماعية فقط . كما لا يمكن اختزالها في النتائج الموضوعية فقط من حيث الإصابات، والوفيات، وأنواع الخسائر الأخرى. فكل من الإسنادات الثقافية والنتائج القابلة للقياس ماديًا تشكل مضمون مفهوم «الخطر». إن الطريقة التي يختار بها الناس القضايا التي تثير القلق، والطريقة التي يقدّرون بها احتمالية حدوثها، قد تكون بالفعل نتيجة للأعراف والقواعد الثقافية. ومع ذلك، فإن التهديد بالتعرض لهذه العواقب يُعد حقيقيًا، بمعنى أن الناس قد يعانون أو يفقدون حياتهم إذا تحقق الخطر في صورة حادث أو تسرب لمادة خطرة (9).

وبناءً على ذلك، تتطلب الطبيعة المزدوجة للمخاطر استراتيجية مزدوجة لإدارتها. فقد تعمل القيم العامة والمخاوف الاجتماعية كعوامل دافعة لتحديد الموضوعات التي يُنظر إلى ضرورة أو رغبة إجراء تقييمات للمخاطر بشأنها. أما حجم المخاطر فينبغي أن يعكس، قدر الإمكان، الخبرة التقنية، لأن هناك «ضحايا حقيقيين» معرضين للخطر. وباتباع هذا النهج المزدوج، فإن تحديد الأولويات في إدارة المخاطر يعني أن القوى الاجتماعية أو السياسية تحدد معايير الحكم على المستويات المقبولة من المخاطر، بينما تُستخدم التقييمات التقنية كأحد المدخلات المهمة، من بين مدخلات أخرى، لتحديد حجم الضرر المحتمل من حيث الزمان والمكان (10).

وتشمل قائمة المعايير مؤشرات مادية وأخرى اجتماعية، ويستند هذا التمييز إلى افتراضين:

.من الممكن ومن الضروري التمييز بين الخصائص الفيزيائية للمخاطر والخصائص الاجتماعية والنفسية لها.

.كلا مجموعتي المعايير مهمتان في تقييم المخاطر وإدارتها.

ونعتقد أن هذه الافتراضات معقولة وتعكس الطبيعة المزدوجة للمخاطر. وينبغي قياس العناصر الفيزيائية بصورة مستقلة عن المعايير الاجتماعية والنفسية، ما لم توجد أدلة واضحة على وجود علاقة مشتركة بينها. أما المعايير النفسية والاجتماعية فيجب التعامل معها كمعايير قائمة بذاتها، وليس باعتبارها مجرد عوامل تعدّل من العواقب الفيزيائية.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تتضمن تقييمات المخاطر تلك المكونات الفيزيائية للمخاطر التي تولّد القلق الاجتماعي. فإذا كان شخص ما يشعر بالقلق بشأن خطر معين لأنه واسع الانتشار أو مستمر، فيجب إدراج هذه الخاصية المتعلقة بالخطر ضمن عملية التقييم (11).

إن إدراج مثل هذا القلق لا يعني استخدام التقييمات الحدسية، أو التخمينات، للأشخاص غير المتخصصين للحكم على أي خطر معين وفقًا لهذا المعيار. بل على العكس، هناك حاجة إلى أفضل تقدير تقني ممكن لإنصاف القلق المشروع لدى المواطنين. وحتى الشخص الذي قد يقترح معيارًا جديدًا لتقييم المخاطر سيوافق على أن الخبراء ضروريون لتطبيق هذا المعيار، وكذلك لقياس أو حساب التأثيرات المحتملة لكل خيار من خيارات القرار وفقًا لهذا المعيار المحدد.

ويعتمد هذا الاتجاه على فكرة أن معايير تقييم المخاطر ينبغي تطويرها انطلاقًا من الحوار الاجتماعي حول مصادر القلق، في حين ينبغي أن يتم إجراء القياس «الموضوعي» بواسطة أكثر الخبراء المتاحين كفاءةً وتخصصًا. وقد يتبين أن هذه القياسات خاطئة أو غير مؤكدة أو غامضة، لكنها تظل في المتوسط أكثر موثوقية من الحدس المجرد أو الحس العام، لأنه لا توجد قواعد منهجية متاحة مسبقًا للحكم على جودة الحدس (12).

2- إدراج اهتمامات الجمهور: معايير إضافية للتقييم

وبعد تأكيد أهمية الجمع بين الأبعاد المادية والاجتماعية في تقييم المخاطر، يثار تساؤل آخر يتعلق بالمعايير الإضافية التي ينبغي إدراجها إلى جانب حجم الضرر واحتمالية حدوثه. ومن ثم، فإن توسيع نطاق التقييم يصبح ضروريًا لفهم المخاطر بصورة أكثر شمولًا، لكنه يطرح في الوقت نفسه مشكلة تحديد الفئات الأكثر أهمية وتأثيرًا في الحكم على مستوى الخطر.

وبمجرد أن قررنا تضمين أكثر من المكونات التقليدية للمخاطر، وهي حجم الضرر واحتمالية حدوثه، يبقى السؤال: ما الفئات الأخرى من التأثيرات الفيزيائية والاجتماعية التي نرغب في إدراجها؟ وكيف يمكننا تبرير اختيارنا لها؟

إن تحديد اهتمامات الجمهور ليس مهمة بسيطة. فقد أظهرت البحوث التجريبية أن الناس يميلون إلى تقييم المخاطر وفق مجموعة واسعة من المعايير التقييمية، لا يمكن اعتبار سوى عدد قليل منها ذا صلاحية عالمية. وقد وُجد أن المتغيرات السياقية التالية للمخاطر تؤثر بدرجات متفاوتة على الإدراك العام لخطورة المخاطر:

- العدد المتوقع للوفيات أو الخسائر المتصورة.

- الإمكانات الكارثية للخطر.

- الخصائص النوعية للمخاطر، مثل:

- مدى كون الخطر اختياريًا أو مفروضًا.

- القدرة الشخصية على التحكم فيه.

- مدى الألفة والمعرفة به.

- درجة الرهبة أو الخوف المرتبط به.

- وغيرها من الخصائص.

- الارتباطات العاطفية بالخطر، مثل الوصمة أو الصورة السلبية المرتبطة به.

- الثقة في الجهات التنظيمية والمؤسسات المسؤولة عن التعامل مع المخاطر.

- المعتقدات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بمصدر الخطر أو بالجهات الفاعلة في التعامل مع المخاطر.

وإذا تم قبول ضرورة إدراج اهتمامات الجمهور في تقييم المخاطر، فينبغي استخدام نتائج دراسة إدراك المخاطر باعتبارها قاعدة إرشادية رئيسية لاختيار المعايير ذات الصلة. وبما أن قائمة المعايير المهمة طويلة وليست متطابقة بين المجموعات المختلفة، فإن عملية الاختيار تمثل مشكلة حقيقية (13).

وقد تناول المجلس الاستشاري للحكومة الألمانية بشأن التغير العالمي هذه المشكلة في تقريره السنوي، إذ نظم المجلس عدة دراسات استقصائية للخبراء حول معايير المخاطر، بما في ذلك خبراء من العلوم الاجتماعية، وأجرى تحليلًا تلويًا لأهم النتائج المستخلصة من دراسات إدراك المخاطر. كما راجع المجلس الأدبيات المتعلقة بالمناهج المشابهة في دول مثل المملكة المتحدة، والدنمارك، وهولندا، وسويسرا، وطُلب من الخبراء إعداد تقارير خاصة حول هذه القضية للمؤلفين.

وفي النهاية، تم اختيار تسعة معايير لتمثيل معظم اهتمامات الخبراء والجمهور، وذلك نتيجة عملية طويلة من المداولات والدراسات. فعلى سبيل المثال، طُلب من الخبراء وصف المخاطر وفق الأبعاد التي يستخدمونها عند إصدار حكم بشأن مدى قبول الخطر. ثم قورنت هذه الأبعاد في جلسات نقاش مشتركة، واختيرت منها العناصر التي بدت أكثر تأثيرًا في وصف المخاطر المختلفة (14).

وكانت الفئة الأخيرة، وهي «التعبئة»، المعيار الوحيد الذي كان يهدف إلى وصف استجابة الجمهور، أو حالة السخط العام، وقد حظي بموافقة جميع الخبراء. وبعد مراجعة الاقتراح ومناقشته من قبل العديد من الخبراء الإضافيين ومديري المخاطر، تم تفكيك مؤشر «التعبئة» المختصر وتقسيمه إلى أربعة عناصر رئيسية:

- عدم المساواة والظلم المرتبطان بتوزيع المخاطر والمنافع عبر الزمن والمكان والمكانة الاجتماعية، وبذلك يغطي معيار العدالة.

- الضغط النفسي والانزعاج المرتبطان بالخطر أو بمصدر الخطر، كما يتم قياسهما باستخدام المقاييس النفسية.

- إمكانية حدوث صراع اجتماعي وتعبئة عامة، أي درجة الضغط السياسي أو الشعبي على الجهات التنظيمية المسؤولة عن المخاطر.

- الآثار الانتقالية أو الممتدة التي يُتوقع حدوثها عندما تؤدي الخسائر ذات الرمزية العالية إلى تأثيرات في مجالات أخرى، مثل الأسواق المالية أو فقدان الثقة في مؤسسات الإدارة (15).

وتقيس المعايير الاجتماعية التأثير الإضافي المتعلق بالاستجابات النفسية أو الاجتماعية، بما يتجاوز التأثير المتوقع الناتج عن تقييم أداء كل خطر وفق المعايير الفيزيائية الأخرى. وقد اقترحت حكومة المملكة المتحدة تحليلًا مشابهًا، ويتضمن هذا الاقتراح معيارين رئيسيين، ولكل منهما ثلاثة معايير فرعية:

- القلق، وينقسم إلى:

- الرهبة أو الخوف الشديد.

- عدم الألفة أو عدم المعرفة بالخطر.

- السمعة السيئة أو الشهرة السلبية.

- الاستياء، وينقسم إلى:

- عدم العدالة.

- الفرض أو الإكراه.

- عدم الثقة.

ولاشك أن إدراج المعايير الاجتماعية في عملية تقييم المخاطر الرسمية لا يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى مزيد من التطوير. وهناك العديد من الهيئات التي تعمل حاليًا على إعداد مثل هذه العمليات الموسعة للتقييم (16).

ويؤدي توسيع نطاق معايير تقييم المخاطر بالضرورة إلى إعادة النظر في الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجمهور في عملية إدارة المخاطر. فإذا كانت بعض أبعاد الخطر ترتبط بالقلق والاستياء والعدالة والثقة في المؤسسات، فإن تجاهل تصورات الجمهور قد يؤدي إلى تقديم تقييم لا يعكس بصورة كاملة طبيعة الخطر كما يُدرك اجتماعيًا. ومن هنا، برزت مسألة مشاركة الجمهور وإدماج مخاوفه ضمن عملية تنظيم المخاطر باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للنقاش حول المعايير الاجتماعية للتقييم.

3- المخاوف العامة كمعيار لتنظيم المخاطر

يرتبط النقاش حول المخاوف العامة ارتباطًا وثيقًا بالجدل السابق، ويتمثل في مدى مشروعية إشراك الجمهور في عملية تنظيم وإدارة المخاطر. ويؤكد عدد من علماء الاجتماع أن إدراك الجمهور للمخاطر يجب أن يكون عنصرًا أساسيًا في عملية اتخاذ القرار، خاصة أن الأفراد هم الأكثر تأثرًا بالآثار المحتملة للمخاطر الناتجة عن التقنيات أو الأنشطة المختلفة. ويستند هذا التوجه إلى أن من حق المجتمع تحديد مستوى المخاطر الذي يقبله، لأن المواطنين هم الذين يتحملون النتائج المباشرة لهذه المخاطر. ولذلك، ينبغي أن يشاركوا في تحديد الحدود المقبولة للمخاطر التي تمس حياتهم ومجتمعاتهم.

في المقابل، يرى العديد من الخبراء الفنيين أن إدراك الجمهور قد يتأثر بالتغطية الإعلامية المثيرة أو بالتحيزات الإدراكية والانفعالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير بعض المخاطر وإهمال مخاطر أخرى أكثر خطورة من الناحية العلمية. كما أن توجيه الموارد لمعالجة المخاطر التي تحظى باهتمام إعلامي واسع، وإهمال المخاطر الأقل ظهورًا، قد يؤدي إلى زيادة عدد الخسائر البشرية مقارنة بما يمكن تحقيقه عبر التوزيع العلمي للموارد (17).

وقد أدى هذا الجدل إلى ظهور توجه يدعو إلى الجمع بين التقييم العلمي للمخاطر وإدراك المجتمع لها. ويُعد تعريف بيتر ساندمان Peter Sandman للمخاطر باعتبارها مزيجًا من الخطر الفعلي والاستياء أو القلق المجتمعي أحد أكثر الطروحات تأثيرًا في هذا المجال. ورغم أن هذا التعريف لا يحدد آلية دمج التحليل العلمي مع إدراك الجمهور، فإنه يؤكد أن إدارة المخاطر الفعالة ينبغي أن تراعي كلا البعدين معًا.

ومع ذلك، فإن الجمع بين التقييم العلمي للمخاطر وإدراك الجمهور لها لا يحل جميع الإشكالات المرتبطة باتخاذ القرار؛ إذ تظل هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في مدى موثوقية المعلومات والبيانات التي يستند إليها التقييم العلمي ذاته. فحتى عندما تتوافر نماذج وأساليب كمية لتقدير المخاطر، قد تظل النتائج محاطة بدرجات متفاوتة من عدم اليقين بسبب نقص المعلومات أو اختلاف البيانات أو تعقيد العلاقات بين مسببات الخطر ونتائجه. ولذلك، يمثل التعامل مع عدم اليقين مرحلة أساسية أخرى في بناء قرارات رشيدة بشأن المخاطر.

4- التعامل مع عدم اليقين في تقييم المخاطر

يُعد عدم اليقين من أبرز التحديات التي تواجه عملية تقييم المخاطر، وقد أصبح محورًا رئيسيًا للنقاش في الأدبيات الحديثة الخاصة بإدارة المخاطر. ويرجع ذلك إلى أن المخاطر لا يمكن التنبؤ بها بشكل كامل، كما أن المعلومات المتاحة غالبًا ما تكون غير مكتملة أو تتسم بدرجات متفاوتة من الغموض.

وقد أشار فلاسفة العلم إلى أن مفهوم عدم اليقين لا يقتصر على نقص المعلومات فقط، بل يشمل مجموعة من الأبعاد المختلفة التي غالبًا ما يتم تجاهلها أو دمجها تحت مفهوم واحد داخل دراسات تحليل المخاطر. كما ساعدت التطورات الحديثة في الرياضيات والنمذجة الرياضية على تحسين دقة تقدير الفروق بين الأفراد أو البيئات المعرضة للمخاطر، مما أتاح الانتقال من استخدام معاملات أمان عامة إلى نماذج أكثر دقة في تقدير مستويات الخطر.

ومن ناحية أخرى، أدى ظهور المخاطر العالمية، مثل تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر، إلى زيادة الاهتمام بمفاهيم مثل اللاتحديد، والعشوائية، والعلاقات غير الخطية، وهو ما أعاد فتح النقاش حول مفهوم عدم اليقين وكيفية تحليله والتعامل معه (18).

وتشير الأدبيات إلى أن عدم اليقين يتكون من عدة أبعاد، مثل:

- التباين.

- نقص المعرفة.

- الجهل.

- اللاتحديد.

ولذلك، تؤكد الاتجاهات الحديثة في إدارة المخاطر أن الاكتفاء بحساب الاحتمالات الإحصائية لا يكفي، بل ينبغي أيضًا تحليل مختلف مصادر عدم اليقين ودمجها في عملية تقييم المخاطر واتخاذ القرار، بما يسهم في تحسين جودة القرارات وتعزيز قدرتها على التعامل مع البيئات المعقدة والمتغيرة (19).

ويُظهر تحليل مصادر عدم اليقين أن الحكم على المخاطر لا يمكن أن يعتمد على مؤشر واحد أو على الاحتمال الإحصائي وحده، خاصة عندما تتداخل الأبعاد الفيزيائية والاجتماعية والنفسية للمخاطر. ومن ثم، يصبح من الضروري الانتقال من مجرد الإقرار بوجود عدم اليقين إلى تفكيكه وتحليل مكوناته المختلفة، حتى يتمكن متخذ القرار من فهم مصدره وطبيعته وتأثيره في نتائج التقييم.

5- التعامل مع عدم اليقين: تمييز خمسة عناصر

يتمثل العنصر الأول لعدم اليقين في تحديد وتبرير الاحتمالات المرتبطة بتأثيرات ضارة محددة أو بتوزيع هذه التأثيرات. ويُستخدم مصطلح «احتمالية الحدوث» في علوم المخاطر للإشارة إلى الأحداث التي تتوفر بشأنها بيانات عن الاتجاهات السابقة، أو معلومات حول الأحداث الدورية، أو استنتاجات منطقية مستمدة من التجارب أو الملاحظات المنهجية، مثل نمذجة علاقات الجرعة والاستجابة، أو حتى معتقدات بسيطة تستند إلى الخبرة الشخصية أو المؤسسية.

وتشكل مصادر البيانات هذه الأساس لتقدير التكرار النسبي لحدوث تأثير ضار عبر الزمن أو المكان أو بين الكائنات المستهدفة، مثل البشر أو الحيوانات أو النظم البيئية. لكن مفهوم عدم اليقين بمعناه الأوسع يشمل أكثر من مجرد الاحتمالات. ولإضفاء قدر أكبر من النظام على هذا الموضوع المعقد، نقترح التقسيم التالي الذي يعكس المفهوم الأوسع لعدم اليقين:

- التباين

وهو الاختلاف الملحوظ أو المتوقع في استجابات الأفراد تجاه مؤثر متطابق بين الأهداف الفردية داخل مجموعة سكانية معينة، مثل البشر أو الحيوانات أو النباتات أو المناظر الطبيعية وغيرها.

وفي إدارة المخاطر، تُستخدم عوامل الأمان للتعامل مع هذا التباين، وتشمل:

- عدم الدقة أو قصور القياس.

- مشكلات استخلاص الاستنتاجات من عينات إحصائية صغيرة.

- نقل النتائج من بيانات الحيوانات أو المسوحات الحيوية أو البيانات التجريبية الأخرى إلى البشر.

- حالات عدم اليقين المرتبطة بالنمذجة، بما في ذلك اختيار العلاقات الوظيفية المستخدمة في الاستقراء من الجرعات الكبيرة إلى الجرعات الصغيرة.

- وغالبًا ما يتم التعبير عن هذه الأخطاء من خلال فترات الثقة الإحصائية.

- عدم الحتمية

وينتج عن:

.وجود علاقة عشوائية حقيقية بين السبب والتأثير أو التأثيرات.

- الأحداث العشوائية التي تبدو غير سببية أو غير دورية.

- العلاقات غير الخطية أو الفوضوية التي لم تُفهم بشكل جيد.

- نقص المعرفة

وينشأ نتيجة:

- الجهل أو عدم توفر المعلومات.

- التعريف المتعمد لحدود النظام، وبالتالي استبعاد التأثيرات الخارجية.

- استحالة القياس.

- وغيرها من الأسباب (20).

وغالبًا ما تكون هذه العناصر من عدم اليقين مترابطة بدرجة كبيرة. وفي هذه الحالة يمكن أن يعمل أحد العناصر كمؤشر عام للعناصر الأخرى. ومع ذلك، ففي العديد من الحالات قد تؤدي العناصر الأربعة إلى نتائج مختلفة تمامًا.

وخلال العملية التداولية التي أدت إلى إعداد التقرير السنوي للمجلس الاستشاري للحكومة الألمانية بشأن المخاطر العالمية، نشأ نقاش حاد حول حالة عدم اليقين المرتبطة باستخدام التقنيات الوراثية للأغراض الزراعية. فقد قامت مجموعة من العلماء بتقييم هذا الخطر على أنه منخفض وغير مرتبط بدرجة عالية من عدم اليقين، بينما كان علماء آخرون أكثر تشككًا بشأن التأثيرات المحتملة على النظم البيئية، وأكدوا بصورة خاصة وجود حالات عدم يقين ما زالت قائمة.

وقد تم حل الخلاف عندما طُلب من الخبراء المشاركين التمييز بين العناصر المختلفة لعدم اليقين. وعلى الرغم من أن المجموعة الأولى بنت حكمها على العنصرين الأول والثاني من عدم اليقين، فإن المجموعة الثانية أخذت في الاعتبار العنصر الثالث، وبشكل خاص العنصر الرابع، عند الوصول إلى حكمها النهائي. وفي النهاية، تمسكت كلتا المجموعتين تقريبًا بحكمها الأصلي، لكن أصبح كل طرف قادرًا على فهم الأساس المنطقي وراء حجج الطرف الآخر(21)

وبذلك، فإن تفكيك مفهوم عدم اليقين إلى عناصره المختلفة لا يؤدي بالضرورة إلى إزالة الاختلافات بين الخبراء، لكنه يساعد على جعل أسباب الاختلاف أكثر وضوحًا، ويتيح بناء حوار أكثر دقة حول الأسس التي تستند إليها تقديرات المخاطر. غير أن تعدد المعايير ومصادر عدم اليقين يثير في الوقت نفسه تحديًا عمليًا يتعلق بكيفية تحويل نتائج التقييم المعقدة إلى فئات يمكن لمتخذ القرار التعامل معها بسهولة.

6- توسيع نطاق معايير تقييم المخاطر

إن توسيع نطاق المعايير المستخدمة في تقييم المخاطر يمثل خطرًا بذاته. فهل مؤسسات إدارة المخاطر قادرة على التعامل مع مجموعة مكونة من تسعة معايير، مقسمة أيضًا إلى معايير فرعية، ضمن القيود الزمنية التي تعمل في ظلها؟ وهل من الواقعي توقع أن يأخذ مديرو المخاطر في الاعتبار مجموعة أكبر من المعايير الرسمية، إضافة إلى الضرر واحتمالية الحدوث؟

والاقتراح هو الإبقاء على جميع المعايير، ولكن جعل بروتوكول اتخاذ القرار أكثر سهولة في التطبيق. ولجعل التقييمات متعددة المعايير قابلة للتنفيذ بالنسبة لمديري المخاطر، يجب التمييز، كما هو مطبق في العديد من الدول، بين ثلاث فئات للتعامل مع المخاطر:

- المنطقة العادية

تتميز المنطقة العادية بدرجة منخفضة من عدم اليقين الإحصائي، وانخفاض الإمكانات الكارثية، وانخفاض القيم الناتجة عند ضرب الاحتمالية في حجم الضرر، وانخفاض درجات الاستمرارية والانتشار الواسع لعواقب الخطر، بالإضافة إلى إمكانية عكس آثار الخطر. وبعبارة أخرى، تتميز المخاطر العادية بانخفاض التعقيد، وأنها مفهومة جيدًا من قبل العلم والجهات التنظيمية. وفي هذه الحالة، فإن معادلة الخطر التقليدية — الاحتمالية × الضرر — تكون متطابقة تقريبًا مع التهديد «الموضوعي».

وبالنسبة للمخاطر الواقعة ضمن المنطقة العادية، نتبع توصيات معظم محللي القرارات، الذين يرون أن مقارنة المخاطر ببعضها البعض وتحليل المخاطر مقابل المنافع هما الأداتان الرئيسيتان للحد من المخاطر أو السيطرة عليها. وينبغي أن يعتمد هذا التحليل على موقف محايد تجاه المخاطر. أما النفور من المخاطر فلا يبدو مناسبًا تطبيقه على هذه الأنواع من المخاطر.

- المنطقة المتوسطة والمنطقة غير المقبولة

تسبب المنطقة المتوسطة والمنطقة غير المقبولة مشكلات أكبر، لأن المخاطر فيها تتجاوز الأبعاد المعتادة، ففي هذه المناطق:

- تكون موثوقية التقييم منخفضة.

- يكون عدم اليقين الإحصائي مرتفعًا.

- قد تصل الإمكانات الكارثية إلى مستويات مقلقة.

- تكون المعرفة المنهجية حول توزيع العواقب غير متوفرة.

كما قد تؤدي هذه المخاطر إلى أضرار عالمية وغير قابلة للعكس، وقد تتراكم آثارها على مدى فترة طويلة، أو تؤدي إلى تعبئة الجمهور أو إثارة الخوف لديه.ومن الصعب الوصول إلى استنتاج واضح بشأن درجة صلاحية التقييم العلمي للمخاطر في هذه الحالات. لذلك، يكون موقف التحفظ أو النفور من المخاطر مناسبًا هنا، لأن حدود المعرفة البشرية قد تم الوصول إليها، ولأن حالات عدم اليقين المتبقية يصعب وصفها، ناهيك عن إمكانية قياسها كميًا (22).

ومع تعدد المعايير وتفاوت مستويات عدم اليقين، يصبح من الضروري وجود خطوة وسيطة تربط بين نتائج التقييم والحكم النهائي على الخطر. فالتقييم لا يحقق غايته العملية ما لم يُترجم إلى تصنيف يساعد على تحديد الاستجابة المناسبة، وهو ما يقود إلى تصنيف المخاطر وفق خصائصها ومستوياتها المختلفة.

7- تصنيف المخاطر: ستة أصناف متنوعة من المخاطر

ومن أبرز تصنيفات المخاطر المطروحة في الأدبيات والممارسات الإدارية للمخاطر

- تصنيف المخاطر وفقًا للآثار المترتبة على وقوع الحدث

ووفقًا لهذا المعيار، تُقسم المخاطر إلى مخاطر اقتصادية ومخاطر غير اقتصادية. فالمخاطر الاقتصادية قد تؤدي إلى خسائر مالية، في حين أن المخاطر غير الاقتصادية قد تؤدي إلى خسائر غير مالية.

- تصنيف المخاطر وفقًا لطبيعة أو مصدر الحدث المحتمل غير المرغوب فيه

بناءً على هذا المعيار، ميّز بعض الباحثين بين المخاطر الفنية والمخاطر الاقتصادية. فالمخاطر الفنية ترتبط باستخدام تقنيات الإنتاج، بينما ترتبط المخاطر الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالنشاط الاقتصادي والتجاري، مثل عدم القدرة على بيع المنتجات رغم كمالها من الناحية الفنية (23).

ومن جانبه، ميّز دروكر بين المخاطر المادية والمخاطر الاقتصادية وفقًا للمعيار نفسه؛ إذ تنشأ المخاطر المادية نتيجة التأثير غير الملائم للعوامل الطبيعية والفيزيائية، بينما ترتبط المخاطر الاقتصادية بالأنشطة الاقتصادية التي يمارسها الإنسان. كما قدّم أوبربارلايتر تصنيفًا أكثر تفصيلًا للمخاطر الاقتصادية، فقسّمها إلى:

- المخاطر الاجتماعية.

- المخاطر الطبيعية.

- المخاطر التجارية الذاتية، الخاصة برائد الأعمال أو صاحب المشروع.

- المخاطر التجارية الموضوعية، الخاصة بالمنتج.

- المخاطر الساكنة والمخاطر الديناميكية

ترتبط المخاطر الساكنة بالخسائر الناجمة عن تأثيرات الطبيعة غير المواتية، أو عن الأخطاء وسوء الفهم البشري. أما المخاطر الديناميكية فترتبط بالتغيرات الاقتصادية، ولا سيما التغيرات في احتياجات الإنسان، والتطورات التكنولوجية، والتحسينات التنظيمية.

- تصنيف المخاطر وفقًا لنوع أو طبيعة النتيجة الاقتصادية المترتبة على الحدث

ويشمل هذا التصنيف الأنواع الآتية:

- مخاطر الممتلكات: وتشمل المخاطر المتعلقة بتلف الممتلكات أو تدميرها أو فقدانها أو اختفائها، وما يترتب على ذلك من تكاليف وخسارة في الإيرادات.

- مخاطر المسؤولية: وتشمل الأحداث التي تترتب عليها مسؤولية قانونية.

- المخاطر الشخصية: وتشمل الأحداث التي تنطوي على أضرار أو مخاطر بدنية تصيب الأفراد.

- المخاطر البحتة والمخاطر المضاربية

تُعد المخاطر البحتة جميع المخاطر التي سبق ذكرها، وهي مخاطر الممتلكات، ومخاطر المسؤولية، والمخاطر الشخصية. أما المخاطر المضاربية فهي المخاطر التي تواجهها المؤسسات يوميًا عند اتخاذ القرارات التجارية؛ فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التوسع في إنشاء مصنع إلى تحقيق أرباح، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى تكبد خسائر (24).

وبغض النظر عن اختلاف الأسس التي يمكن اعتمادها في تصنيف المخاطر، فإن القيمة العملية لهذا التصنيف تتحدد بقدرته على مساعدة الإدارة في اختيار أسلوب الاستجابة المناسب. فبعد تحديد طبيعة الخطر ومصدره وحجمه واحتمالية وقوعه، يصبح السؤال الأساسي هو كيفية الحد من آثاره أو منع وقوعه أو تخفيض الخسائر المترتبة عليه. ومن هنا تنتقل إدارة المخاطر من مرحلة التحليل والتقييم والتصنيف إلى مرحلة أكثر تطبيقية تتمثل في السيطرة على المخاطر واختيار التقنيات المناسبة للتعامل معها.

8- السيطرة على المخاطر

تهدف السيطرة على المخاطر إلى تقليل تكرار الخسائر وشدتها، وجعل الخسائر أكثر قابلية للتوقع. وتعد السيطرة على المخاطر مناسبة بشكل خاص للتعامل مع الخسائر غير المتوقعة والعرضية. لذلك، فإن الهدف الأساسي من إجراءات السيطرة على المخاطر المذكورة سابقًا هو حماية الموارد البشرية والتنظيمية من التعرض لهذه الخسائر.

ويمكن عرض هذه الخيارات بمزيد من التفصيل فيما يلي:

1- تجنب المخاطر

يمثل هذا الخيار قرارًا بعدم القيام، عندما يكون ذلك ممكنًا عمليًا، بالنشاط الذي ينطوي على مخاطر غير مقبولة. ويعني ذلك أن الإدارة ستختار بديلًا يتمثل إما في اتباع أسلوب مختلف وأكثر قابلية للتحمل لإنجاز النشاط المطلوب، أو استخدام منهجية أو عملية مختلفة وأقل خطورة ضمن إطار تنفيذ النشاط.وقد يكون هناك خيار يتمثل في اعتماد ممارسة عمل بديلة ذات مستوى أقل من المخاطر، مما قد يؤدي إلى تقليل عواقب الضرر أو الخسارة و/أو احتمالية حدوثها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تجنب المخاطر. فتجنب المخاطر يعادل رفض قبول المخاطر، مثل نقل المخاطر إلى طرف ثالث، أو استخدام عملية مختلفة تعتمد على إجراءات وأساليب بديلة، وغير ذلك.

2- الوقاية من الخسائر

تهدف هذه التقنية إلى تقليل معدل تكرار حدوث خسارة معينة. فعلى سبيل المثال، يمكن تقليل احتمال نشوب حريق من خلال اعتماد تقنيات بناء تستخدم مواد ذات مستوى مرتفع من مقاومة الحريق، وهو ما يمثل أحد أساليب الوقاية من المخاطر. ومن الأساليب الأخرى للوقاية من الخسائر، وبالتالي تقليل تكرار الخسائر الناتجة عن مسؤولية الطرف الثالث تجاه المنتجات، تطبيق أنظمة مراقبة الجودة. كما أن اعتماد وسائل تقنية مصممة لمنع السلوكيات الخطرة من جانب مشغلي الآلات يمثل أسلوبًا آخر يهدف إلى تقليل الإصابات المرتبطة بالعمل.وبالطبع، فإن تدريب العاملين، وبرامج السلامة والتوعية المحدثة بانتظام، تعد جزءًا أساسيًا من أي برنامج ناجح للوقاية من الخسائر (25) .

3- تقليل الخسائر

تهدف هذه التقنية إلى تقليل شدة الخسارة. ومن المهم ملاحظة أن تقنيات تقليل الشدة يتم تطبيقها أثناء وقوع حدث الخسارة. ومن أمثلتها: إغلاق أبواب الحريق أو تشغيل نظام الرشاشات أو نظام إخماد الحريق، مما يمنع انتشار الحريق داخل المبنى. وقبل تركيب وتشغيل أي نظام تقني للوقاية من الخسائر، يُنصح بإجراء تحليل للتكلفة والمنفعة. وينبغي التأكد بشكل واضح وقابل للقياس من أن الفوائد الاقتصادية الناتجة عن هذه الإجراءات، مثل تقليل التأثير المحتمل للخسارة، تفوق تكاليفها. ولا تتحقق الجدوى إلا عندما تكون المنفعة الاقتصادية أكبر من تكلفة إجراءات معالجة المخاطر.

4- الفصل والتكرار والتنويع

يُعد الفصل تقنية من تقنيات السيطرة على المخاطر تهدف إلى «فصل» وتوزيع أصل معين أو نشاط معين بين مواقع مختلفة. أما التكرار فيعتمد على وجود نسخ احتياطية أو بدائل أو نسخ من الممتلكات أو المعلومات أو القدرات الحيوية والاحتفاظ بها كاحتياطي. بينما يقوم التنويع عادةً بتوزيع التعرض للخسائر عبر العديد من المشاريع أو المنتجات أو الأسواق أو المناطق، مما يقلل تأثير الخسارة على المؤسسة الناتجة عن وقوع خسارة في موقع واحد فقط، أي الحد بشكل كبير من تركّز الأصول الحيوية في موقع واحد.ويتمثل الهدف من هذه التقنيات، وخاصة الفصل، في منع تركّز السلع أو الأفراد أو الأعمال في موقع واحد أو سوق واحد أو مشروع فردي. وتؤثر هذه الأساليب عادةً في شدة المخاطر. ومن الواضح أنه كلما زاد تركّز السلع أو الأعمال أو الأشخاص، ارتفع مستوى أقصى خسارة محتملة.

وعادةً ما يتضمن تطبيق أسلوب للسيطرة على المخاطر يعتمد على الفصل فصلًا ماديًا، مثل الفصل الجغرافي. ومع ذلك، يمكن أن يشمل الفصل أيضًا الفصل الزمني، والذي يتضمن التخطيط لمنع تركّز السلع أو الأشخاص أو الأعمال في المكان نفسه وفي الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، يمكن تقليل احتمال حدوث خسارة من خلال منع تنفيذ عدة أنشطة خطرة في الوقت ذاته، أو من خلال تنسيق عمليات دخول وخروج السلع أو الأشخاص من المنشأة، بحيث يتم توفير فاصل زمني مناسب بين مراحل الإنتاج المختلفة (26).

5- اختيار تقنيات السيطرة على المخاطر

ينبغي اختيار تقنيات السيطرة على المخاطر ودمجها بناءً على تقييم دقيق للتكاليف والمدخرات الناتجة عن هذه القرارات. وتنقسم التكاليف والمدخرات إلى:

- تكاليف ومدخرات مباشرة.

- تكاليف ومدخرات غير مباشرة.

وتنقسم التكاليف المباشرة الناتجة عن استخدام تقنيات السيطرة على المخاطر بدورها إلى:

- تكاليف الاستثمار: وتشمل رأس المال اللازم لشراء معدات التحكم في الخسائر أو تعديل الآلات أو المنشآت أو المباني المعنية.

- تكاليف التشغيل: وتشمل التكاليف اللازمة لتطبيق أجهزة التحكم وأنظمة السلامة والمحافظة عليها في حالة تشغيل جيدة.

كما يجب أخذ تكاليف العمالة الخاصة بفرق مكافحة الحرائق والإسعافات الأولية، وتكاليف الدورات التدريبية الدورية في مجال السلامة للعاملين، بعين الاعتبار. ومن ناحية أخرى، تشمل المدخرات المباشرة انخفاض تكاليف التأمين، بالإضافة إلى الحصول على أي حوافز حكومية أو محلية للاستثمارات العامة أو الاستثمارات الخاصة بالسلامة والوقاية.

أما التكاليف غير المباشرة فتشمل التكاليف المرتبطة بتوقف الإنتاج بسبب الوقت اللازم لتركيب أجهزة أو أنظمة التحكم، أو انخفاض الإنتاج الناتج عن تدخل أنظمة التحكم أثناء التشغيل. وأخيرًا، تشمل المدخرات غير المباشرة الوفورات الناتجة عن انخفاض معدل تكرار و/أو شدة الأحداث الضارة المحتملة بسبب تطبيق إجراءات السيطرة. وقد تكون هذه المدخرات غير المباشرة كبرة، خاصة بسبة للأحداث غير القابلة للتأمين أو الأحداث التي، رغم إمكانية التأمين عليها، لا تكون مغطاة بالكل بواسطة التأمين (27).

ومن أبرز هذه المدخرات غير المباشرة تلك التي يمكن تحقيقها من خلال تحسين:

- صورة المؤسسة.

- العلاقات الصناعية.

- العلاقات العامة.

وعلى الرغم من أهمية تقنيات السيطرة على المخاطر في منع الخسائر أو الحد من تكرارها وشدتها، فإن هذه الإجراءات لا تستطيع القضاء على جميع المخاطر بصورة كاملة. إذ تظل بعض الخسائر محتملة حتى بعد تطبيق أفضل إجراءات الوقاية والسيطرة، الأمر الذي يستلزم وجود ترتيبات مالية قادرة على استيعاب الآثار الاقتصادية للخسائر عند وقوعها. ومن هنا يظهر تمويل المخاطر باعتباره مكوّنًا مكمِّلًا لعملية إدارة المخاطر، إذ يركز على توفير الموارد المالية اللازمة للتعامل مع الخسائر المتبقية.

9- تمويل المخاطر

يمثل تمويل المخاطر مجموعة من الإجراءات والقرارات التي تهدف إلى توفير الأموال اللازمة لدفع تكاليف الخسائر أو تعويض التقلبات في التدفقات النقدية التي قد تنتج عن وقوع الخسائر. ويُشار عادةً إلى تقنيات تمويل المخاطر بمصطلحين رئيسيين هما:

- الاحتفاظ بالمخاطر

- نقل المخاطر

ويتمثل الهدف الاستراتيجي لتقنيات تمويل المخاطر في الحفاظ على المستوى المناسب من السيولة المالية، وإدارة حالة عدم اليقين الناتجة عن نتائج الخسائر، وبالتالي إدارة التكلفة الإجمالية للمخاطر. كما يتمثل هدف استراتيجي آخر لتمويل المخاطر في الامتثال للمتطلبات القانونية.وتهدف تقنية تمويل المخاطر: الاحتفاظ بالمخاطر إلى استيعاب الخسارة من خلال إنشاء أموال داخل المؤسسة تُستخدم لتغطية الخسائر عند حدوثها. ويمكن تعريف الاحتفاظ بالمخاطر بأنه التحمل الطوعي أو النشط لتعرض معين للخسارة، بعد أن تم تحديده وتحليله، أي الاحتفاظ المخطط بالمخاطر.

وفي هذه الحالات، يتم اختيار الاحتفاظ بالمخاطر بهدف تحقيق الكفاءة من حيث التكلفة أو لأسباب تتعلق بالملاءمة. وفي حالات أخرى، قد يحدث احتفاظ غير مخطط بالمخاطر، وهو تحمل غير مقصود أو سلبي للخسارة ونتائجها، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بسبب عدم تحديد التعرض للخطر أو عدم تحليله بدقة (28) .

وبذلك، فإن قرار الاحتفاظ بالمخاطر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد عدم اتخاذ إجراء لنقل الخطر، وإنما كقرار إداري ومالي مقصود يعتمد على مقارنة البدائل المتاحة وتقدير تكلفتها وآثارها المستقبلية. ومن ثم، يصبح من الضروري تحديد الظروف التي يكون فيها الاحتفاظ بالمخاطر أكثر ملاءمة من نقلها أو تجنبها، مع مراعاة قدرة المؤسسة على تحمل الخسائر ومستوى عدم اليقين المرتبط بها.

10- الاحتفاظ بالمخاطر: اتخاذ القرار المناسب

يرتبط الاحتفاظ النشط بالمخاطر عادةً بواحد على الأقل من الشروط التالية:

أ- استحالة تحويل الخطر أو تجنبه

قد يحدث ذلك، على سبيل المثال، عندما لا تقبل أي شركة تأمين الخطر، في حين أن تجنبه سيؤدي إلى إنهاء النشاط التجاري.

ب- ارتفاع تكاليف تحويل الخطر

قد يحدث ذلك عندما يكون معدل تكرار و/أو شدة الحدث، كما حسبتها شركة التأمين، أعلى بكثير من المستوى المتوقع بصورة معقولة من قبل الشركة استنادًا إلى التجارب السابقة، وبالتالي يصبح القسط التأميني المطلوب مرتفعًا للغاية. كما قد تكون شركة التأمين مستعدة لتحمل الخطر، ولكن بشرط تنفيذ بعض إجراءات الوقاية و/أو تخفيض الخسائر، وقد تكون تكلفة هذه الإجراءات مرتفعة جدًا بحيث تصبح غير مقبولة.

ت- انخفاض احتمال حدوث الخطر بدرجة كبيرة

بحيث يمكن للمؤسسة تحمل الخطر بالكامل باعتباره احتمالًا ضعيفًا جدًا.

ث- ارتفاع احتمال حدوث الخطر بدرجة كبيرة

في هذه الحالة، من الواضح أنه عندما يكون وقوع الحدث شبه مؤكد، فإن شركة التأمين، حتى لو كانت مستعدة لتحمل الخطر، ستطلب قسطًا يعادل على الأقل أقصى خسارة محتملة وغالبًا ما يكون أعلى منها.

ج- ارتفاع دقة قياس المخاطر

قد يتحقق ذلك فقط عندما تمتلك الشركة عددًا كبيرًا من وحدات المخاطر المتجانسة والمستقلة، بحيث تكون قدرتها على التنبؤ فعالة بدرجة كبيرة.

إن وجود أحد الشروط السابقة يعد شرطًا ضروريًا، وإن لم يكن كافيًا بمفرده، للتوصية باستخدام الاحتفاظ بالمخاطر كأسلوب لمعالجة المخاطر (29).

وقبل اتخاذ القرار النهائي بشأن الاحتفاظ بالمخاطر، يجب مراعاة عوامل إضافية، منها:

أ- التوفير في تكاليف التشغيل وأرباح شركة التأمين

يمتاز الاحتفاظ بالمخاطر مقارنة بنقلها عن طريق التأمين بأنه يوفر التكاليف الإضافية التي تضيفها شركة التأمين إلى القسط الصافي لتغطية:

- عمولات الاكتساب.

- مصاريف المبيعات العامة.

- تكاليف الإدارة.

- الأرباح الناتجة عن تحمل الخطر.

ب- الفرق بين الخسارة المتوقعة من شركة التأمين والخسارة المقدرة من قبل الشركة

يحدث ذلك عندما يتجاوز معدل القسط الصافي الذي تحدده شركة التأمين القسط المتوقع من قبل الشركة بناءً على تجاربها السابقة.

ت- الأثر المالي الناتج عن اختلاف توقيت دفع أقساط التأمين مقارنة بالخسائر المتوقعة مستقبلًا

ث- أثر الضرائب

يؤدي اختيار الاحتفاظ بالمخاطر إلى آثار على مقدار ضريبة الدخل السنوية المستحقة، وهي آثار يصعب التنبؤ بها بسهولة. فعلى خلاف تحويل المخاطر بالتأمين، حيث تكون التكلفة، المتمثلة في القسط المدفوع، قابلة للخصم الضريبي وتتوزع بصورة منتظمة عبر الزمن، فإن الخسائر الناتجة عن الاحتفاظ بالمخاطر، رغم قابليتها للخصم الضريبي، قد لا تكون منتظمة، مما يجعل التخطيط الضريبي أكثر صعوبة.

ج- تكاليف إضافية لإدارة الخسائر

يتطلب الاحتفاظ ببعض فئات المخاطر، وخاصة مخاطر مسؤولية الطرف الثالث أو تعويضات العاملين، قيام الشركة بتنفيذ وإدارة مجموعة واسعة من العمليات والخدمات، بما في ذلك معالجة المطالبات. وهذا يستدعي إنشاء هيكل، وإن كان أصغر حجمًا، يشبه هيكل شركة التأمين التقليدية، مما يؤدي إلى تكاليف مستمرة يجب أخذها في الاعتبار عند اتخاذ القرار (30).

وبذلك يتضح أن إدارة المخاطر تمثل عملية متكاملة لا تبدأ ولا تنتهي عند مجرد تحديد الخطر، وإنما تمتد عبر مراحل متتابعة تشمل التعرف عليه وتقييمه وتصنيفه، وتحليل أبعاده المادية والاجتماعية ومصادر عدم اليقين المرتبطة به، ثم اختيار الأسلوب الأنسب للسيطرة عليه وتمويل آثارها المتبقية. ومن ثم، فإن جودة القرار الإداري ترتبط بمدى قدرة المؤسسة على تحقيق التوازن بين المعرفة العلمية، واهتمامات أصحاب المصلحة والجمهور، والموارد المتاحة، ومستوى المخاطر الذي يمكن قبوله وتحمل.

ثانيًا: التفكير الناقد: أساس اتخاذ القرارات الفعّالة

عندما يتعلق الأمر بإدارة المشاريع، يتيح التفكير الناقد للفرق تحدي الافتراضات، وتقييم الخيارات بدقة، واستباق المخاطر المحتملة. ولا ينبغي أن تقتصر هذه المهارة على مدير المشروع؛ إذ يزداد تأثيرها بشكل كبير عندما يتم تنميتها لدى الفريق بأكمله. ويعني ذلك أن التفكير النقدي لا يمثل مهارة فردية مرتبطة بصانع القرار وحده، وإنما يمثل ممارسة جماعية يمكن أن تؤثر في مختلف مراحل العمل، بدءًا من تحديد المشكلة وانتهاءً باختيار البديل وتنفيذه. ومن هذا المنطلق، يمكن توضيح أبرز تطبيقاته العملية في إدارة المشاريع على النحو الآتي:

1- تحديد المشكلة

تستخدم الفرق التفكير الناقد لفهم نطاق المشكلة بشكل كامل، وتحدي الافتراضات الأولية، وإعادة صياغة التحديات من أجل اكتشاف الأسباب الجذرية.

مثال: قد يُعاد تفسير تأخر مشروع بسبب المراجعات المستمرة على أنه مشكلة في التواصل وليس مشكلة تقنية.

2- تقييم المخاطر والبدائل

يقوم أصحاب التفكير الناقد بتقييم المخاطر المحتملة بصورة منهجية وموازنة البدائل، مما يضمن أن تكون القرارات قائمة على أسس سليمة ومتوازنة.

مثال: قبل إدخال أداة جديدة، يقوم الفريق بتقييم مدى توافقها على المدى الطويل مع سير العمل الحالي، بدلًا من التركيز فقط على الفوائد الفورية.

3- تحسين التواصل والمواءمة

من خلال تعزيز النقاشات المفتوحة، يعمل التفكير الناقد على زيادة الوضوح في عملية اتخاذ القرار، وتقليل سوء الفهم، ومواءمة أصحاب المصلحة حول أهداف مشتركة.

مثال: يمكن لجلسة عصف ذهني مُدارة بشكل جيد، يتم فيها تشجيع التفكير الناقد، أن تؤدي إلى فهم مشترك لأهداف المشروع، مما يمنع حالات سوء التواصل والتأخير المكلفة. (31)

وتكشف هذه التطبيقات أن فاعلية التفكير الناقد في إدارة المشاريع لا ترتبط فقط بقدرة الفرد على التحليل، وإنما تتأثر كذلك بالبيئة التي يمارس فيها هذا التحليل. فكلما أتاحت بيئة العمل فرصًا للحوار وتبادل وجهات النظر ومناقشة الافتراضات، أصبح من الممكن توظيف التفكير النقدي بصورة أكثر فاعلية. ومن هنا، يبرز الإرشاد الجماعي باعتباره إحدى الآليات التي يمكن أن تسهم في بناء هذه البيئة وتنمية التفكير النقدي داخل فرق المشاريع.

4- الإرشاد الجماعي كمحفز للتفكير الناقد

يوفر الإرشاد الجماعي البيئة المثالية لتطوير وصقل التفكير الناقد داخل فرق المشاريع. وتتيح هذه الجلسات للمشاركين التعاون، وتبادل وجهات النظر، والتعلم من بعضهم البعض، مما يعزز قدراتهم على اتخاذ القرارات. وتتجسد أهمية الإرشاد الجماعي في عدد من الجوانب، من أبرزها:

.تنمية وجهات النظر المتنوعة:

يقدم المشاركون وجهات نظر فريدة، مما يساعد على تحدي الافتراضات وتوسيع نطاق الحلول التي يتم أخذها بعين الاعتبار.

- تعزيز التعلم النشط:

من خلال التمارين التعاونية والسيناريوهات الواقعية، تتدرب الفرق على التفكير النقدي في بيئة آمنة وداعمة.

.بناء ثقافة طرح الأسئلة:

يجعل الإرشاد الجماعي طرح الأسئلة وتقديم الملاحظات أمرًا طبيعيًا، مما يضمن ألا تستند القرارات إلى افتراضات غير مُتحقق منها. (32)

وعلى الرغم من أهمية البيئة الجماعية في تنمية التفكير الناقد، فإن تحقيق أثره في اتخاذ القرار يتطلب تحويل مهارات التحليل والتقييم إلى عملية منظمة. فالتفكير النقدي لا يقتصر على إثارة الأسئلة أو طرح البدائل، بل ينبغي أن يقود إلى مسار واضح يبدأ بفهم المشكلة وينتهي باتخاذ إجراء قابل للتنفيذ. ولذلك، يمكن تناول خطوات اتخاذ القرار من منظور التفكير الناقد.

5- خطوات اتخاذ القرار

تمنع عملية التفكير الناقد عقولنا من التسرع في الوصول إلى الاستنتاجات. وبدلًا من ذلك، فإنها تُرشد العقل عبر خطوات منطقية تساعد على توسيع نطاق وجهات النظر، وتقبّل النتائج، وتنحية التحيزات الشخصية جانبًا، والنظر في الاحتمالات المعقولة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ست خطوات هي: المعرفة، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، واتخاذ الإجراء. وفيما يلي وصف موجز لكل خطوة وكيفية تطبيقها.

الخطوة الأولى: المعرفة (Knowledge)

المعرفة لكل مشكلة، فإن وضوح الرؤية يضعنا على المسار الصائب لحلها. تهدف هذه الخطوة إلى تحديد القضية أو المشكلة التي تستدعي حلًا. وينبغي طرح أسئلة تساعد في الوصول إلى فهم عميق للمشكلة. وفي حالات معينة، قد يتضح أنه لا توجد مشكلة حقيقية، وبالتالي لا تكون هناك حاجة للانتقال إلى الخطوات الأخرى في نموذج التفكير النقدي. ويجب أن تكون الأسئلة في هذه المرحلة مفتوحة النهاية، حتى تتيح فرصة للنقاش واستكشاف الأسباب الرئيسة للمشكلة. وفي هذه المرحلة، ينبغي الإجابة عن سؤالين أساسيين: 1- ما المشكلة؟ 2- ولماذا نحتاج إلى حلها؟

الخطوة الثانية: الفهم (Comprehension)

بعد تحديد المشكلة، تأتي الخطوة التالية وهي فهم الموقف والحقائق المرتبطة به. ويتم في هذه المرحلة جمع البيانات المتعلقة بالمشكلة باستخدام أي من أساليب البحث المناسبة، وذلك وفقًا لطبيعة المشكلة، ونوع البيانات المتاحة، والمدة الزمنية المحددة اللازمة للوصول إلى الحل.

الخطوة الثالثة: التطبيق (Application)

تُعد هذه الخطوة امتدادًا للخطوة السابقة، حيث تهدف إلى استكمال فهم الحقائق المختلفة والموارد اللازمة لحل المشكلة عبر بناء روابط بين المعلومات والموارد المتاحة. ويمكن استخدام الخرائط الذهنية لتحليل الموقف، وبناء علاقة بين عناصره والمشكلة الأساسية، وتحديد أفضل السبل للمضي قدمًا نحو الحل.

الخطوة الرابعة: التحليل (Analysis)

بعد جمع المعلومات وبناء الروابط بينها وبين المشكلة الرئيسة، يتم تحليل الموقف بهدف تحديد أبعاده، والتعرف على نقاط القوة، ونقاط الضعف، والتحديات التي قد تواجه عملية حل المشكلة. كما تُحدد أولويات الأسباب الرئيسة للمشكلة، ويُنظر في كيفية معالجتها ضمن الحل المقترح. ومن أكثر الأدوات شيوعًا المستخدمة في هذه المرحلة مخطط السبب والأثر، الذي يساعد على فصل المشكلة عن أسبابها، وتحديد مختلف الأسباب وتصنيفها وفقًا لنوعها ومدى تأثيرها في المشكلة.

الخطوة الخامسة: التركيب

في هذه المرحلة، وبعد الانتهاء من تحليل المشكلة بشكل كامل ومراعاة جميع المعلومات ذات الصلة، ينبغي التوصل إلى قرار بشأن كيفية حل المشكلة، وتحديد المسارات الأولية اللازمة لتحويل هذا القرار إلى واقع عملي. وإذا وُجدت عدة حلول ممكنة، فيجب تقييمها وترتيبها حسب الأولوية لاختيار الحل الأكثر فاعلية وفائدة. ومن الأدوات التي تساعد في اختيار الحل المناسب تحليل SWOT، الذي يهدف إلى تحديد نقاط القوة، ونقاط الضعف، والفرص، والتهديدات المرتبطة بكل حل مقترح.

الخطوة السادسة: اتخاذ الإجراء

تتمثل الخطوة الأخيرة في إعداد تقييم نهائي للمشكلة يمكن تحويله إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. وينبغي أن تُترجم نتائج عملية التفكير النقدي إلى إجراءات واضحة. وإذا كان القرار يتعلق بمشروع أو فريق عمل، فيمكن إعداد خطة عمل تضمن اعتماد الحل وتنفيذه وفقًا لما هو مخطط له. (33) وبذلك، يتضح أن التفكير الناقد يمثل عملية متكاملة تبدأ بتحديد المشكلة وفهمها، ثم جمع المعلومات وتحليلها، وتنتهي باختيار البديل وتحويله إلى إجراء عملي. وتبرز أهمية هذا التسلسل في أنه يحد من الانتقال المباشر من المشكلة إلى الحل، ويمنح صانع القرار فرصة لفحص البدائل ومراجعة الافتراضات قبل الالتزام بمسار معين.

يمكن اعتماد منهجية التفكير الناقد لتقليل تأثير العواطف والتحيزات الشخصية عند التفكير في موقف أو مشكلة. ويختلف الوقت اللازم لتطبيق التفكير الناقد باختلاف طبيعة المشكلة؛ فقد يستغرق بضع دقائق في بعض الحالات، أو يمتد إلى عدة أيام في حالات أخرى. وتكمن أهم مزايا استخدام التفكير النقدي في أنه يوسع آفاقنا تجاه المواقف المختلفة، ويزيد من قدرتنا على استكشاف بدائل وإمكانات متنوعة للتفكير. ومع ذلك، ينبغي ترجمة هذه الخطوات إلى خطة عمل تضمن تنفيذ الحل المتخذ بكفاءة، وتحقيق التكامل والتنسيق بين جميع الأطراف المعنية. (34) ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للتفكير الناقد تظهر عندما ينتقل من كونه نشاطًا ذهنيًا إلى أداة عملية لصناعة القرار. فالمشكلة لا تكمن في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من البدائل، وإنما في القدرة على فحصها وتمييز الأكثر ملاءمة منها في ضوء الأدلة والنتائج المحتملة. ولهذا السبب، حظيت العلاقة بين التفكير النقدي واتخاذ القرار باهتمام واضح في الأدبيات الفكرية والإدارية.

وعلى الرغم من أن الأفراد غالبًا ما يواجهون مواقف تتطلب اتخاذ قرارات فورية لا تستدعي تفكيرًا متأنيًا، فإنه يمكن الحديث عن عملية أطول من التفكير والتقييم عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات مهمة. ويشير فاسيوني إلى أن التفكير الناقد يمثل أساسًا لاتخاذ القرارات السليمة، إذ يساعد الأفراد على فحص المواقف، وتحليل الأدلة، واتخاذ خيارات مستنيرة. كما يوضح هالبرن Halpern، أنه في عالم يزداد تعقيدًا وتسارعًا، تُعد القدرة على توظيف التفكير النقدي في اتخاذ القرار أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النجاح في العديد من المجالات، بما في ذلك الأعمال، والتعليم، والرعاية الصحية. وبالمثل، يؤكد بول وإلدر Paul & Elder، أن التفكير الناقد يتضمن مهارات مثل الفهم، والتحليل، والتقييم، والاستنتاج، والتنظيم الذاتي، وهي مهارات تسهم مجتمعة في تحسين جودة القرارات. (35)

ويترتب على ذلك أن العلاقة بين التفكير الناقد واتخاذ القرار علاقة وظيفية؛ فمهارات الفهم والتحليل والتقييم والاستنتاج لا تمثل غايات مستقلة، وإنما تُستخدم للوصول إلى أحكام أكثر استنادًا إلى الأدلة وأقل تعرضًا للتسرع والتحيز. وتزداد أهمية هذه العلاقة بصفة خاصة في المجال الإداري، حيث قد تمتد آثار القرار إلى المنظمة بأكملها وإلى مستقبلها.

يرى بول وإلدر أن إصدار الأحكام النقدية يُعد «مسؤولية إدارية خاصة». وعند توظيف التفكير الناقد في عملية اتخاذ القرار، فإنه يرتقي بنموذج اتخاذ القرار إلى مستوى الاختيار المعرفي والمخطط، مما يجعل القرارات أكثر اعتمادًا على العقل والمنطق. كما أن كون القرارات التي يتخذها كبار المديرين غالبًا ما تكون قرارات استراتيجية رئيسية، ولها تأثير بالغ في الوضع الحالي للمنظمات ومستقبلها، يبرز أهمية كلٍّ من عملية اتخاذ القرار والقرارات ذاتها. وعلاوة على ذلك، يرى فريلي وستاينبرج أن معظم المهن تتطلب امتلاك مهارات فعالة في اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن أي جهد يُبذل لتحسين جودة اتخاذ المديرين للقرارات من شأنه أن يرفع جودة القرارات بما يتوافق مع مهارات المديرين وخبراتهم.(36)

غير أن افتراض أن امتلاك مهارات التفكير الناقد يؤدي تلقائيًا إلى قرارات سليمة يتجاهل مجموعة من العوامل التي قد تعوق استخدام هذه المهارات. فقد يمتلك الفرد القدرة على التحليل، ولكنه قد لا يوظفها في الوقت المناسب أو في الظروف المناسبة نتيجة للضغوط أو التحيزات أو نقص التدريب. ولذلك، فإن دراسة معوقات التفكير النقدي تعد جزءًا أساسيًا من فهم علاقته باتخاذ القرار.

لقد خلصت العديد من الدراسات إلى وجود مشكلات وتحديات متعددة تؤثر في عملية اتخاذ القرار الأخلاقي، من أبرزها التحيزات المعرفية، والتأثيرات العاطفية، وضعف التدريب، وضيق الوقت. ويشير كانيمان إلى أن الأفراد غالبًا ما يعتمدون على التحيزات أو الاختصارات الذهنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى استدلالات غير صحيحة واستنتاجات ضعيفة. كما توصل ليرنر وآخرون إلى أن الظروف والانفعالات العاطفية قد تؤثر سلبًا في الحكم، مما يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات اندفاعية أو خاطئة. وبالمثل، يرى تيرونيه وآخرون أن كثيرًا من الأفراد لا يتلقون تدريبًا كافيًا على التفكير الناقد، وهو ما يحد من قدرتهم على تحليل المواقف بموضوعية. وهذه التحديات لا تزال تمثل قضايا تقع ضمن مسؤوليات الجهات المعنية باتخاذ القرار في الجهات المختلفة. كما يؤكد هالبرن أن اتخاذ القرارات تحت ضغط الوقت غالبًا ما يؤدي إلى ضعف توظيف مهارات التفكير الناقد.

ولا تتوقف مشكلة ضعف توظيف التفكير الناقد عند بيئات العمل، بل تبدأ في كثير من الأحيان من المراحل التعليمية التي يتشكل خلالها نمط التفكير لدى الفرد. فإذا كانت البيئة التعليمية تركز على استرجاع المعلومات أكثر من تحليلها ومناقشتها، فقد ينعكس ذلك لاحقًا على قدرة الفرد على التعامل مع المشكلات واتخاذ القرارات بصورة مستقلة.

وعلى الرغم من تزايد أهمية اتخاذ القرار، فإن التدريب على مهاراته كثيرًا ما يُهمَل في الممارسة العملية. فالمناهج الدراسية الحالية تفتقر في كثير من الأحيان إلى مكونات تعزز التفكير الناقد، إذ تركز بصورة أساسية على نقل المحتوى المعرفي. وهناك عدة تحديات تعوق دمج التفكير النقدي في عملية اتخاذ القرار ضمن السياق التعليمي بشكل عام، من أبرزها الاعتماد المفرط على الحفظ والاستظهار وأساليب التدريس القائمة على المحاضرة، مما يحد من فرص الطلاب في ممارسة التحليل النقدي والتفكير المستقل. كما أن العديد من المعلمين لا يمتلكون التدريب الكافي لتعزيز التفكير الناقد، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار الاعتماد على الأساليب التدريسية التقليدية. كذلك، قد تسهم المعايير الاجتماعية التي تشجع الامتثال واحترام السلطة في الحد من التساؤل والحوار الحر، وهما عنصران أساسيان لتنمية التفكير النقدي. وتفتقر المدارس، ولا سيما في المناطق الريفية، إلى الموارد والبيئات التعليمية الداعمة لممارسة التفكير الناقد.(37)

ويشير ما سبق إلى أن تنمية التفكير الناقد ليست عملية منفصلة عن السياق الذي يحدث فيه التعلم أو اتخاذ القرار، وإنما تتطلب بيئة تشجع التساؤل والتحليل والمراجعة الذاتية. ومن أجل فهم هذه العملية بصورة أعمق، يصبح من الضروري الانتقال من الحديث عن تطبيقات التفكير النقدي ومعوقاته إلى توضيح طبيعته بوصفه نشاطًا معرفيًا تتفاعل فيه مجموعة من العمليات العقلية.

يرى ستيرنبرج أن التفكير نشاط عقلي يتضمن المعالجة المعرفية للمعلومات بهدف فهم العالم المحيط، وتفسيره، واتخاذ القرارات بشأنه. وقد تنطوي عملية اتخاذ القرار على العديد من المهارات، منها الإدراك، والذاكرة، والانتباه، والاستدلال، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والإبداع. (38)

وبهذا التصور، لا يظهر اتخاذ القرار بوصفه عملية منفصلة عن التفكير، بل باعتباره إحدى صور توظيف العمليات المعرفية في التعامل مع المشكلات والبدائل. وإذا كان التفكير يوفر الأساس المعرفي للقرار، فإن اتخاذ القرار يمثل الجانب التطبيقي الذي تنتقل فيه هذه العمليات من معالجة المعلومات إلى المفاضلة والاختيار. ومن هنا، تتعدد التعريفات الإدارية التي تناولت مفهوم اتخاذ القرار ومكوناته.

وفقًا لعالم الإدارة دافت، فإن اتخاذ القرار هو اختيار بين البدائل المتاحة في الوقت الراهن. وتُعد عملية اتخاذ القرار عملية تحديد التحديات والفرص، ثم التعامل معها ومعالجتها. ويرى دروكر، الذي يُعد على نطاق واسع الأب الروحي لعلم الإدارة، أن القرار هو حكم أو تقدير، وأن القرار في حالات نادرة جدًا يكون اختيارًا بين الصواب والخطأ. ويؤكد أن اتخاذ القرار لا يتمثل في المفاضلة بين الصواب والخطأ، بل في تحديد أي الخيارين أقرب إلى الحقيقة. وتتحدد قدرة المدير على التمييز بين الخيارات الصحيحة والخاطئة بمدى امتلاكه لمهارات التفكير النقدي. ووفقًا لروبنز، يُعرَّف اتخاذ القرار بأنه «الاختيار بين بديلين أو أكثر». ومن ثم، فإن اتخاذ القرار هو عملية الاختيار من بين مجموعة متعددة من البدائل. (39)

وتبرز هذه التعريفات عنصرًا مشتركًا يتمثل في أن القرار يرتبط بالاختيار بين بدائل، إلا أن الاختيار الفعّال لا يحدث بصورة عشوائية، بل يستند إلى تحديد المشكلة وفهمها وجمع المعلومات ذات الصلة وتقييم البدائل. ولذلك، فإن اتخاذ القرار يمكن النظر إليه باعتباره عملية ممتدة عبر الزمن، وليس مجرد لحظة يتم فيها اختيار أحد الخيارات.

وفي الواقع، يُعد اتخاذ القرار نشاطًا عقليًا عقلانيًا معقدًا. وللوصول إلى قرار فعّال، يجب أولًا فهم الأسباب الجذرية للمشكلة. وتتضمن عملية اتخاذ القرار أبعادًا مرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل. ويشير مصطلح الماضي إلى الفترة التي ظهرت فيها المشكلة لأول مرة، وتم خلالها جمع المعلومات، وأصبحت الحاجة إلى اتخاذ القرار واضحة. أما في الحاضر، فتُحدد البدائل ويتم اتخاذ القرار، بينما في المستقبل، يُنفذ القرار وتتم مراجعته وتقويمه. ووفقًا لهاريسون، يتكون نموذج اتخاذ القرار العقلاني من ست خطوات، وهي: تحديد المشكلة، وتحديد معايير الاختيار، وتحديد أوزان هذه المعايير، واقتراح البدائل، وتقييم البدائل، ثم اختيار البديل الأفضل.(40)

ويؤكد هذا النموذج أن جودة القرار تعتمد بدرجة كبيرة على جودة العمليات التي تسبقه، وهو ما يعيدنا إلى الدور المركزي للتفكير النقدي؛ إذ إن تحديد المشكلة، واختيار معايير المفاضلة، وتقييم البدائل، كلها عمليات تتطلب الفحص والتحليل والحكم. ومن ثم، فإن نموذج اتخاذ القرار العقلاني يلتقي بصورة واضحة مع المنهج النقدي في التفكير، ولا سيما في انتقاله المنظم من تشخيص المشكلة إلى تقييم الحلول.

ووفقًا لدروكر، فإن عملية اتخاذ القرار الناجح وتقليل المخاطر تتطلب المرور بالمراحل السبع الآتية:

- تحديد الحاجة إلى اتخاذ قرار.

- تصنيف المشكلة.

- تحديد المشكلة بدقة.

- تحديد القرار الصحيح.

- إقناع الآخرين بقبول القرار.

- تنفيذ القرار وتحويله إلى إجراء عملي.

- اختبار القرار ومقارنته بالنتائج الفعلية. (41)

ويضيف هذا النموذج بُعدًا مهمًا إلى عملية اتخاذ القرار، يتمثل في أن القرار لا يكتمل بمجرد اختياره، بل يحتاج إلى قبول الأطراف المعنية وتنفيذه ثم اختبار نتائجه. وهذا البعد التنفيذي والتقويمي يوضح أن التفكير النقدي ينبغي أن يستمر حتى بعد اتخاذ القرار، من خلال مراجعة النتائج الفعلية ومقارنتها بالتوقعات، بما يسمح بتصحيح المسار عند الحاجة.

يلخص لوهاني أن المفكر الناقد يستخدم مجموعة من العمليات والأساليب لاتخاذ قرارات جيدة، تتمثل في:

- إنشاء موضوع أو قضية تخضع للملاحظة النقدية.

- جمع المدخلات اللازمة للتحليل النقدي.

- استيعاب المعلومات ومعالجتها لأغراض التحليل النقدي.

- التواصل وعرض الحجج المتعلقة باتخاذ القرار.

وبناءً على ذلك، يستخدم المفكر الناقد عادةً منهج التفكير الناقد المشار إليه سابقًا لتحديد المشكلة، وجمع المعلومات أو البيانات اللازمة للتحليل النقدي، ومعالجة المعلومات المجمعة وتحليلها، وتطوير بدائل القرار وإنتاجها، واختيار البديل الأفضل، ثم التواصل بشأنه مع الآخرين باستخدام حجج قائمة على أسس منطقية، وتحويله إلى إجراء عملي. ومن ثم، يسهم التفكير النقدي في الوصول إلى قرارات جيدة وفعّالة. (42)

وبناءً على العرض السابق، يمكن القول إن التفكير الناقد يمثل إطارًا معرفيًا ومنهجيًا يدعم عملية اتخاذ القرار في مختلف مراحلها؛ فهو يبدأ بتحديد المشكلة وتحدي الافتراضات المرتبطة بها، ثم ينتقل إلى جمع المعلومات وفحصها وتحليلها، وتوليد البدائل ومقارنتها، وصولًا إلى اختيار البديل الأنسب وتبريره وتنفيذه وتقويم نتائجه. ومن ثم، فإن قيمة التفكير النقدي لا تتمثل في كونه مهارة للتحليل فقط، وإنما في قدرته على تحويل عملية اتخاذ القرار من استجابة قد تتأثر بالتحيز أو الانفعال أو التسرع إلى عملية أكثر تنظيمًا واستنادًا إلى الأدلة.

وعليه، فإن تعزيز التفكير الناقد لدى الأفراد والفرق، وتوفير البيئات التي تشجع الحوار والتساؤل والتحليل، إلى جانب تدريبهم على نماذج منظمة لاتخاذ القرار، يمثل مدخلًا مهمًا لتحسين جودة القرارات والحد من المخاطر الناتجة عن التحيزات أو نقص المعلومات أو ضغوط الوقت. وبهذا يتكامل التفكير النقدي مع اتخاذ القرار بوصفهما عمليتين مترابطتين؛ فالتفكير النقدي يوفر الأساس الذي يُبنى عليه الحكم، بينما يمثل اتخاذ القرار المجال الذي تتحول فيه نتائج ذلك الحكم إلى خيارات وإجراءات عملية.

ثالثًا: التفكير الناقد ومعالجة المشكلات

1- تحليل المعلومات بموضوعية

أصبحت القدرة على التفكير الناقد كفاءة جوهرية في أنظمة التعليم الحديثة حول العالم؛ ففي ظل مجتمع عالمي سريع التغير، يتسم بتحديات معقدة، لم يعد الطلاب بحاجة إلى اكتساب المعرفة الواقعية فحسب، بل أصبح من الضروري تزويدهم أيضًا بالمهارات المعرفية اللازمة للتحليل والتقييم وإيجاد الحلول الإبداعية. ومن بين هذه المهارات، يبرز التفكير الناقد بوصفه عنصرًا أساسيًا يسهم بدرجة كبيرة في تعزيز قدرات حل المشكلات، ولا سيما لدى طلاب المرحلة الثانوية الذين يستعدون للانتقال إلى التعليم العالي والحياة المهنية.

وفي هذا السياق، يُعد حل المشكلات عملية معرفية متعددة الأبعاد تتطلب توظيف الاستدلال المنطقي، والتفكير الإبداعي، ومهارات اتخاذ القرار. ومع ذلك، فإن مجرد تعرّض الطلاب لمهام حل المشكلات دون امتلاك أساس قوي من مهارات التفكير الناقد قد يؤدي غالبًا إلى الوصول إلى حلول سطحية لا تتعامل بصورة كافية مع تعقيد المشكلات الواقعية. ومن هنا، يبرز التفكير الناقد بوصفه مدخلًا ضروريًا لتعزيز قدرة الفرد على التعامل مع المشكلات بصورة أكثر عمقًا وموضوعية. لذلك، أصبح تعزيز التفكير النقدي يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره متطلبًا أساسيًا لتدريس حل المشكلات بفاعلية في التعليم.

وقد أظهرت الأبحاث أن الطلاب الذين يمتلكون مهارات قوية في التفكير الناقد يكونون أكثر قدرة على:

- تحديد المشكلات.

- توليد الحلول البديلة وتقييمها.

- تنفيذ الاستراتيجيات بفاعلية. (43)

وبناءً على ذلك، لا تقتصر أهمية التفكير الناقد على معالجة المشكلات التعليمية، بل تمتد إلى مختلف المواقف التي تتطلب تحليل المعلومات واتخاذ القرارات. فالتفكير الناقد مهارة أساسية في عالم اليوم الذي يتسم بالتغير السريع، إذ يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات بفاعلية، واتخاذ قرارات قائمة على أسس منطقية، وحل المشكلات المعقدة.(44)

ويظهر هذا الدور بصورة أكثر وضوحًا عند ارتباط التفكير الناقد بعملية اتخاذ القرار؛ إذ يُعد التفكير الناقد ذا أهمية كبيرة في هذه العملية، لأنه يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات بموضوعية، وتقييم البدائل المتاحة، واتخاذ قرارات مدروسة بعناية. وتشير المناقشات الحديثة إلى عدد من الأدوار المهمة للتفكير النقدي في هذه العملية، ومنها:

.تحسين قدرات حل المشكلات:

يمنح التفكير الناقد الأفراد القدرة على تقييم المشكلات بعمق، والتعرف على الحلول الممكنة والفعّالة، والتنبؤ بالنتائج المستقبلية، وهي عوامل تسهم جميعها في تحسين كفاءة حل المشكلات.

- تحسين جودة القرارات:

يساعد التفكير الناقد على الوصول إلى استنتاجات أفضل تكون منطقية ومدعومة بالأدلة، وذلك من خلال تعزيز الاستدلال العقلاني والحد من تأثير التحيزات.

- تقليل التحيزات:

يمكّن التفكير الناقد الفرد من التعرف على تحيزاته الشخصية وتقليل أثرها، مما يعزز اتخاذ قرارات أكثر موضوعية وعدلًا.

.تعزيز التفكير المستقل:

يساعد التفكير الناقد الأفراد على الثقة بأحكامهم الخاصة والتفكير باستقلالية، وهو أمر ضروري لاتخاذ قرارات لا تتأثر بصورة غير مبررة بالعوامل أو التأثيرات الخارجية.

- التعامل مع المواقف المعقدة:

يُعد التفكير الناقد أمرًا أساسيًا للتعامل الناجح مع التحديات المعقدة وحلها في السياقات المهنية، بما في ذلك مجالات السياسات العامة والالتزام بالأنظمة واللوائح. (45)

وتؤكد هذه الأدوار أن التفكير الناقد لا يمثل مجرد مهارة معرفية منفصلة، وإنما يشكل أساسًا لعملية إصدار الأحكام واتخاذ القرارات الرشيدة. وفي هذا الإطار، خلص تيتل (Tittle) إلى أن القدرة على التفكير الناقد تُعد أمرًا ضروريًا لإصدار الأحكام، إذ ينبغي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات خلال عملية اتخاذ القرار، مع تحديد العوامل الحاسمة اللازمة للوصول إلى اختيار ناجح. ويُعد التفكير القائم على الاستدلال أساس التفكير النقدي، كما أن الاستنتاجات المبنية على المنطق تكون أكثر موثوقية من تلك التي تعتمد على العاطفة، أو الحدس، أو المعتقدات. ومن ثم، يُعد اتخاذ القرارات بناءً على أكبر قدر ممكن من المعلومات أحد أهداف التفكير الناقد.

ولتحقيق ذلك، تتطلب عملية اتخاذ القرار استخدام استراتيجيات تساعد على تنظيم المعلومات والنظر إلى المشكلة من زوايا متعددة. فتهدف استراتيجيات اتخاذ القرار إلى مساعدة صانعي القرار من خلال تزويدهم بوجهات نظر متعددة، وتنظيم المعلومات وفق تسلسل معين. وتُعد عملية العصف الذهني، التي قدمها في الأصل أليكس أوزبورن (Alex Osborn)، أسلوبًا مفيدًا يمكن تطبيقه بصورة فردية أو جماعية لحل المشكلات. ووفقًا لأوزبورن، فإن العصف الذهني هو أسلوب منهجي يسمح للعقل بتوليد الأفكار دون محاولة تقييم قيمتها أو جودتها أثناء مرحلة التوليد.

وعلى الرغم من أهمية التفكير المنظم والقائم على الأدلة، فإن عملية اتخاذ القرار قد تتضمن أيضًا أنماطًا حدسية من التفكير؛ فعلى النقيض من عمليات التفكير الهادفة والمخططة، تعمل عمليات اتخاذ القرار الحدسية بصورة مستقلة وطبيعية دون سيطرة واعية مباشرة. وغالبًا ما يرتبط التفكير الصحيح بالمعرفة المتخصصة والخبرة في مجال معين عند استخدام منهجية التفكير النظمي. (46)

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن توظيف التفكير الناقد في عملية اتخاذ القرار لا يسهم فقط في تحسين جودة القرار، بل يحقق مجموعة أوسع من الفوائد المرتبطة بالدقة والمرونة والقدرة على مواجهة المواقف المتغيرة. ووفقًا لسميث وآخرين (Smith et al)، فإن استخدام التفكير الناقد أثناء عملية اتخاذ القرار يحقق عددًا من المزايا والفوائد، من أبرزها:

- زيادة الدقة:

يستطيع صانعو القرار تحسين دقة قراراتهم من خلال التقييم المنهجي للبيانات والحد من تأثير التحيزات.

- تحسين حل المشكلات:

يعزز التفكير النقدي الأساليب المبتكرة، مما يؤدي إلى الوصول إلى حلول أفضل وأكثر فاعلية.

- تعزيز المساءلة:

تكون القرارات القائمة على الاستدلال المنطقي أكثر سهولة في التبرير والتفسير، مما يعزز الشفافية والثقة.

- القدرة على التكيف:

يكون الأفراد الذين يوظفون التفكير الناقد أكثر قدرة على التعامل مع السياقات المعقدة والمتغيرة، والاستجابة بصورة مناسبة للظروف المتبدلة. (47) ومن ثم، فإن العلاقة بين التفكير الناقد وحل المشكلات ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تكاملية متبادلة؛ فبينما يعزز التفكير النقدي مهارات حل المشكلات، فإن الانخراط في أنشطة معقدة لحل المشكلات يمكن أن يؤدي بدوره إلى تقوية قدرات التفكير النقدي. وتشير هذه العلاقة التكاملية إلى ضرورة أن تستهدف التدخلات التعليمية المجالين في الوقت نفسه.

ولا تقف آثار هذه العلاقة عند حدود الجانب المعرفي أو التعليمي، بل تمتد إلى جوانب اجتماعية وسلوكية أوسع؛ فتطوير مهارات التفكير الناقد يحمل آثارًا اجتماعية مهمة، إذ يكون الأفراد الذين يمتلكون القدرة على التفكير النقدي أكثر استعدادًا للمشاركة كمواطنين واعين، واتخاذ قرارات أخلاقية، والاستمرار في التعلم مدى الحياة، وهي جميعها صفات أساسية في مجتمع ديمقراطي قائم على المعرفة. (48)

وتتضح الصلة المباشرة بين التفكير الناقد وحل المشكلات واتخاذ القرارات بصورة أكبر من خلال التعريفات التي تناولت التفكير الناقد بوصفه عملية موجهة نحو الفعل. فعلى سبيل المثال، فإن التعريف المؤثر الذي قدمه إنيس للتفكير الناقد باعتباره «تفكيرًا تأمليًا معقولًا يركز على تحديد ما ينبغي اعتقاده أو القيام به» يوسّع نطاق هدف التفكير الناقد من مجرد تكوين المعتقدات القائمة على التأمل إلى اتخاذ القرارات التي تقود إلى الفعل. ويشير ذلك إلى أن التفكير النقدي يمثل عملية ذات تطبيقات عملية في نهاية المطاف.

وفي هذا الإطار، يقدم إنيس «اتخاذ قرار بشأن إجراء معين» باعتباره إحدى القدرات العديدة التي يمتلكها المفكر الناقد، والتي تتمثل في المهارات أو المراحل التالية:

- تحديد المشكلة.

- اختيار المعايير اللازمة للحكم على الحلول الممكنة.

- صياغة حلول بديلة.

- اتخاذ قرار مبدئي بشأن الإجراء الذي ينبغي القيام به.

- المراجعة مع مراعاة الوضع الكلي، ثم اتخاذ القرار النهائي.

- متابعة تنفيذ القرار. (49)

وبذلك، يتضح أن التفكير الناقد يقود بصورة طبيعية إلى البحث عن البدائل وتحليلها وتقييمها، وهو ما يمهّد للانتقال إلى أحد التطبيقات المهمة لهذه المهارات، والمتمثل في التعامل مع البدائل المتاحة من خلال التحليل من منظور بديل.

2- التعامل مع البدائل المتاحة

أ- المشكلات الشائعة في عمليات اتخاذ القرار

في ضوء أهمية النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، يهدف التحليل من منظور بديل في جوهره إلى التغلب على المشكلات المختلفة التي قد تواجه العاملين أثناء عمليات اتخاذ القرار في المنظمات الدولية. ومن أكثر هذه المشكلات شيوعًا، إلى جانب كيفية إسهام التحليل من منظور بديل في معالجتها، ما يلي:

- مواجهة مهام معقدة:

غالبًا ما يواجه العاملون مهامًا معقدة لا يقتصر فيها الغموض على الإجابة عن السؤال المطروح، بل قد يمتد إلى صياغة السؤال نفسه وفهم السياق المحيط به. ويزداد هذا التحدي بسبب نقص التوجيهات المحددة. كما أن كثيرًا من العاملين في وظائف معينة يشغلون مناصبهم لفترة قصيرة نسبيًا (ثلاث سنوات)، مما يحد من فرص اكتسابهم خبرة متخصصة في موضوع المشكلة. ولمواجهة هذه التحديات، يوفر التحليل من منظور بديل مجموعة من التقنيات التي تساعد على إيجاد نقطة انطلاق مناسبة للمهمة، واستكشاف أبعادها، وتوليد أفكار محفزة تسهم في البدء بمعالجة المشكلة.

- هيمنة المتحدثين المتمكنين من اللغة الإنجليزية على الاجتماعات:

تضم فرق العمل الدولية أفرادًا من دول متعددة يختلفون في مستويات إتقانهم للغة الإنجليزية. ويحتاج بعض العاملين إلى وقت أطول لتحويل أفكارهم إلى اللغة الإنجليزية، مما قد يؤدي إلى هيمنة الأشخاص الذين يفكرون ويتحدثون بسرعة ودون تردد على مجريات النقاش. ويعالج التحليل من منظور بديل هذه المشكلة من خلال استخدام تقنيات تمنح المشاركين وقتًا كافيًا لتنظيم أفكارهم، أو الاعتماد على وسائل بصرية لتوثيق النقاشات بما يساعد الجميع على تذكر ما تم طرحه. كما تشجع هذه المنهجية على تطبيق أسلوب المائدة المستديرة الذي يتيح لكل مشارك فرصة متساوية للتعبير عن رأيه، إضافة إلى جلسات الكتابة الصامتة التي تُدوَّن فيها الأفكار قبل مناقشتها.

- ضعف إنتاجية الاجتماعات:

تُعد الاجتماعات الطويلة، والمملة، وضعيفة التنظيم، أو التي تنتهي دون قرارات أو نتائج واضحة، من أكثر المشكلات شيوعًا في بيئات العمل. وعند تطبيق تقنيات التحليل من منظور بديل الواردة في هذا الدليل، يمكن إضفاء هيكل واضح على الاجتماعات، كما تسهم بعض هذه التقنيات في توفير الوقت. بالإضافة إلى ذلك، تساعد هذه المنهجية على إنتاج مخرجات ملموسة ومشتركة يمكن الاعتماد عليها كأساس للخطوات والإجراءات اللاحقة.

- تأثر عملية اتخاذ القرار بالتحيزات:

كثيرًا ما تتأثر القرارات بالتحيزات المعرفية والشخصية التي قد تحد من موضوعية التفكير وجودة النتائج. ويُناقش هذا الموضوع بمزيد من التفصيل في القسم التالي من الدليل، مع توضيح الكيفية التي تساعد بها تقنيات التحليل من منظور بديل على الحد من تأثير هذه التحيزات وتعزيز موضوعية عملية اتخاذ القرار. (50)

وتوضح المشكلات السابقة الحاجة إلى منهجية لا تكتفي بتقديم بدائل مختلفة، وإنما توفر إطارًا منظمًا ومرنًا للاستفادة من هذه البدائل في عملية اتخاذ القرار. ومن هنا تظهر أهمية التعرف إلى المبادئ التي يقوم عليها التحليل من منظور بديل، والتي تحدد طبيعة هذه المنهجية وكيفية توظيفها بصورة فعالة داخل المنظمات.

ب- مبادئ التحليل من منظور بديل

يتميز التحليل من منظور بديل بالمرونة وقابلية التطبيق على نطاق واسع؛ فهو يعتمد على القدرات الحالية للعاملين والقدرات التحليلية المتوفرة بدلًا من إنشاء كيان جديد أو هيكل تنظيمي إضافي. وبشكل عام، يقوم التحليل من منظور بديل على ثمانية مبادئ أساسية:

1- التحليل من منظور بديل هو قدرة:

يُعد التحليل من منظور بديل قدرة متكاملة تتكون من التقنيات، والتدريب والتعليم، والعناصر البشرية. وتمتاز هذه القدرة بإمكانية تكييفها لتلبية الاحتياجات الخاصة لكل منظمة. فعلى سبيل المثال، قد يقوم أحد القيادات الاستراتيجية بتشكيل فريق مؤقت لتحليل قضية ذات أهمية استراتيجية للحلف، بينما قد ينشئ المستوى العملياتي فريقًا دائمًا للمساعدة في تخطيط العمليات وتقييمها. وفي المقابل، قد تفضل منظمات أخرى تطبيق هذه المهارات التحليلية على نطاق واسع بين العاملين لتعزيز الفهم العميق للموضوعات التي يتم التعامل معها.

2- التحليل من منظور بديل يدعم حل المشكلات:

يُستخدم التحليل من منظور بديل لدعم صاحب المشكلة من خلال توفير أدوات إبداعية لحل المشكلات، وليس بهدف تقديم حل مستقل وجاهز للمشكلة. فهو يعزز التفكير والإبداع من خلال مجموعة من التقنيات العملية التي يسهل تطبيق معظمها.

3- يمكن للتحليل من منظور بديل دعم مجموعة واسعة من المشكلات على جميع مستويات العمل:

يتميز هذا الأسلوب بقابلية تطبيق واسعة، بدءًا من مساعدة موظف واحد يواجه مشكلة محددة، وصولًا إلى دعم القرارات المعقدة التي تواجهها المؤسسات الكبيرة. وقد تم تطوير تقنيات التحليل من منظور بديل بالاستفادة من خبرات منظمات الدفاع الوطنية، والقطاع الصناعي، والمؤسسات الأكاديمية، كما تم استخدامها على نطاق واسع. ويمنح تعلم هذه التقنيات مجموعة من المهارات المهنية التي يمكن الاستفادة منها طوال المسار الوظيفي.

4- يوفر التحليل من منظور بديل منظورًا مستقلًا:

لكي يكون التحليل من منظور بديل ذا قيمة في عملية اتخاذ القرار، يجب أن يكون قادرًا على تقديم أفكار محايدة أو تفكير خارج الإطار التقليدي، دون أن يكون مقيدًا بالهياكل الهرمية التقليدية أو الضغوط التنظيمية.

5- يعتمد التحليل من منظور بديل على التفاهم المتبادل لتحقيق فوائده الكاملة:

يجب أن يكون أصحاب المشكلات مستعدين لتقبل أن عملية التحليل من منظور بديل قد تثير آراء أو نتائج مثيرة للجدل. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يحترم التحليل طبيعة العلاقة بين الجهة الداعمة والجهة المستفيدة، وأن يكون واعيًا بالتأثيرات المحتملة للنتائج التي يقدمها.

6- يكون تطبيق التحليل من منظور بديل أكثر فاعلية عند استخدامه خلال مراحل العملية المختلفة:

يُفضل إشراك التحليل من منظور بديل في المراحل المبكرة من العمل، حتى يتمكن من تقديم وجهات نظر بديلة ورؤى جديدة تساعد على تحسين جودة العملية المدعومة وزيادة دقة المعلومات المتاحة لاتخاذ القرار.

7- يستفيد التحليل من منظور بديل من التوجيه والإرشاد الرسمي:

يمكن للقادة المساهمة في نجاح هذا الأسلوب من خلال بناء ثقافة تنظيمية تشجع على استخدام التحليل من منظور بديل لتحدي المعتقدات ووجهات النظر السائدة. وينبغي أن يتم تحديد طريقة استخدام هذه المنهجية بما يتناسب مع احتياجات المنظمة، مع الحفاظ على استقلاليتها ومرونتها.

8- يكمل التحليل من منظور بديل الوظائف القائمة داخل المنظمة:

صُمم التحليل من منظور بديل ليكون عنصرًا مكملًا للوظائف الأخرى الموجودة داخل المنظمة والاستفادة منها، مثل التحليل العملياتي وتخطيط العمليات، وليس بهدف استبدالها أو تكرار مهامها. (51)

تعقيب

يتضح من العرض السابق أن التفكير الناقد وإدارة المخاطر يمثلان مدخلين متكاملين في بناء القدرة على التعامل الرشيد مع المواقف التي تتسم بالتعقيد وعدم اليقين وتعدد البدائل. فإدارة المخاطر لا تقتصر على تحديد المخاطر المحتملة ورصد آثارها ووضع الإجراءات المناسبة للتعامل معها، وإنما تتطلب في جوهرها قدرة عقلية تحليلية تمكن من فحص المعلومات المتاحة، وتقدير احتمالات وقوع المخاطر وآثارها، والموازنة بين البدائل قبل اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن جودة إدارة المخاطر ترتبط بدرجة كبيرة بجودة التفكير الذي يسبق عملية اتخاذ القرار.

كما يتبين أن التفكير الناقد يؤدي دورًا محوريًا في ترشيد القرارات، من خلال الانتقال من الاستجابة التلقائية للمواقف إلى الفحص المنظم للمعلومات والأدلة، وتحليل الافتراضات، وتقويم البدائل، والكشف عن مواطن الضعف أو التحيز في عملية التفكير. ولذلك، فإن القرار الفعّال لا يقوم فقط على توافر المعلومات، وإنما يعتمد كذلك على القدرة على تحليلها وتفسيرها وتقويم مدى صلاحيتها وملاءمتها للموقف، بما يساعد على اختيار البديل الذي يحقق أفضل النتائج الممكنة في ضوء الظروف والمعطيات المتاحة.

وتكشف العلاقة بين التفكير الناقد ومعالجة المشكلات عن بعد آخر لهذه العلاقة التكاملية؛ فالمشكلة لا يمكن الوصول إلى حلول مناسبة لها ما لم يتم تحديدها وفهم أسبابها بصورة دقيقة، والتمييز بين أسبابها الحقيقية وأعراضها الظاهرة، ثم طرح مجموعة من البدائل وتقويمها وفق معايير موضوعية. وفي هذا الإطار، يوفر التفكير الناقد إطارًا منهجيًا يساعد على تجنب الأحكام المتسرعة والحلول التقليدية غير الملائمة، ويدعم القدرة على النظر إلى المشكلة من زوايا متعددة، واختيار الحل الأكثر قدرة على معالجة أسبابها والحد من تكرارها.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن إدارة المخاطر والتفكير الناقد واتخاذ القرار ومعالجة المشكلات ليست عمليات منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن عملية عقلية وإدارية متكاملة؛ إذ يسهم التفكير الناقد في تحليل المخاطر وفهم طبيعتها، وتقييم البدائل والنتائج المتوقعة، كما يدعم اتخاذ القرارات الرشيدة والتعامل المنهجي مع المشكلات. وكلما ارتفعت قدرة الفرد على ممارسة مهارات التفكير الناقد، أصبح أكثر قدرة على استشراف المخاطر، وتجنب القرارات القائمة على الانطباعات أو المعلومات غير الكافية، والتعامل مع المشكلات بمرونة وموضوعية.

ومن ثم، فإن تنمية التفكير الناقد لا تمثل هدفًا معرفيًا مستقلاً فحسب، وإنما تعد ضرورة لتعزيز كفاءة إدارة المخاطر وجودة القرارات وفاعلية معالجة المشكلات. وهو ما يؤكد أهمية إكساب الأفراد مهارات التحليل والتقويم والاستدلال واتخاذ القرار، بما يمكنهم من التعامل الواعي مع المواقف غير المألوفة والمخاطر المحتملة، وتحويل التحديات التي تفرضها البيئات المعاصرة إلى فرص لاتخاذ قرارات أكثر وعيًا ورشدًا وفاعلية.

***

دكتو إبراهيم طلبه سلكها

.............................

الهوامش

1- Klinke, Andreas, and Ortwin Renn. “A New Approach to Risk Evaluation and Management: Risk- Based, Precaution- Based, and Discourse- Based Strategies.” Risk Analysis 22, no. 6 (2002): 1071–1094, p- 1071.

2- Hillson, D. and R. Murray- Webster (2017), Understanding and Managing Risk Attitude, Routledge, https://doi.org/10.4324/9781315235448, p- 1.

3- Beasley, M., R. Clune and D. Hermanson (2005), “Enterprise risk management: An empirical analysis of factors associated with the extent of implementation”, Journal of Accounting and Public Policy, Vol. 24/6, pp. 521- 531, https://doi.org/10.1016/j.jaccpubpol.2005.10.001, p- 533.

4- Pavel Danihelka and Pavel Poledňák, “Risk Analysis – General Approach,” Communications – Scientific Letters of the University of Žilina 10, no. 1 (2008): 20–23, p- 20.

5- Klinke, Andreas, and Ortwin Renn. Op- Cit, p- 1072.

6- Loc- Cit.

7- Ibid, p- 1073.

8- Loc- Cit.

9- Loc- Cit.

10- Loc- Cit.

11- Loc- Cit.

12- Loc- Cit.

13- Loc- Cit.

14- Loc- Cit.

15- Loc- Cit.

16- Ibid, p- 1074.

17- Loc- Cit.

18- Loc- Cit.

19- Loc- Cit.

20- Loc- Cit.

21- Ibid, pp- 1074- 1075.

22- Loc- Cit.

23- Borghesi, Antonio, and Barbara Gaudenzi. Risk Management: How to Assess, Transfer and Communicate Critical Risks. Milan: Springer- Verlag Italia, 2013, pp- 6- 8.

24- Ibid, p- 8.

25- Ibid, pp- 90- 92.

26- Ibid, pp- 92- 93.

27- Ibid, p- 94.

28- Loc- Cit.

29- Ibid, p- 95.

30- Loc- Cit.

31- Manu Martín Valcárcel, “4 Ways Critical Thinking Powers Project Management Results,” Businessmap, December 6, 2024, last updated July 23, 2026.

32- Loc- Cit.

33- Rafiq Elmansy, “6 Steps for Effective Critical Thinking,” Designorate, published January 15, 2016, last modified April 3, 2023, https://www.designorate.com/steps- effective- critical- thinking/.

34- Loc- Cit.

35- Loc- Cit.

36- Adhikari, Narayan Prasad, Jhupa Kumari Budhathoki, and Sharad Adhikari. 2025. "Use of Critical Thinking in Decision- Making Process." Perspectives on Higher Education 15 (1): 155–168. https://doi.org/10.3126/phe.v15i01.81008, p- 156.

37- Ibid, p- 157.

38- Ibid, p- 158.

39- Ibid, p- 161.

40- Loc- Cit.

41- Loc- Cit.

42- Ibid, p- 163.

43- Dewi, Yuli Kusuma, Abdul Khalid, and Abdilah Abqari Agam. “The Role of Critical Thinking Skills in Enhancing Problem- Solving Abilities among High School Students.” Journal of Education and Social Science 2, no. 1 (August 2025): 19–24, p- 19.

44- Manchem, Shireesha. Critical Thinking and Problem Solving. A2Z EDULEARNINGHUB LLP, February 2025, p- 6.

45- Adhikari, Narayan Prasad, Jhupa Kumari Budhathoki, and Sharad Adhikari. 2025. "Use of Critical Thinking in Decision- Making Process." Perspectives on Higher Education 15 (1): 155–168. https://doi.org/10.3126/phe.v15i01.81008, pp- 163- 164.

46- Loc- Cit.

47- Ibid, p- 165.

48- Dewi, Yuli Kusuma, Abdul Khalid, and Abdilah Abqari Agam. “The Role of Critical Thinking Skills in Enhancing Problem- Solving Abilities among High School Students.” Journal of Education and Social Science 2, no. 1 (August 2025): 19–24, p- 20.

49- Jonathan Heard, Claire Scoular, Daniel Duckworth, Dara Ramalingam, and Ian Teo, Critical Thinking: Skill Development Framework (Melbourne: The Australian Council for Educational Research Ltd., 2025), p- 7.

50- NATO. The NATO Alternative Analysis Handbook. 2nd ed. December 2017. Norfolk, VA: NATO Allied Command Transformation, 2017, p- 5.

51- Ibid, p- 7.

في المثقف اليوم