دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: فلسفة القانون عند ابن رشد
قراءة في الأسس العقلية للتشريع في الفكر الأندلسي
إنّ النظر في فلسفة القانون عند ابن رشد لا يندرج ضمن ضروب الاستعادة التراثية التي تُمارَس بدافع الإعجاب التاريخي أو الحنين الثقافي بقدر ما يندرج ضمن مساءلةٍ معرفيةٍ دقيقةٍ لواحدٍ من أكثر المواضع حساسيةً في بنية الفكر الإسلامي الوسيط، الموضع الذي يلتقي فيه النصّ بالعقل والشرع بالبرهان والفقه بالحكمة والتشريع بسؤال العدل في معناه العميق. ذلك أنّ ابن رشد لا ينهض في هذا المقام بوصفه شارحا للفلسفة اليونانية فحسب، ولا بوصفه فقيها مالكيا منخرطا في صناعة الخلاف على نحوٍ مذهبيٍّ محدود، بل بوصفه عقلا مركّبا استطاع أن يُعيد ترتيب العلاقة بين القانون والحقيقة وبين الحكم وعلّته وبين ظاهر النصّ ومقاصده، على نحوٍ يجعل من التشريع نفسه مجالا للفهم الفلسفي، لا مجرد موضوعٍ للامتثال أو الحفظ أو النقل.
ولئن درج كثيرٌ من الدارسين على مقاربة ابن رشد من خلال ثنائية التوفيق بين الحكمة والشريعة، فإنّ هذه المقاربة – على أهميتها – تظلّ قاصرةً عن استيعاب العمق الحقيقي لمشروعه، ما لم تُرَدّ إلى حقلٍ أشدّ التصاقا بصلب التجربة الرشدية، وهو الحقل الذي يتبدّى فيه التشريع لا باعتباره جملةً من الأحكام المتفرقة، بل باعتباره نسقا عقلانيا منضبطا، تتحرك داخله النصوص والعلل وتتفاعل فيه الدلالات والمقاصد وتتشكل فيه سلطة الحكم من خلال شبكةٍ دقيقةٍ من الاستدلال، لا من خلال ظاهر اللفظ وحده. ومن هنا فإنّ السؤال عن فلسفة القانون عند ابن رشد ليس سؤالا عن حضور القانون في كتاباته عرضا ولا عن موقفه من بعض مسائل الفقه من جهة الانتماء المذهبي، بل هو سؤالٌ عن الأسس العقلية التي يقوم عليها التشريع في تصوره، وعن الكيفية التي يتحول بها الفقه – في أرقى صوره – من علمٍ بالأحكام إلى علمٍ بمبادئ إنتاجها، ومن حفظٍ للفروع إلى فهمٍ لنظامها الداخلي.
وإذا كان الفكر القانوني الحديث قد انشغل في وجوهه الكبرى بأسئلة المصدر والشرعية والتأويل والسلطة والعلاقة بين القاعدة والواقع، فإنّ قراءة ابن رشد تكشف أنّ التراث الأندلسي قد أنجب في لحظةٍ نادرةٍ من نضجه، عقلا قانونيا لا يقلّ عمقا في إدراك هذه الإشكالات، وإن صاغها ضمن أفقٍ مغايرٍ ومفاهيمَ مغايرة. فابن رشد لا يتعامل مع الخلاف الفقهي بوصفه عرضا عارضا في تاريخ المذاهب، بل بوصفه أثرا بنيويا لاختلاف المدارك وطرائق الاستدلال؛ ولا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه ترفا علميا، بل بوصفه الشرط الذي به تظلّ الشريعة حيّةً وقادرةً على النفاذ إلى الوقائع المتجددة؛ ولا يفهم النصّ الشرعيّ بوصفه سطحا لغويا مكتفيا بذاته، بل بوصفه خطابا تتفاوت مراتبه وتختلف وجوه تلقيه وتحتاج دلالاته إلى عقلٍ يميّز بين المنطوق والمعقول وبين الظاهر والمآل وبين اللفظ وحكمته التشريعية.
من هذه الزاوية تحديدا تتأسس أهمية إعادة قراءة ابن رشد في أفق فلسفة القانون، لا بوصفه موضوعا للتمجيد، بل بوصفه نموذجا معرفيا يكشف عن إمكانٍ بالغ الندرة في تاريخنا الفكري، هو إمكان بناء عقلانيةٍ تشريعيةٍ لا تُخاصم الوحي ولا تستقيل أمامه ولا تُفرّغ الفقه من سلطته ولا تُحوّله إلى أرشيفٍ للموروث، بل تجعل من النصّ أصلا ومن العقل آلةً ومن المقصد أفقا ومن العدل غايةً ومن الاجتهاد سبيلا إلى وصل الكلّيّ بالجزئيّ والثابت بالمتغيّر والشرع بالعمران. وعلى هذا الأساس فإنّ هذه المقالة لا تروم الوقوف عند ابن رشد باعتباره اسما كبيرا في سجلّ الفلاسفة المسلمين، بل تروم مساءلة بنيته النظرية في فهم التشريع والكشف عن الكيفية التي تتخلّق بها عنده فلسفةٌ ضمنيةٌ للقانون، قوامها ردّ الأحكام إلى عللها وردّ الاختلاف إلى أصوله وردّ النصوص إلى انتظامها العقليّ، بما يجعل من الفكر الأندلسيّ في شخص ابن رشد، أحدَ أرفع اللحظات التي بلغ فيها الوعي القانوني الإسلامي درجةً عاليةً من النضج البرهانيّ والتماسك المنهجيّ.
وليس من المبالغة في شيء أن يُقال إنّ الحديث عن ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليس حديثا عن فقيهٍ مارس الاجتهاد في إطار مدرسةٍ مذهبيةٍ فحسب، ولا عن فيلسوفٍ حاول التوفيق بين الحكمة والشريعة على نحوٍ دفاعيٍّ محض، بل هو حديثٌ عن عقلٍ أندلسيٍّ بلغ من النضج المنهجي مبلغا جعله يقف عند نقطةٍ دقيقةٍ وحاسمةٍ في تاريخ الفكر الإسلامي، النقطة التي يتحوّل فيها الفقه من مجرد استيعابٍ للأحكام إلى وعيٍ ببنية الحكم، ويتحوّل فيها التشريع من حفظٍ للفروع إلى إدراكٍ لمبادئ إنتاجها، ويغدو فيها الخلاف الفقهي لا علامةَ اضطرابٍ في النص، بل أثرا مشروعا لتعدّد طرائق النظر في علل النصوص ومقاصدها ومجالات تنزيلها. إنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا ينبغي أن تُلتمس فقط في نصوصه الفلسفية الصريحة من قبيل فصل المقال ولا فقط في ردوده الكلامية الجدلية في تهافت التهافت، وإنما ينبغي أن تُستخرج كذلك – وربما أساسا – من بنيته الفقهية العميقة كما تتجلّى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ذلك الكتاب الذي لا يقدّم فقها مقارنا بالمعنى المدرسي المتأخر فحسب، بل يقدّم في الحقيقة ما يمكن أن نسمّيه، نظريةً عقليةً في فهم التشريع أو ميتافيزيقا خفيّةً للاجتهاد، أو هندسةً إبستمولوجيةً للاختلاف القانوني.
ولعلّ ما يجعل ابن رشد في هذا الباب متفرّدا أنّه لم يتعامل مع القانون الشرعي بوصفه جملةً من الأوامر والنواهي الملقاة على الذمة في صورةٍ نهائيةٍ مغلقة، بل نظر إليه بوصفه نظاما معرفيا مركّبا تتداخل فيه النصوص والعلل والقياسات والمصالح والأعراف ومراتب الخطاب وتفاوت المدارك الإنسانية. ومن هنا كان التشريع عنده فعلاً عقلانيا منضبطا، لا لأنّ العقل يعلو على النصّ من حيث الأصل، بل لأنّ النصّ نفسه لا يستغني عن العقل في الفهم ولا يستقيم تنزيله إلا به ولا يُحسن حمله على مقاصده إلا من خلاله. وهذه الفكرة على بداهتها في ظاهرها، كانت في عمقها انقلابا على صورتين معا، صورة الفقيه الذي يغرق في الجزئيات حتى يضيع منه الكلي، وصورة المتكلم الذي يتوه في الجدل حتى يغيب عنه نظام الواقع، وصورة الفيلسوف – إن وُجد – الذي يظلّ أسير الكليات المجرّدة دون أن يلامس حرارة الوقائع وأعباء الأحكام.
إنّ ابن رشد ليس مجرد شارحٍ لأرسطو كما درجت بعض الاختزالات الاستشراقية أو التبسيطات المدرسية على تصويره، بل هو – في الحقل القانوني خصوصا – باني نسقٍ تأويليٍّ واجتهاديٍّ يردّ الفروع إلى أصولها ويُرجع الاختلاف إلى علله ويستبدل بعرض الأقوال المتراكمة منطقا كاشفا عن أسبابها. وقد لاحظت دراسات معاصرة أنّ خصوصية بداية المجتهد لا تكمن في كثرة الأقوال التي يجمعها، بل في كونه يعمد إلى تفسير أسباب اختلاف الفقهاء وردّها إلى قواعدها الكلية حتى يغدو المجتهد قادرا على مواجهة النوازل المستجدّة انطلاقا من فهم الآليات المنتجة للحكم لا من مجرد حفظ ما قيل في نظائرها . وهذا بالذات هو المدخل الصحيح إلى فلسفة القانون عنده، ليس القانون عند ابن رشد مجموعةَ نتائج، بل هو مسارُ إنتاجٍ عقلانيٍّ للنتائج.
إنّ أول ما ينبغي تقريره هو أنّ السؤال القانوني عند ابن رشد ليس سؤالا فقهيا ضيقا، بل هو سؤالٌ إبستمولوجيٌّ في المقام الأول. إنّه لا يسأل: ما الحكم؟ إلا ليعقبه بسؤالٍ أعمق: لماذا اختلفوا في الحكم؟ وما منشأ الاختلاف؟ وهل هو ناشئٌ عن تفاوتٍ في ثبوت الدليل أم عن اختلافٍ في فهم الدلالة أم عن تعارضٍ بين ظاهرٍ ومعنى أم عن تباينٍ في اعتبار القياس أم عن اختلافٍ في تحقيق المناط أم عن تردّدٍ بين أصلين؟ وهذا التحويل للسؤال من النتيجة إلى الآلية هو جوهر العقل القانوني الحديث قبل أن يكون جوهر العقل الفقهي الكلاسيكي. فإذا كانت فلسفة القانون المعاصرة قد جعلت من سؤال “مصدر الإلزام” و“بنية التأويل” و“علاقة القاعدة بالواقعة” أسئلةً مركزيةً، فإنّ ابن رشد كان قد مارس هذه الأسئلة – وإن بلغة عصره ومفاهيمه – ممارسةً عميقةً في قلب التراث الفقهي ذاته.
وليس عبثا أن يُفتتح النظر في ابن رشد من خلال استحضار خلفيته المركّبة: فهو قاضٍ وفقيهٌ مالكي وأصوليّ وطبيب وفيلسوف ومفسّرٌ لأرسطو ومشتغلٌ بالكلام والمنطق والطبائع. وهذه التعددية المعرفية لم تكن زخرفا ثقافيا، بل هي التي مكّنته من تجاوز الأحادية المنهجية. لقد كان يعرف – بوصفه فقيها – أنّ الحكم لا يستخرج من النصّ بآلةٍ واحدة، وكان يعرف – بوصفه منطقيا – أنّ الاستدلال درجات وأنّ البرهان غير الجدل وأنّ الإقناع غير اليقين، وكان يعرف – بوصفه قاضيا – أنّ الوقائع لا تُشبه القوالب دائما وأنّ العدالة لا تتحقق بآليةٍ صمّاء، وكان يعرف – بوصفه فيلسوفا – أنّ الوجود نفسه منتظمٌ على عللٍ وروابط، وأنّ إنكار السببية يفضي إلى انهيار إمكان العلم. لذلك لم يكن غريبا أن يتشكّل لديه تصورٌ للتشريع يقوم على أنّ القانون ليس قهرا للنصوص على الوقائع ولا إخضاعا للوقائع لأوهام الفقهاء، بل هو بحثٌ عن المعقول في المنقول وعن النظام في الاختلاف وعن المناسبة بين الكليّ الشرعيّ والجزئيّ الواقعيّ.
وإذا كان هانس كلسن قد أراد في العصر الحديث أن يؤسس “نظرية خالصة للقانون” تفصل القانون عن الأخلاق والدين والسياسة من أجل صرامةٍ معيارية، وإذا كان هربرت هارت قد أعاد تعريف القانون من خلال “قاعدة الاعتراف” وبنية النظام القاعدي، وإذا كان رونالد دوركين قد تمسّك بأنّ القانون لا يُفهم فقط من خلال القواعد بل من خلال المبادئ أيضا؛ فإنّ ابن رشد – ضمن أفقٍ حضاريٍّ مختلف – يقدّم لنا إمكانا آخر: قانونٌ شرعيٌّ لا ينفصل عن الأخلاق، لكنه لا يذوب فيها؛ يستند إلى النصّ لكنه لا يكتفي بظاهره؛ يعترف بالسلطة المعيارية للوحي، لكنه يجعل العقل آلةَ الكشف عن انتظامها ومجالاتها ومقاصدها. ولعلّ عبارة أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس ما تزال هنا ذات دلالة: “العدل هو الفضيلة الكاملة ولكن لا إطلاقها بل في علاقتنا بالغير.” فالقانون عند ابن رشد ليس مجرد حدٍّ للواجب، بل هو ترتيبٌ للعلاقات الإنسانية على مقتضى العدل الممكن، والعدل هنا لا يُنال إلا بفهم الغايات والعلل والمراتب.
إنّ المدخل الرشدي إلى التشريع يقوم في جوهره على رفض صورتين متقابلتين من الانحراف: صورة الحرفية الجامدة وصورة العقلانية المنفلتة. فالحرفية الجامدة تُحوّل النصّ إلى سطحٍ لفظيٍّ يُستنفد في ظاهره وتتعامل مع الشريعة كأنّها مخزنُ جزئياتٍ لا نظامَ لها إلا التكرار؛ والعقلانية المنفلتة تُغري صاحبها بتجاوز بنية الخطاب الشرعيّ نفسه، فتجعله يؤسّس الحكم من خارج اللغة التشريعية ومن خارج مقاصدها التداولية. أمّا ابن رشد فإنه يشتغل في المنطقة الوسطى الصعبة، لا يتخلّى عن النص ولا يسلّم له تسليما آليا؛ لا يقدّس المذهب ولا يهدمه هدما اعتباطيا؛ لا ينكر الاختلاف ولا يحتفل به لذاته؛ بل يسعى إلى عقلنة الاختلاف وضبطه وتحويله من فوضى أقوال إلى خريطة أصول.
ومن هنا كانت القيمة الفلسفية الكبرى لكتاب بداية المجتهد. فهذا الكتاب في حقيقته ليس مجرد مدونةٍ في الفقه المقارن، بل هو تدريبٌ منهجيٌّ على النظر القانوني. إنّه يعلّم القارئ كيف ينتقل من الحكم إلى علّته، ومن العلّة إلى أصلها ومن الأصل إلى شبكة العلاقات التي تفسّر ظهور الخلاف. وفي هذا المعنى يقترب ابن رشد من ذلك الذي قاله مونتسكيو بعد قرون في روح القوانين: “القوانين في أوسع معانيها هي العلاقات الضرورية الناشئة عن طبيعة الأشياء.” والحق أنّ ابن رشد – وإن لم يقلها بهذا اللفظ – فهو يمارسها بالفعل، فالأحكام عنده لا تُفهم بوصفها معزولةً عن طبيعة موضوعاتها ولا عن عللها ولا عن أسباب اختلاف النظار فيها. إنّه يبحث عن “روح الحكم” قبل أن يكتفي بلفظه، وعن “بنية الخلاف” قبل أن يحفظ أطرافه.
وليس خافيا أنّ هذا المسلك يقتضي إيمانا عميقا بمشروعية العلّية في المجالين معا، مجال الطبيعة ومجال التشريع. ولئن اشتهر ابن رشد في تهافت التهافت بدفاعه عن السببية الطبيعية ورده على النزعات التي تؤدي إلى تقويض انتظام العالم، فإنّ هذا الدفاع ليس منفصلا عن منطقه القانوني. فمن ينكر العلل في الكون يصعب عليه أن يؤسس علما، ومن يضعف اعتبار العلل في الأحكام يصعب عليه أن يؤسس اجتهادا. ذلك أنّ الفقه الذي يكتفي بالمنطوق دون المعقول يشبه في بعض وجوهه فلسفةً تنكر أنّ النار تحرق بطبعها. وكما رأى ابن رشد أنّ نفي الأسباب يفضي إلى السفسطة في معرفة العالم، يمكن أن يُقال في روحه إنّ نفي المعاني الجامعة والعلل المؤثرة في الفقه يفضي إلى نوعٍ من السفسطة العملية في معرفة الحكم. فالقانون لكي يكون معقولا لا بد أن يقوم على روابط قابلة للفهم وعلى انتقالات استدلالية لا تكون اعتباطية.
وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد ينظر إلى الخلاف الفقهي على أنّه عيبٌ في الشريعة، بل على أنّه أثرٌ طبيعيٌّ لاختلاف المدارك والأدلة وطرائق الاستدلال. وهذه الفكرة إذا أُحسن فهمها، ستُعدّ من أكثر أفكاره القانونية حداثةً وعمقا. فالاختلاف عنده ليس فوضى بل بنية. وليس انقساما عبثيا، بل نتيجةً لاختلافٍ في أصول النظر. وقد نبهت الدراسات الحديثة إلى أنّ مشروعه في بداية المجتهد يقوم تحديدا على ردّ هذا الاختلاف إلى أسبابه المنهجية، بحيث يصير الفقه علما بآليات الترجيح والتخريج، لا مجرد سجلٍّ للخلافات الموروثة . ويلتقي ابن رشد هنا – من حيث لا تاريخيا بل منهجيا – مع ذلك التمييز الذي سيصنعه لاحقا ماكس فيبر بين العقلانية الصورية والعقلانية المادية، فابن رشد لا يريد للفقه أن يكون شكلا خالصا بلا مقاصد ولا مادةً أخلاقيةً بلا نظام، بل عقلانيةً مركّبةً يتداخل فيها البناء الشكلي للاستدلال مع الحسّ المقصديّ للعدالة.
وإذا كان من الضروري التنبيه إلى شيءٍ هنا، فهو أنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا تعني أنّه كتب نظريةً مستقلةً في القانون على الطريقة الحديثة كما فعلت الفلسفات القانونية الأوروبية منذ العصر الحديث، بل تعني أنّ نصوصه – وخاصةً الفقهية والأصولية والفلسفية المتصلة بالشريعة – تشتمل على تصوّرٍ ضمنيٍّ متماسك لطبيعة التشريع ومصادره ومراتب خطابه وحدود التأويل فيه ووظيفة العقل في فهمه وشروط المجتهد الذي يمارسه. وهذه العناصر إذا اجتمعت تكوّن ما يجوز تسميته بحقّ: فلسفةً للقانون حتى وإن لم تُسمَّ بهذا الاسم.
إنّ من أبرز ما يكشف عنه هذا التصور الرشدي ما قرّره في فصل المقال من أنّ النظر البرهاني ليس أمرا أجنبيا عن الشريعة، بل إنّ الشريعة نفسها قد ندبت إليه بل أوجبته على من كان أهلاً له. فالنصّ الرشدي هنا لا يدافع عن الفلسفة من خارج القانون بل من داخله، إنّه يصوغ علاقة الحكمة بالشريعة بصياغةٍ قانونيةٍ أصلاً. لقد نظر في حكم الفلسفة من جهة الشرع وانتهى إلى أنّ الاعتبار العقلي في الموجودات – لمن استكمل شروطه – داخلٌ في مقتضى الأمر الشرعي بالنظر. وتصف المصادر الحديثة فصل المقال بأنه رسالةٌ “فقهية-فلسفية” تؤكد أنّ البرهان الفلسفي لا يتعارض مع الشريعة وأنّ التعارض الظاهري بينهما يُرفع بالتأويل عند أهله، وأنّ الناس متفاوتون في قدراتهم بين الخطابيّ والجدليّ والبرهانيّ . وهذه الفكرة ليست قضيةً نظريةً عامةً فحسب؛ إنها تمسّ صميم فلسفة القانون عنده لأنّها تعني أنّ الخطاب الشرعي ليس أحاديّ الطبقة، وأنّ القانون لا يُخاطب الناس جميعا بالطريقة نفسها من حيث الإدراك، وإن كان يلزمهم من حيث الامتثال بحسب وسعهم.
وهذا التفريق بين مراتب الإدراك له أثرٌ بالغ في فهم القانون. فالنصّ القانوني – في كل حضارة – لا يعيش في فراغٍ لغويّ، بل يتوجّه إلى متلقّين متفاوتين. وقد أدرك ابن رشد هذه الحقيقة مبكرا، فهناك من يكتفي بالظاهر الخطابي وهناك من يتدرّب على الجدل وهناك من يبلغ رتبة البرهان. إنّ فهم النصوص ليس فعلا ديمقراطيا من حيث الكفاءة المعرفية، وإن كان التشريع موجّها من حيث الأصل إلى عموم المكلفين. هنا تظهر نخبوية ابن رشد المعرفية ولكنها ليست نخبويةً طبقيةً أو سلطويةً بالمعنى المبتذل، بل هي اعترافٌ بأنّ صناعة الحكم ليست متاحةً لكل من حفظ ألفاظ النصوص، بل لمن ملك آلة النظر فيها. وكأنّنا بإزاء صياغةٍ مبكرة لما سيقوله لاحقا بعض فلاسفة التأويل القانوني من أنّ تطبيق القانون ليس تكرارا آليا للنصّ، بل ممارسةٌ تتطلب كفاءةً في فهم اللغة والغايات والسياقات.
وهذا يقودنا إلى عنصرٍ آخر بالغ الأهمية في فلسفة القانون عند ابن رشد وهو عنصر التأويل. فالتأويل عنده ليس مناورةً لاهوتيةً لإنقاذ الفلسفة من سلطة النصّ، كما توهّم بعض القراءات السطحية، بل هو ضرورةٌ قانونيةٌ وفكريةٌ معا. ذلك أنّ النصّ الشرعي – بما هو خطابٌ موجّهٌ إلى الناس كافة – لا يمكن أن يُختزل في مستوىً واحدٍ من الدلالة. وقد يحدث أن يقوم البرهان اليقيني على معنىً لا يسع ظاهر النصّ حمله على وجهه الأول، فحينئذٍ يكون الانتقال إلى التأويل المشروع من وظائف أهل النظر. غير أنّ ابن رشد يضع لهذا الباب ضوابط صارمة، ليس كلّ تعارضٍ متوهَّم مبرّرا للتأويل وليس كلّ قارئٍ مؤهّلا له، وليس كلّ معنىً يجوز بثّه للعامة. إنّها نظريةٌ في “تدبير الحقيقة” داخل المجتمع بقدر ما هي نظريةٌ في فهم النص. وإذا شئنا لغةً معاصرةً قلنا: إنّ ابن رشد يؤسس لفكرة أنّ القانون ليس فقط ما يُقال بل أيضا ما يُفهم وأنّ الفهم نفسه محكومٌ بقواعد اختصاصٍ ومسؤولية.
وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا كثيرا في مساحة التأويل وحدوده، فإنّ خصوصية ابن رشد أنّه يربطه بالبرهان لا بالهوى وبالاختصاص لا بالذوق وبحفظ النظام العامّ العقديّ والاجتماعيّ لا بإثارة الفوضى. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى سيولةٍ تأويلية بل إلى انضباطٍ تأويلي. إنّها تعترف بأنّ النصوص قابلةٌ لمراتب من الفهم، لكنها لا تُسقط هيبة الظاهر ولا تفتح الباب أمام العبث. وهذا التوازن من أدقّ ما في مشروعه، لأنه يبيّن أنّ العقل عنده ليس قوّةَ هدمٍ للنظام التشريعي، بل أداةُ حفظٍ له من الجمود والتناقض وسوء الفهم.
إنّ تأمل البنية الرشدية في بداية المجتهد يكشف عن نزوعٍ واضح إلى بناء “عقل قانوني مقارن”. والمقارنة هنا ليست غايةً وصفيةً، بل وسيلة لاكتشاف منطق التشريع. إنّ ابن رشد حين يعرض أقوال المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لا يفعل ذلك ليُشبع فضول القار ولا ليمنحه خريطةً مدرسيةً للخلاف، بل ليُدرّبه على إدراك أنّ وراء كلّ قولٍ بنية استدلالية ومقدمات وأصولا. وهذا في ذاته انتقالٌ من سلطة “المذهب” إلى سلطة “الحجة”. وقد يكون من أبلغ ما يُقال هنا ما رُوي عن الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” فابن رشد وإن لم يكن شافعيا في المذهب، فإنه يستبطن هذه الروح المعرفية، الأحكام ليست أوثانا والمذاهب ليست جزرا مغلقة والحقّ في الفروع يُطلب بالاجتهاد والترجيح لا بمجرد الوراثة المدرسية.
إنّ هذا الوعي المقارن يجعل من فلسفة القانون عند ابن رشد فلسفةً ضدّ الوثوقية الفقهية لا ضدّ الفقه نفسه. فهو لا يرفض المذاهب، لكنه يرفض أن تتحوّل إلى بدائل عن العقل. ولا يرفض التقليد في موضعه لكنه يرفض أن يصبح عجزا بنيويا عن النظر. وتتضح في هذا السياق قيمة عنوان كتابه نفسه: بداية المجتهد ونهاية المقتصد. فالبداية هنا ليست بدايةَ الطالب في الحفظ، بل بدايةُ المجتهد في الفهم، والنهاية ليست نهايةَ الفقيه في الاستقصاء، بل نهايةُ المقتصد الذي يكتفي بما يقيم عمله. وفي هذا العنوان وحده فلسفةٌ كاملة، التشريع مجالٌ يتفاوت الناس فيه بحسب أهليتهم، والفقه ليس طبقةً واحدةً من التلقي بل درجات.
ولئن كان كثيرٌ من الدارسين قد ركّزوا على ابن رشد بوصفه رمزا للتوفيق بين الدين والفلسفة، فإنّ التركيز على هذا الجانب وحده يُفوّت علينا البعد الأخصب في مشروعه، وهو كونه قد حاول – في قلب الممارسة الفقهية ذاتها – أن يؤسس لعقلانيةٍ قانونيةٍ حقيقية. وهذه العقلانية ليست عقلانيةً علمانيةً بالمعنى الحديث ولا هي عقلانيةٌ نصّيةٌ مغلقة، بل عقلانيةٌ أصوليةٌ برهانيةٌ مقاصديةٌ منضبطة. وهنا أمكن لبعض الدراسات الحديثة أن تتحدث عن إمكان استلهام مشروعه بوصفه نموذجا لـ“شريعة حيّة” أو لفقهٍ قادرٍ على إنتاج مبادئ قانونية من خلال تحليل الأحكام الموروثة لا من خلال تكرارها الآليّ .
وإذا كان القانون في أحد تعريفاته الكبرى هو ذلك الجهد الإنسانيّ لتنظيم الممكن البشريّ تحت أفق العدالة، فإنّ ابن رشد يمثّل لحظةً فارقةً في التاريخ الإسلامي لأنّه جعل من الفقه علما بالكيفيات التي يُنتج بها هذا التنظيم، لا مجرد علمٍ بما استقرّ منه. إنّه ينقل الفقيه من حافظٍ للأجوبة إلى باحثٍ في شروط السؤال، ومن ناقلٍ للنتائج إلى محلّلٍ لآليات توليدها ومن تابعٍ للمذهب إلى ناظرٍ في مناطاته. وهذا ما يمنح مشروعه بعدا فلسفيا حقيقيا، إنه لا يسأل فقط “ماذا قال الفقهاء؟” بل “كيف يمكن أن نفكر مثلهم – أو أفضل منهم – في ضوء أصولهم ونصوصهم وعللهم؟”.
إنّ قراءة فلسفة القانون عند ابن رشد لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية “العقل والنقل” السهلة، لأنّ هذه الثنائية – على شيوعها – كثيرا ما تحجب أكثر مما تكشف. فابن رشد لا يضع العقل في مواجهة النقل، بل يجعله شرطا في حسن تلقيه، ولا يضع الشريعة في خصومةٍ مع البرهان، بل يجعل البرهان من مقتضيات فهمها لمن استجمع آلته. إنّ القضية عنده ليست أيهما أولى؟ بل كيف يعمل كلّ منهما في مجاله وكيف يُرفع التعارض المتوهَّم بينهما وكيف يُبنى نظامٌ معرفيٌّ وتشريعيٌّ لا يتناقض فيه الحقّ مع الحقّ ?. ولذلك فإنّ عبارته الضمنية الكبرى التي يمكن استخراجها من مجموع مشروعه هي أنّ الحقيقة لا تضادّ الحقيقة وأنّ الشريعة – إذا كانت حقا – لا يمكن أن تأمر بما يناقض البرهان اليقيني كما أنّ البرهان – إذا كان برهانا حقا – لا يمكن أن يفضي إلى إبطال مقاصد الوحي.
وفي هذا المعنى يكون ابن رشد وريثا ناضجا لأرسطو من جهة الصرامة المنهجية، ووارثا مجدّدا للفقه الإسلامي من جهة إعادة بنائه على أصوله الحية، وناقدا ضمنيا لكثيرٍ من مظاهر الانحباس المذهبي في عصره. لقد أدرك أنّ الشريعة إذا تحوّلت إلى متونٍ محفوظةٍ بلا علل فإنّها تفقد قدرتها على الحياة؛ وأنّ العقل إذا انفصل عن نظام الخطاب الشرعيّ فإنّه يفقد شرعيته التداولية داخل الأمة؛ وأنّ الفقه إذا استغرق في الفروع حتى ينسى الأصول فإنه يُنتج مجتهدين في النقل لا في النظر.
وتبرز أهمية هذه القراءة هنا حيث إنّ ابن رشد لا يقدّم لنا “فقها عقلانيا” بمعنى التخفف من النصوص، بل يقدّم “عقلانيةً فقهية” بمعنى التمكّن من النصوص بردّها إلى قوانين اشتغالها. وهذه التفرقة دقيقةٌ وحاسمة. فكم من مشروعٍ معاصرٍ أراد أن يحدّث الفقه ففكّك سلطته المعيارية، وكم من مشروعٍ آخر أراد أن يحفظ الفقه فجمّد حيويته. أمّا ابن رشد فإنّه يعلّمنا أنّ الحفظ الحقيقيّ للشريعة لا يكون إلا بتجديد آلة النظر فيها وأنّ الوفاء للنصوص لا يكون إلا بإحياء العقول التي تُحسن فهمها.
ولذلك فإنّ المدخل الأوفى إلى فلسفة القانون عنده هو أن نراه لا بوصفه فيلسوفا كتب في الفقه ولا فقيها استعان بالمنطق، بل بوصفه عقلا بنى جسورا دقيقةً بين البرهان والتشريع، بين النصّ والتأويل، بين الخلاف والقاعدة، بين المذهب والاجتهاد وبين الظاهر والمعقول. وهذه الجسور هي التي تجعل مشروعه صالحا لأن يُقرأ اليوم لا على سبيل الإعجاب التاريخي وحده، بل على سبيل الاستئناف النظري أيضا.
إنّ ما يلفت النظر في التجربة الرشدية هو أنّها لا تتعامل مع الفقه بوصفه مخزنا للأحكام الجاهزة، بل بوصفه مجالا حيا تتحرك فيه قوى الاستدلال وتتفاعل فيه طبقات النصوص وتتزاحم فيه وجوه الدلالة وتتداخل فيه مقتضيات اللغة مع مقتضيات المقصد وتتعارض فيه أحيانا ظواهر الأدلة بما يستدعي صناعةً دقيقةً في الجمع والترجيح والتخريج. وقد كان ابن رشد في بداية المجتهد أشبه بمن يرسم خريطةً داخليةً للعقل الفقهي لا بمن يجمع أرشيفا للخلاف. فالقيمة الكبرى في هذا الكتاب لا تكمن في اتساع مادته وحده، بل في أنّه يُعيد ترتيب هذه المادة على نحوٍ يكشف عن هندسة التشريع نفسها. إنّه يجرّد الفقه من كسائه المدرسيّ الذي يغلب عليه التلقين، ليُظهر ما وراءه من بنيةٍ عقليةٍ دقيقة وكأنّه يردّ الأحكام إلى ما يشبه “قواعد توليدها” الكامنة.
وهنا بالذات يتجلى البعد الفلسفي العميق، فابن رشد لا يتوقف عند حدّ السؤال عن الحكم الشرعي بل يُصرّ على سؤالٍ أكثر خطورة، بأيّ آلةٍ أمكن إنتاج هذا الحكم؟ وما حدود صلاحية هذه الآلة؟ ومتى تكون النتيجة لازمةً عنها ومتى تكون محتملةً؟ إنّه يشتغل بلغةٍ معاصرة على “منطق إنتاج المعيار”، لا على المعيار في صورته الساكنة فقط. وهذا ما يجعل مشروعه أقرب إلى فلسفة القانون منه إلى الفقه التقليدي بالمعنى الضيق. فالقانون عنده ليس أمرا يُلقى على الذمم في صورةٍ نهائيةٍ لا تُسأل، بل بناءٌ استدلاليٌّ له مقدماتٌ وله درجاتٌ في القوة وله عللٌ في التأسيس وله شروطٌ في التطبيق.
ولعلّ من أنفذ المفاتيح إلى هذا البناء هو مفهوم الاجتهاد ذاته. فابن رشد لا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه شجاعةً ذهنيةً أو قدرةً على الترجيح بين الأقوال فحسب، بل بوصفه مرتبةً معرفيةً تستلزم القدرة على النفاذ إلى أصول الخلاف، وفهم مدارك الأحكام وتقدير قوة الأدلة والتمييز بين ما هو تعبديٌّ محضٌ لا يتجاوز مورده وما هو معقول المعنى يُتعدّى به إلى غيره.
إنّ المجتهد عنده ليس حافظا للنصوص بل قارئا لبنية النصوص؛ وليس ناقلا للمذهب بل قادرا على استئناف النظر في ضوء المذهب وخارجه عند الاقتضاء؛ وليس تابعا لنتائج السابقين، بل محللا لشروط إمكان تلك النتائج. وهذا يذكّرنا بما قاله أرسطو في التحليلات الثانية من أنّ العلم الحقّ لا يتحقق بمعرفة أنّ الشيء هو كذلك فحسب، بل بمعرفة “لماذا هو كذلك”. والحق أنّ ابن رشد ينقل هذا المبدأ الأرسطي إلى قلب الفقه، لا يكفي أن تعرف أنّ الحكم كذا بل ينبغي أن تعرف لماذا قيل به وعلى أيّ أصلٍ بُني وبأيّ وجهٍ رجّح على غيره؟.
وتتبدّى العلاقة العضوية بين فلسفة القانون عند ابن رشد وعلم أصول الفقه. غير أنّ ابن رشد لا يشتغل على الأصول باعتبارها علما مستقلا منفصلا عن الفروع، كما صنع بعض الأصوليين الذين بالغوا في التجريد حتى صار علمهم أقرب إلى هندسةٍ ذهنيةٍ لا تلامس حرارة الوقائع؛ بل يُعيد الأصول إلى وظيفتها الحقيقية، وهي أن تكون آلةً لتفسير نشأة الحكم ووسيلةً لفهم أسباب الاختلاف وجسرا بين النصّ والنازلة. ولذلك فإنّ قراءته للأصول ليست قراءةً مدرسيةً صرفة، بل قراءةٌ تشغيليةٌ إن صحّ التعبير، تضع القاعدة في محكّ الاستعمال. وهذا ما يمنحها خصوبةً نادرة، فالأصول عنده ليست مجرد مباحث في الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، بل هي – قبل ذلك وبعده – نظامٌ لفهم كيف يعمل القانون داخل اللغة والواقع.
ومن أهمّ ما يُبرز هذه العقلانية الأصولية عنده تعامله مع العلّة. فالعلّة في التجربة الرشدية ليست حيلةً فنيةً للعبور من المنصوص إلى غير المنصوص، بل هي جوهر المعقولية التشريعية نفسها. فإذا كان الحكم الشرعي لا يُدرك على أنه مجرد تعيينٍ اعتباطيٍّ للواجب أو الممنوع، فإنّ ذلك لأنّ وراءه معنىً مناسبا أو مصلحةً مرعيّةً أو وصفا مؤثرا أو نظاما مقصودا في ترتيب حياة الناس. والعلّة ليست مجرد اصطلاح أصوليّ بل هي الممرّ الذي تعبر منه الشريعة من النصّ إلى العالم ومن الحرف إلى الحياة ومن الخطاب إلى النظام.
إنّ كلّ فقهٍ يفقد حسّه بالعلّة مآله إلى الجمود، وكلّ عقلٍ قانونيٍّ ينكر المعنى وراء الحكم ينتهي إلى التبعية الصمّاء أو إلى التناقض العمليّ. وقد أدرك ابن رشد هذا بوضوح. لذلك لا يكتفي بذكر القياس بل يشتغل على منطقه الداخلي وعلى شروط صحته وعلى إمكانه وعلى ما يبرر نقل الحكم من محلٍّ إلى آخر. وهذا ما يجعل من فلسفة القانون عنده فلسفةً في “قابلية التشريع للتوسّع المعقول”. فالنصوص محدودة والوقائع غير متناهية والحياة أوسع من المدوّنات ومن ثمّ فإنّ بقاء الشريعة حيّةً يقتضي أن يكون في بنائها ما يسمح بتوليد أحكامٍ منضبطة لما يجدّ من النوازل. وهذا التوليد لا يكون بالهوى بل بالعلّة، ولا يكون بالتشهي بل بالقياس المنضبط، ولا يكون بالانطباع بل بتحقيق المناط.
وتتضح المسافة بين ابن رشد وبين كلّ نزعةٍ ظاهريةٍ صارمةٍ تُضيق من مجال المعقول في النصوص، أو تجعل القياس ضربا من التعدّي على سلطة الوحي. فابن رشد وإن كان لا يستخفّ بسلطة النصوص ولا يُهوّن من خطورة التوسع غير المنضبط، إلا أنّه يعلم أنّ إنكار المعقولية التشريعية يفضي في النهاية إلى نوعٍ من العبث المقنّع، لأنّ الفقيه الذي يمنع نفسه من إدراك العلل سيجد نفسه أمام وقائع لا يجد فيها نصا صريحا، فيضطر إما إلى التعطيل وإمّا إلى التحكّم باسم التوقّف. وكلاهما في النهاية ليس وفاءً للنصّ بل عجزٌ عن استثمار إمكاناته.
غير أنّ ابن رشد لا يسقط في الجهة المقابلة أي في اعتبار كلّ حكمٍ معلّلا تعليلا ظاهرا قابلاً للتعدية بلا قيد. فهنا تظهر دقته المنهجية. إنّه يميز – صراحةً أو ضمنا – بين ما يُعقل معناه وما يغلب فيه التعبد، وبين ما يُناط بمصلحةٍ ظاهرةٍ وما يرتبط ببنيةٍ شعائريةٍ أو توقيفيةٍ أشدّ خصوصية. وهذا التمييز من أهمّ ما في فلسفته القانونية؛ لأنّه يمنع من تحويل العقل إلى سلطةٍ استبداديةٍ فوق الشريعة، كما يمنع من تحويل الشريعة إلى قيدٍ يمنع العقل من أداء وظيفته. إنّه توازنٌ صعب لكنه هو سرّ الرشدية حقا، أن يكون العقل خادما للحقيقة لا متسلّطا عليها، وأن يكون النصّ هاديا للنظر لا حاجبا عنه.
وإذا كانت العلّة هي روح القياس فإنّ المصلحة هي الأفق الذي تُفهم فيه كثيرٌ من العلل. وليس من الدقة أن نقرأ ابن رشد كما لو كان منظرا صريحا للمقاصد على النحو الذي سيبلوره الشاطبي لاحقا، لكن من الظلم أيضا أن نغفل أن حسه الفقهي مشبعٌ بإدراكٍ قويٍّ للمعاني والمناسبات والغايات. إنّ طريقته في ردّ الخلافات إلى عللها وفي وزن الأقوال بحسب قوة مناسبتها وملاءمتها وفي اعتبار انتظام الأحكام داخل صورةٍ أوسع للعدل واليسر ودفع الضرر، كلّ ذلك يكشف عن عقلٍ لا يكتفي بحرف الحكم، بل يبحث عن جهته المقصودة. إنّ ابن رشد يهيّئ في عمق الممارسة الفقهية الأرضية التي ستزدهر عليها لاحقا النظرية المقاصدية بصورةٍ أكثر نسقيةً عند الشاطبي.
وليس مصادفةً أن يكون الفكر الأندلسي في بعض ذراه الكبرى، قد أنتج هذه الحساسية الخاصة تجاه انتظام الشريعة ومعقوليتها. فالأندلس بما كانت عليه من تداخل حضاريّ ومن احتكاكٍ بالتراث اليوناني ومن حيويةٍ مدنيةٍ وقضائيةٍ، لم تكن فضاءً يسمح بسهولةٍ باستمرار الفقه على صورة الحفظ وحده. كان لا بدّ من عقلٍ يفاوض الواقع ويصغي إلى تعقيد الاجتماع ويدرك أنّ القانون لا يعيش في الكتب بل في المحاكم والأسواق والمواريث والبيوع والخصومات والعهود. وهنا تظهر خلفية ابن رشد القضائية بوضوح. فالقاضي لا يملك ترفَ التجريد الخالص؛ إنّه يواجه الوقائع بما فيها من التباس ومن تفاوت ومن مقاومةٍ للقولبة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عند ابن رشد ليست تأملا ميتافيزيقيا محضا في ماهية التشريع، بل هي عقلانيةٌ عمليةٌ وُلدت من تماسّ مباشر مع الحاجة إلى الحكم.
ومن أخصب المواضع التي يتجلّى فيها هذا الحسّ العملي تعامله مع الاختلاف الفقهي. لقد كان يمكن لكتابٍ في الفقه المقارن أن يتحوّل بسهولةٍ إلى معجمٍ للخلافات لكن ابن رشد يرفض هذا المصير. إنّه لا يعرض الأقوال كما تُعرض الأشياء في خزائن العرض بل يعيدها إلى حركتها الأولى، أي إلى لحظة تشكّلها. وهذا في ذاته فعلٌ فلسفيّ. لأنّ الفلسفة في أحد معانيها الكبرى ليست حفظَ النتائج، بل رد النتائج إلى مبادئها. ولذلك فإنّ الخلاف عنده لا يُقدَّم على أنّه فضاءُ اضطراب، بل على أنّه أثرُ تباينٍ في مدارك الأدلة. ويصبح هنا علم الخلاف علما بالعقل الفقهي ذاته، لا مجرد فنٍّ في الإحاطة بالمذاهب.
وهذا الفهم للاختلاف بالغ الأهمية في فلسفة القانون المعاصرة أيضا. فالقانون مهما ادّعى الصرامة لا يُطبَّق في فراغٍ من التأويل، ولا يخلو من مناطق رمادية ولا يستغني عن القاضي أو الفقيه أو المفسّر الذي يُنزل القاعدة على الواقعة. وقد تنبّهت الفلسفة القانونية الحديثة إلى هذه الحقيقة في أعمال من قبيل دوركين وغيره، حيث لا يعود القانون مجرد مجموعة قواعدٍ ميكانيكية، بل شبكةً من مبادئ وقيمٍ وسوابق وتأويلات. وإذا كان السياق مختلفا جذريا، فإنّ ابن رشد قد سبق – داخل أفقه الخاص – إلى إدراك أنّ الحكم لا يُنتج من النصّ وحده، بل من النصّ كما يُفهم ومن النصّ كما يُوزن بغيره ومن النصّ كما يُقرأ في ضوء العلّة، ومن النصّ كما يُنزّل على واقعةٍ مخصوصة. ومن ثمّ فإنّ “الحقيقة القانونية” عنده ليست دائما حقيقةً نصيةً بسيطة، بل هي ثمرةُ مسارٍ استدلاليٍّ مركّب.
غير أنّ هذا الإدراك لا يدفعه إلى النسبية. وهذه نقطة حاسمة. فابن رشد لا يقول إنّ كلّ الأقوال سواء ولا إنّ الخلاف قيمةٌ في ذاته ولا إنّ تعدّد الفهوم يُبطل إمكان الترجيح. على العكس من ذلك، هو يكتب أصلا من أجل أن يُظهر أنّ الخلاف يمكن فهمه وأنّ الفهم يفضي إلى الترجيح وأنّ الترجيح ليس مزاجا بل صناعة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى تفكيك المعيار بل إلى إعادة بنائه على أسسٍ أوضح. إنّه يحرّر الفقه من الوثوقية لكنّه لا يذوبه في السيولة. يفتح باب الاجتهاد لكنّه لا يرفعه عن مفاصله. يعترف بالتعدّد لكنّه يطلب النظام داخل التعدّد.
وهنا نصل إلى عنصرٍ لا يقلّ مركزية وهو التأويل القانوني. لقد شاع في كثيرٍ من القراءات السطحية أنّ التأويل عند ابن رشد مرتبطٌ فقط بالدفاع عن الفلسفة في وجه الظاهرية الكلامية أو الفقهية، غير أنّ هذا الفهم يُضيّق المسألة إلى حدّ الإخلال بها. فالتأويل عند ابن رشد أوسع من ذلك بكثير، إنّه مبدأٌ حاكمٌ للعلاقة بين ظاهر النصّ ومعناه الممكن، بين خطاب العموم وخطاب الخاصة، بين الدلالة المباشرة والدلالة التي يقتضيها البرهان، بين مقتضى اللغة ومقتضى الحقيقة. وهذا لا يخصّ مسائل الاعتقاد وحدها، بل يمسّ بنية النظر القانونيّ أيضا، لأنّ كثيرا من الأحكام لا تُفهم إلا بتمييزٍ دقيق بين ظاهر اللفظ وما يقتضيه مجموع الأدلة أو علل الأحكام أو سياقات الخطاب.
لكن التأويل عند ابن رشد ليس فضاءً مفتوحا بلا حراس. إنّه منضبطٌ بشروطٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ في آنٍ واحد. فليس كلّ أحدٍ مؤهّلا للتأويل، وليس كلّ نصٍّ محلا له، وليس كلّ تعارض ظاهر موجبا للعدول عن الظاهر، وليس كلّ معنىً يصلح للتداول العامّ. وهنا تظهر دقته – وربما حذره – في تدبير العلاقة بين الحقيقة والمعرفة والجمهور. قد يرى بعض المعاصرين في هذا نزوعا نخبويا حادا وربما كان كذلك من جهة، لكنّه من جهةٍ أخرى يكشف عن وعيٍ مبكرٍ بأنّ القانون والدين ليسا مجرد نظرياتٍ تُلقى في الفضاء العامّ دون نظرٍ إلى آثارها التداولية. إنّ المجتمعات لا تُدار بالحقائق المجرّدة وحدها بل بكيفية عرضها وبمراتب المتلقين وبحدود ما يحتمله النظام العامّ من التحوّلات في أنماط الفهم.
وهذا البعد السياسيّ الخفيّ في فلسفة القانون عند ابن رشد مهمٌّ للغاية. فهو لا يفصل التشريع عن العمران ولا النصّ عن الاجتماع ولا الحقيقة عن أثرها في النظام المدنيّ. ولعلّ صلته العميقة بأرسطو خاصةً في السياسة والأخلاق، تجعل هذا الأمر مفهوما. فالقانون ليس مجرد أمرٍ إلهيٍّ منزّهٍ عن شروط المدينة، بل هو أيضا نظامٌ لتدبير العيش المشترك. والعدل كما عند أرسطو لا يتحقق في النفس المجردة فقط، بل في علاقة الإنسان بالآخرين داخل الجماعة السياسية. لذلك فإنّ ابن رشد حين يفكّر في التشريع لا يفكّر في فردٍ معزولٍ أمام خطابٍ دينيّ، بل في مجتمعٍ يحتاج إلى نظام وإلى قضاء وإلى ضبطٍ للعقود والأنكحة والمواريث والحدود والمعاملات، وإلى توزيعٍ متوازنٍ بين حفظ الثوابت ومرونة التطبيق.
إنّ فلسفة القانون عنده تقاوم صورتين متقابلتين ما تزالان ماثلتين حتى اليوم، صورة القانون بوصفه نصا مقدسا لا يُفكَّر فيه، وصورة القانون بوصفه إرادةً بشريةً خالصةً لا مرجعية لها إلا القوة أو التوافق العابر. أمّا ابن رشد فإنه يقدّم تصورا ثالثا، قانونٌ يستمدّ سلطته من الوحي لكنّه لا يصير نافذا في العالم إلا بالعقل؛ قانونٌ له قداسةُ المصدر، لكنّ فاعليته متوقفةٌ على جودة الفهم؛ قانونٌ يعلو على الأهواء لكنّه لا ينجو من سوء التطبيق إلا بوجود طبقةٍ من أهل النظر القادرين على التمييز بين النصّ ومناطه، وبين الظاهر ومراد الشرع وبين الحكم في ذاته والحكم في ظرفه.
ويغدو من المشروع أن نقرأ ابن رشد بوصفه ممهدا – وإن بطريقٍ غير مباشر – لبعض ما سيتبلور لاحقا في الفكر المقاصديّ عند الشاطبي. فالشاطبي سيجعل المقاصد نظريةً أكثر تصريحا وتماسكا، وسيعطي للكلّيّ الشرعيّ حضورا أوضح في بناء الأحكام، غير أنّ ابن رشد قد سبق إلى ممارسة هذه الحساسية داخل الفقه نفسه. لقد كان في جوهره يفكّر في الأحكام من جهة انتظامها، وفي الخلاف من جهة معناه وفي النصوص من جهة معقوليتها وفي الاجتهاد من جهة كفاءته في وصل الجزئيّ بالكليّ. وإذا كان الشاطبي قد منحنا “فلسفة المقاصد” بصورةٍ أكثر نضجا اصطلاحيا، فإنّ ابن رشد منحنا قبل ذلك “عقلانية المقاصد” في مستوى التشغيل الفقهي.
غير أنّ الفرق بينهما أيضا كاشف. فابن رشد أقرب إلى عقلٍ تحليليٍّ تفكيكيٍّ يشرح أسباب الخلاف ويردّ الأحكام إلى أصولها، بينما الشاطبي أقرب إلى عقلٍ تركيبيٍّ بنائيٍّ يجمع الجزئيات في صورة كلياتٍ واضحة المعالم. ولذلك فإنّ قراءة ابن رشد اليوم لا ينبغي أن تكون فقط تمهيدا للشاطبي، بل اعترافا باستقلاليته الخاصة، فهو لا يشتغل على المقاصد بوصفها عنوانا، بل على المعقولية التشريعية بوصفها ممارسةً يوميةً داخل الفقه. وهذه ميزةٌ لا تقلّ قيمةً بل قد تكون – في بعض الوجوه – أشد قربا من سؤال فلسفة القانون كما نفهمه اليوم، لأنّها تنشغل بمسألة “كيف يُنتج الحكم؟” أكثر من انشغالها بصياغة نظريةٍ كليةٍ في الغايات.
وإذا وسعنا الدائرة قليلا أمكن أن نقول إنّ ابن رشد يمثّل داخل التراث الإسلامي لحظةً نادرةً التقت فيها ثلاثة أنماطٍ من العقل في شخصٍ واحد، العقل البرهاني والعقل الفقهي والعقل القضائي وهذه الثلاثية هي التي صنعت فرادته. فالعقل البرهاني يمنحه حسّ الاتساق وطلب العلل وكراهية التناقض والنفور من التعميمات الخطابية الفضفاضة. والعقل الفقهي يمنحه الحسّ بالنصوص وبمراتب الدلالات وبقيمة السوابق وبخطورة التسرّع في الإلغاء. والعقل القضائي يمنحه الشعور بوزن الواقع وبضرورة الحسم وبأنّ الناس لا يعيشون في المتون بل في المنازعات. ومن هذا التفاعل المركّب وُلدت فلسفة قانونية ذات طابعٍ خاص، ليست نظريةً تجريديةً معلّقةً فوق الحياة وليست فقها تقليديا غارقا في الجزئيات، بل هي عقلانيةٌ وسطى نادرة. وهذه الندرة هي ما يجعل استحضار ابن رشد اليوم أكثر من مجرد استدعاءٍ تراثيٍّ احتفالي. فنحن نعيش في كثيرٍ من البيئات الفكرية والقانونية العربية والإسلامية، توترا مزمنا بين نزعتين: نزعة تريد أن تحفظ النصوص فتجمّدها، ونزعةٍ تريد أن تحرّر العقل فتفكّك المرجعيات. وفي هذا المشهد يبدو ابن رشد شاهدا على إمكانٍ ثالث، إمكان أن يكون النص منبعا للعقل لا خصما له وأن يكون العقل خادما للشرع لا غريما له وأن يكون الاجتهاد حفظا للحيوية لا عدوانا على الثوابت، وأن يكون القانون مجالا للعدل لا مجرد جهازٍ للضبط.
بل إنّ الأهم من ذلك أنّ ابن رشد يعلّمنا درسا بالغا في التواضع المعرفيّ. فمع كلّ ما في مشروعه من ثقةٍ بالعقل فإن هذه الثقة ليست ادعاءً بالعصمة. إنّه يعترف بالخلاف ويشرح أسبابه ويقبل بإمكان تعدّد الوجوه ويميّز بين القطعي والظني ويعرف أن كثيرا من الفروع لا تحتمل يقينا واحدا قاهرا. وهذه الروح ضروريةٌ لكلّ فلسفة قانونية ناضجة. فالقانون الذي يزعم لنفسه الشفافية المطلقة يغدو أداةً للاستبداد كما أنّ القانون الذي يتخلّى عن أيّ معايير صلبة يغدو أداةً للفوضى. وابن رشد في أعمق ما فيه يسعى إلى بناء منطقةٍ وسطى، معيارية قوية لكن غير متعسّفة؛ عقلانية حازمة لكن غير متغطرسة؛ تأويل منضبط لكن غير خانق.
ولعلّ في هذا ما يفسر أيضا استمرارية حضوره في تاريخ الفكر الأوروبي الوسيط والحديث. فقد عُرف هناك في جانبٍ كبير بوصفه “المعلّق الأكبر” على أرسطو، لكنّ هذا اللقب – على وجاهته – يحجب جانبا آخر من فرادته، أنّه لم يكن مجرد ناقلٍ للبرهان الأرسطيّ، بل كان قادرا على إدخاله في صميم التفكير الديني والقانوني الإسلامي. وهذا عملٌ أعقد بكثير من مجرد الشرح. فالشرح قد يكون استعادةً أمينةً لفكر السابق، أمّا إدماج البرهان في بنيةٍ تشريعيةٍ دينيةٍ حية فهو فعلُ إبداعٍ حضاري. إنّ ابن رشد لا يُقرأ فقط بوصفه حلقةً في تاريخ الفلسفة، بل بوصفه لحظةً من لحظات نضج العقل القانوني في الحضارة الإسلامية.
إنّ التشريع ليس عند ابن رشد أمرا يُفهم بالسلطة وحدها بل بالمعنى؛ وليس بالنقل وحده بل بالنظر؛ وليس بالمذهب وحده بل بالحجة؛ وليس بالظاهر وحده بل بالبنية التي تجعل الظاهر معقولا ومنتظما وممكنَ التطبيق. إنّه باختصار يرد القانون إلى العقل دون أن ينتزعه من الوحي، ويرده إلى المقصد دون أن يفككه في النفعية، ويرده إلى الواقع دون أن يذيبه في البراغماتية.
إنّ استعادة ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليست ترفا أكاديميا ولا مجرّد ميلٍ إلى تزيين الخطاب المعاصر بأسماء التراث الكبرى بل هي في حقيقتها عودةٌ إلى إحدى اللحظات النادرة التي بلغ فيها العقل الإسلامي قدرةً استثنائيةً على مساءلة ذاته من داخلها، دون قطيعةٍ مبتذلةٍ مع الأصول ودون خضوعٍ مستسلمٍ لتراكمات المألوف. فابن رشد حين فكّر في الفقه لم يفكر فيه بوصفه صناعةً محفوظةً بل بوصفه فعلاً معرفيا حيا؛ وحين نظر في التشريع لم ينظر إليه بوصفه مدوّنةً مغلقةً من الأحكام، بل بوصفه نظاما عقلانيا تتساند فيه النصوص والعلل والمقاصد ومراتب الفهم؛ وحين واجه الخلاف لم يجعله لعنةً على الوحدة، ولا شعارا للتسامح السهل، بل جعله موضوعا للشرح والتحليل والضبط.
إنّ القيمة الحقيقية لفلسفة القانون عند ابن رشد لا تكمن فقط في أنّها قدمت نموذجا متقدما للتوفيق بين الحكمة والشريعة كما شاع في كثيرٍ من الأدبيات، بل في أنّها كشفت عن إمكانٍ أعمق وأخصب، إمكان أن يكون التشريع نفسه مجالا للعقلانية العليا وأن يكون الفقه علما بأسباب الأحكام لا بمتونها فقط وأن يكون الاجتهاد رتبةً في المعرفة لا مجرد وظيفةٍ في الإفتاء، وأن يكون النص الشرعي قابلا لأن يُقرأ على نحوٍ يزداد به اتساقا، لا أن يتحول إلى حقلٍ للتعارضات المصطنعة بين النقل والعقل.
لقد فهم ابن رشد بحدس الفقيه وصرامة الفيلسوف وخبرة القاضي، أن القانون لا يحيا بمجرد تعظيم النصوص بل بحسن تشغيلها؛ وأنّ هيبة الشريعة لا تُصان بتعطيل النظر بل بترشيده؛ وأنّ حفظ الدين لا يكون بإنكار التعقيد الذي يطرحه الواقع بل بامتلاك الأدوات التي تجعل من الشريعة قادرةً على النفاذ إلى هذا الواقع دون أن تفقد جوهرها. ولذلك فإنّ مشروعه – في أعمق طبقاته – ليس مشروع دفاعٍ عن الفلسفة أمام الفقه كما قد يُتوهم، بل هو مشروع إنقاذٍ للفقه من أن يفقد روحه العقلية، وإنقاذ للعقل من أن يتحول إلى خصمٍ للشرع بدل أن يكون آلةً لفهمه.
إنّنا حين نقرأ بداية المجتهد في ضوء هذا المنظور، لا نقرأ كتابا في الفقه المقارن فحسب، بل نقرأ تمرينا حضاريا رفيعا على كيف يُعاد بناء القانون من داخل اختلافاته. وحين نقرأ فصل المقال لا نقرأ مجرد رسالة في مشروعية الفلسفة بل نقرأ نصا يؤسس – على نحوٍ ضمنيٍّ عميق – لشرعية النظر البرهاني داخل المجال التشريعيّ نفسه. وحين نقرأ دفاعه عن السببية والعلّية في تهافت التهافت لا نقرأ فقط سجالا ميتافيزيقيا مع الغزالي، بل نقرأ دفاعا أوسع عن شرط إمكان كلّ علم ومنه علم الأحكام. إذ كيف يمكن لعقلٍ ينكر العلل في الوجود أن يطمئنّ إلى العلل في التشريع؟ وكيف يمكن لفكرٍ يرضى بالقطيعة بين الأسباب والنتائج في الكون أن يبني قانونا متماسكا في الاجتماع؟.
ويتجلّى وجهٌ آخر من عبقرية ابن رشد:، أنّ وحدته الفكرية أعمق من تصنيفات المؤرخين. فالفيلسوف عنده ليس منفصلا عن الفقيه، والقاضي ليس منفصلا عن الشارح، والمنطقي ليس منفصلا عن الأصوليّ. بل إن كل واحدٍ من هذه الوجوه يمدّ الآخر بما ينقصه، المنطق يحفظ الفقه من الفوضى والفقه يحفظ المنطق من التعالي العقيم، والقضاء يرد الاثنين معا إلى امتحان الواقع. ومن هذا التكامل وُلدت فلسفة قانونية لا تزال إلى اليوم قادرةً على إلهام كلّ من يبحث عن صيغةٍ تخرج من الثنائية العقيمة بين جمود التقليد وفوضى التحرر.
ولذلك فإنّ إعادة قراءة ابن رشد اليوم ليست دعوةً إلى استنساخه، ولا إلى تحويله إلى سلطةٍ تراثيةٍ بديلة، بل إلى استعادة منهجه، منهج رد الأحكام إلى أصولها ورد الخلاف إلى علله ورد النصوص إلى نظامها ورد العقل إلى حدوده ووظيفته معا. إن ما نحتاجه من ابن رشد ليس فقط أن نقول إنه كان عقلانيا، فهذه عبارةٌ شديدة الفقر إذا تُركت مجرّدة بل أن نفهم كيف كانت عقلانيته تعمل وفي أيّ مستوياتٍ كانت تتدخل وكيف كانت تضبط علاقتها بالوحي وبالمذهب وبالناس وبالواقع وباللغة وبالمقصد، ذلك أن العبرة ليست في الأسماء بل في البنى.
إنّ فلسفة القانون عند ابن رشد يمكن أن تُصاغ – في خلاصةٍ مركزة – ضمن أربع حقائق كبرى.
أولها : أنّ التشريع في جوهره ليس مجرّد خطابٍ آمِرٍ ناهٍ، بل بنيةٌ معقولةٌ لا تُفهم إلا برد الأحكام إلى عللها ومناسباتها ومقاصدها.
وثانيها : أنّ الاختلاف الفقهي ليس دليلَ اضطرابٍ في الشريعة، بل دليلُ غنى في مسالك النظر، شريطة أن يُرد إلى أصوله ويُضبط بمنطق الترجيح.
وثالثها : أنّ العقل ليس خصما للنصّ، بل شرطٌ في حسن تلقيه، غير أنّه عقلٌ منضبطٌ بالبرهان والاختصاص، لا عقلٌ متسيبٌ باسم الحداثة أو الجرأة.
ورابعها : أن القانون لا يحيا في الكتب وحدها، بل في المجتمع والقضاء والعمران، ولذلك فإن كل فهمٍ للتشريع لا يراعي شروط التطبيق ومآلاته هو فهمٌ ناقصٌ مهما بدا نقيا من جهة النظر.
إنّ ابن رشد يظل في تاريخ الفكر الأندلسي والإسلامي شاهدا على لحظةٍ نادرةٍ تواطأ فيها الفقه والفلسفة على خدمة العدالة بدل أن يتحاربا على شرعية الكلام عنها. ولعل هذا هو سر راهنيته العميقة، أنّه يذكرنا بأن القانون متى انفصل عن العقل صار آلة للجمود؛ ومتى انفصل عن القيم صار آلةً للقهر؛ ومتى انفصل عن الواقع صار أثرا متحفيا؛ ومتى انفصل عن النص في السياق الإسلامي فقد شرعيته الرمزية والحضارية. أما حين تتعانق هذه العناصر على نحوٍ راشد فإنّ التشريع يغدو كما أراده ابن رشد ضمنا، صورةً من صور الحكمة العملية التي تنشد العدل في عالمٍ ناقص وتطلب النظام دون أن تقتل الحياة وتُعلي من سلطة الحق دون أن تُلغي تعقيد الإنسان.
وفي هذا المعنى الأخير لا يصير ابن رشد مجرد اسمٍ من أسماء التراث، بل يصبح سؤالا مفتوحا على الحاضر: كيف نعيد بناء العقل القانوني في ثقافتنا؟ وكيف نحرر الفقه من عبادة نتائجه دون أن نسقط هيبة أصوله؟ وكيف نعيد الاعتبار للاجتهاد بوصفه كفاءةً معرفيةً ومسؤوليةً حضارية لا مجرد شعارٍ يُرفع في وجه الخصوم؟ وكيف نصوغ قانونا يستمدّ مشروعيته من مرجعيته لكنه لا يفقد قابليته للحياة في عالمٍ يتغيّر؟ هذه الأسئلة وإن كانت معاصرةً في صيغتها، فإن ابن رشد قد ترك لنا مفاتيحها الأولى. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول، لم يكن ابن رشد فيلسوفا قرأ القانون، بل كان – في أحد أعمق معانيه – مفكرا في القانون من داخل الفلسفة ومفكرا في الفلسفة من داخل الشريعة ومفكرا في الشريعة من داخل مقتضيات العدل والعقل والعمران. وتلك منزلةٌ لا يظفر بها إلا القليل.
***
د. حمزة مولخنيف






